واحدةً من أصلِ سبع فتيات في العالم العربي يتزوجن قبل بلوغهن الثامنة عشرة، حسبَ أرقام هيئة الأمم المتحدة. ولكن كثير من التجارب أثبتت أن زواج القاصرة مبكراً ليس نهاية الطريق. فهناك الكثيرات تحدين الواقع وصنعنّ مستقبلهنّ كما يردنّ.

بخُطىً ثابتة، تتقدّم خديجة نحو باب المدرسة التي تشتغل بها أستاذةً للغة الفرنسية، فخورةً بكلّ ما استطاعت تحقيقه خلال هذه السنوات المعدودة، حاملةً في قلبها وذاكرتها قصّة نجاحها في التخلّص من زواجٍ فاشل. كان ذلك، بالنسبة لها، أشبه بقضبان قفص يستحيل تحطيمُها. لكنّها نجحت، اليوم، في الطيران من جديد.

كانت لا تزال طفلة بأحلامٍ كبيرة حين زُوِّجت قسراً من رجلٍ يكبرها بسنين كثيرة؛ فالعادات والتقاليد بمدينة الراشيدية بالمغرب تقتضي ألا ترفض الفتاة أول من يتقدّم لطلبِ يدها. في عُمر الخامسة عشرة، تركت أحلامها وراءها بألمٍ كبير وهي تسير برفقة رجلٍ لا تحبّه نحو "سجن" الزوجية.

طفولةٌ مسروقة

خديجة واحدةٌ من فتياتٍ كثيرات تزوّجن وهنّ قاصرات، فتوقفت حياتهن عند نقطة واحدة. غرقن في مسؤوليات الزّواج والأبناء والأشغال المنزلية، بينما لا تزال قلوبهن تنبض بالرغبة في التعلّم والاكتشاف والمغامرة واختبار الحبّ. فتياتٌ انتُزعت منهنّ طفولتهنّ وبراءتهنّ وشغفهنّ بالحياة تحتَ مسمّياتٍ عديدة، منها السّتر والخوف من العنوسة.

زواج القاصرات
زواج القاصرات ()

انغمسن في حياتهنّ الزوجية، تركن دراستهن، وأنجبن أبناء. وكلّما مرّت السنوات، ازدادَت صعوبة الصعود من قاع هذه الحياة المملة؛ فبالإضافة إلى هذا كلّه، يُطرح أمامهن عائقُ الأهل والخوف من النّكران ونظرة المجتمع إلى المرأة المطلّقة، زيادةً على العائق المادّي؛ إذ لا يملكن دخلاً يمكّنهن من الحصول على استقلاليتهن.

الأرقامُ تقول إنّ واحدةً من أصلِ سبع فتيات في العالم العربي يتزوجن قبل بلوغهن الثامنة عشرة، حسبَ هيئة الأمم المتحدة.

ففي اليمن، تتزوج ما لا يقل عن 60% من الفتيات تحت سنّ الثامنة عشرة، وتتزوج حوالي 40 في المائة قبل بلوغ الخامسة عشرة، حسب مركز الرصد والحماية في منظّمة سياج اليمنية.

وفي المغرب، تصلُ نسبة زواج القاصرات، وفق الإحصائيات، إلى 16%، بالرغم من أنّ القانون حدّد سنّ الزواج عند 18سنة. في مصر، تصل هذه النسبة إلى 18%، وفي سوريا إلى 13%.

الخيار الصعب

"كأيّة طفلة، كنتُ منبهرةً بالاحتفالات وفستان العرس والألبسة المزركشة، وتخيّلتُني لوهلة كأنني أميرةٌ وجدت فارس أحلامها، لكنني عندما ذهبتُ إلى بيت زوجي، صُدمت بالحقيقة المُرة"، تحكي خديجة لـTRT عربي قصّتها بمرارة واضحة.

ترجعُ بها الذاكرةُ سنوات طويلة إلى الوراء. تعتدلُ في جلستها كمن تحاول تجاوز ذلك الماضي المُحزن. تضيف "عارض زوجي مسألة تسجيلي في الثانوية، ومارس عليّ ألواناً من العنف النفسي والجسدي. بعد ذلك، بدأ يصرّ على الإنجاب. وجدتُ نفسي أمّاً وعمري 17 عاماً فقط، ما زادَ من صعوبة الطلاق".

بعد الإنجاب، وجدت خديجة نفسَها في متاهة بلا مخرج، وقضت ثلاث سنوات كاملة وهي تلجِم ألمها بالصبر، لكنّ ذلك لم ينفع، كان دفنُ الأحلام أقوى بكثيرٍ من صلابةِ الصبر. بدأت تعودُ إلى رأسِها طموحاتُها ورغبتُها في التفوق والتعلّم، حبّها للحياة وحاجتُها لأن تعيش عُمرها الطبيعي .. لكنّ المواجهة كانت صعبة.

