في كتابها "عصر رأسمالية المراقبة" The age of Surveillance Capitalism، تتطرق شوشانا زوبوف Shoshana Zuboff إلى أحد أهم المواضيع التي باتت تشغل بال الكثير من الناس على مستويات متعددة: إنها المراقبة.

فالمراقبة التي كانت أحد أهم اختصاصات الدولة بشكلها التقليدي باتت عمل شركات التكنولوجيا في هذا العصر أيضاً. لم تعد الدول وحدها هي تلك الكيانات التي تهتم بجمع بيانات مواطنيها عبر المراقبة من أجل عملية إدارتهم أو إخضاعهم، بل أصبحت الشركات أيضاً تجمع هذه البيانات بشكل يفوق الدول بأضعاف مضاعفة.

نظراً إلى حساسية الموضوع يجب أن يحظى الكتاب بكثير من الاهتمام ليس فقط على صعيد الحوارات والنقاشات الأكاديمية بل أيضاً على صعيد الفضاء العام الذي يشمل الناس العاديين الذي هم أول ضحايا "رأسمالية المراقبة". ومن أجل تبسيط بعض المفاهيم التي احتواها الكتاب، كانت هذه القراءة التي ستضع بين يدي القارئ بعض الأفكار الرئيسية التي احتواها البحث.

ما "رأسمالية المراقبة"؟

الفكرة التي طورتها زوبوف سهلة وبسيطة إن جرى فهمها ابتداء من كيفية عمل عملاق محرك البحث Google. وتجادل زوبوف بأن Google، مثلها مثل هنري فورد في بداية القرن العشرين، قدمت نوعاً جديداً أو شكلاً جديداً من أشكال الرأسمالية سمتها "رأسمالية المراقبة".

فالاستخدام البشري لخدمات مثل Google وفيسبوك وما شابهها لا تشكل المنتج بحد ذاته، كما أنهم ليسوا عملاء بذات الوقت. إن هذا الاستخدام البشري للتطبيقات الرقمية يتحول إلى مجرد "مواد خام" تستثمر من أجل تعظيم رأس المال.

تقوم رأسمالية المراقبة على فكرة مؤداها أن التجربة البشرية على المنصات أو التطبيقات الرقمية كمواد خام سوف تترجم من قبل القائمين على شركات تكنولوجيا المعلومات إلى بيانات سلوكية.

بكل تأكيد فإن جزءاً مهماً من هذه البيانات المجمّعة تستخدم في تطوير الخدمات الرقمية المقدمة. ولكن الأهم من ذلك تستخدم هذه البيانات بما يعرف بـ"الفائض السلوكي الخاص"، أي تعرُّف الأنماط البشرية لإدخالها في عمليات الذكاء الصناعي لتصنيع "المنتجات التنبؤية".

شركة جوجول في سان فرانسيسكو
شركة جوجول في سان فرانسيسكو (AP)

يتماشى هذا التوجه مع النزعة البشرية القديمة المتعلقة بهوس الإنسان بمعرفة المستقبل. إن من شأن منتجات التنبؤ السلوكي أن تكون العصب الحيوي لما أطلقت عليه زوبوف اسم "سوق السلوكيات المستقبلية " behavioral futures market.

في الرأسمالية بشكل عام، تسود حالة من الشره من أجل السيطرة على السوق وتحقيق أكبر قدر من الأرباح. من هناك فإن رأسماليي "رأسمالية المراقبة" لا يشكلون استثناء من هذه القاعدة. إن وعيهم بأهمية المصادر التنبؤية للمنتجات الرقمية يدفعهم إلى الطلب بشكل لا متناهٍ للفائض السلوكي للمستخدمين. وحسب زوبوف فإن هذه الخاصية هي الضرورة الاقتصادية الأولى لرأسمالية المراقبة: إن إدامة إمدادات المواد الخام ذات الجودة -التي هي بيانات المستخدمين وسلوكياتهم الشخصية- يجب أن تستمر وعلى نطاق واسع. لقد أطلقت زوبوف على هذه الضرورة "ضرورة الاستخلاص".

من هنا يسعى رأسماليو المراقبة إلى الحصول على أدق التفاصيل. إن بقاءهم على قيد الحياة يرتهن بمقدار حصولهم على سائر البيانات المتاحة وغير المتاحة بجودة عالية. ولذلك فهم يواصلون الليل بالنهار من أجل استحداث برامج لكي يستطيعوا من خلالها جمع أدق التفاصيل عن حياة البشر وسلوكهم اليوم حتى وهو مستغرقين في النوم.

ما تسعى إليه رأسمالية المراقبة هو تجميع أكبر قدر من البيانات الشخصية والسلوكية بأقل تكلفة ممكنة وأكبر جودة متاحة، ومن ثم تحويلها إلى استخدام مربح بشكل مريح. علينا ألا نغفل هنا عن كون رأسمالية المراقبة هي بالأساس ظاهرة اقتصادية ليست تكنولوجية بحتة. إنها مدفوعة برغبة عارمة لتعظيم الربح وتكديس رأس المال. وبذلك تكون التقنيات الرقمية مجرد تكنولوجيات مضمنة داخل إطار اقتصادي يضع التراكم المالي في قلبه.

إن رأسمالية المراقبة وفق هذا المفهوم لا تشكل نظاماً جديداً في حد ذاته بل هي امتداد للرأسمالية التقليدية. أي أنها إحدى تمظهرات الرأسمالية التي اعتدنا عليها طيلة هذه القرون. إن الرغبة وراء استخلاص البيانات تكمن في تحقيق أرباح أكبر. بعبارة أخرى، كلما كانت الشركة أقدر على استخلاص البيانات السلوكية، أو الفائض السلوكي، كانت أفضل وزادت أرباحها.

جوجل وميلاد رأسمالية المراقبة

إن ضرورة الاستخلاص والرغبة في الربح هي التي تفسر، على سبيل المثال، مجموعة منتجات Google التي تبدو لوهلة أنها غير مرتبطة: من Gmail إلى محرك البحث أو مشاريع الكتب أو برامج Android أو خرائط العالم.

مينلو بارك في وادي السيليكون عند غروب الشمس. 19 أبريل 2018
مينلو بارك في وادي السيليكون عند غروب الشمس. 19 