وثيقة ميلاد جديدة

تُحرَم العديد من الفتيات اللواتي تزوجن وهنّ قاصرات من الكثير من حقوقهن، وعلى رأسِها الحقّ في التعلّم؛ إذ تصبح الحياة الزوجية بالنسبة لهؤلاء الفتيات، في الكثير من الأحيان، عائقاً أمام استكمال دراستهنّ وامتلاك تطلّعاتٍ على المدى الطويل، بسبب المسؤوليات التي تُلقَى على كواهلهنّ في سنّ صغيرة.

فتياتٌ كثيرات بلَعن آلامهنّ بصمت مستسلماتٍ لهذا الوضع، لكنّ فئةً أخرى اختارت الانتفاض في وجه الزوج والأهل والمجتمع، مفضّلةً تصحيح مسارِها ،قبل فواتِ الأوان، على إرضاء الناس.

"الرجوع إلى مقاعد الدراسة أوّلُ خطوةٍ في تصحيح المسار"، تقول خديجة وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةُ ثقة، "كانت المواجهةُ صعبة، وكان الخوف سيّد الموقف" لكنّ خديجة استجمعت شجاعتها وصارحت زوجها وعائلتها برغبتها في الطلاق.

بعد الطلاق مباشرةً، توجّهت بحماس إلى الثانوية حيث تسجلت لاجتياز باكالوريا حرّة. وفي سنة 2006 حصلت على الباكالوريا بتفوق، ثم تسجّلت في الجامعة متخصصة في شعبة الدراسات الفرنسية.

"كان طلاقي وحصولي على الباكالوريا بمثابة وثيقة ميلاد جديدة، بدايةً للحياة التي كنت أريدها دائماً"، تُضيف خديجة مسترجعةً نشوة انتصارِها القديم.

قصص كفاح كثيرة

خديجة، واحدة من نساء كثيرات في العالم العربي، قرّرن مراجعة وتصحيح مساراتهنّ، من خلال التخلّص من زواجٍ فُرِض عليهنّ وهنّ لا يزلن طفلات. ولعلّ أكثر النماذج تأثيراً في هذا السياق، هو قصّة الطفلة اليمنية ندى الأهدل التي هزّت العالم بتسليطها الضوء على المآسي التي تنتُج عن زواج القاصرات.

بنظرةٍ واثقة ونبرة هادئة ثابتة، حكت ندى الأهدل قصّتها للعالم. هذه الطفلة التي تحوّلت إلى مصدر إلهامٍ للكثير من الأطفال والنساء. لقد نجحت في الهروب من أهلها تجنّباً لزواجٍ وشيك. كانت قوية واستطاعت أن تقول "لا" وعمرها 12 عاماً فقط!

ظهرت ندى أول مرة في شريط فيديو عام 2013 لتخبر العالم أنها ستفرّ عند عمّها، لأنّ أهلها يجبرونها على الزواج، وتحدّثت عن الطفلات اللواتي يتمّ تزويجهنّ في اليمن، لكنّهن لا يستطعن الفرار بحياتهنّ، وعن أولئك اللواتي ينتحرن هروباً من هذا الوضع الذي وجدن فيه أنفسهنّ قسراً.

انتشر الفيديو وأحدث ضجة كبيرة، وبعد وقت قصير، أصدرت ندى كتاباً يتناول قصّة حياتها يتضمّن اعترافات والديها برغبتهما في تزويجها، بالإضافة إلى قصص مؤلمة، بينها قصة أختها وخالتها اللتين أقدمتا على الانتحار حرقاً بعد تزويجهما في سنّ الحادية عشرة.

شاركت أيضاً في الفيلم السينمائي "أنا نجوم، بنت العاشرة ومطلّقة" الذي فاز بمجموعة من الجوائز العالمية ورُشّح لجائزة الأوسكار.

رجوعٌ إلى الحياة

"على الفتيات التسلّح بالشجاعة لرفضِ ما لا يُرِدنه، وحدهنّ يستطعن تغيير وضعهنّ"، تؤكد خديجة بإصرار.

خديجة حاصلة اليوم على شهادة الماستر في الأدب الفرنسي، تعدّ بحث الدكتوراه في نفس التخصص، وتشتغل أستاذةً للغة الفرنسية في إحدى الثانويات بالعاصمة المغربية الرباط.

"تزوجتُ مرّةً ثانية، لكنّ الفرق هذه المرّة أنني من اخترتُ هذا الرجل بإرادتي، وتزوجته عن حبّ واقتناع، بعد أن وصلتُ إلى سنّ أستطيع فيه التمييز والاختيار، رجلٌ لا يقف في وجه طموحاتي، بل يدفعُ بها إلى الأمام"، تضيف بنبرة انتشاء.

هذه المرأة البالغة من العمر اليوم 35 سنة، مليئةٌ بالطاقة، ضاجّةٌ بالحياة، فخورةٌ بمسارها لانتزاع حرّيتها. مسارٌ حفرته بأظافرها وأسنانها لتتيح لنفسها ولادةً جديدة.

المصدر: TRT عربي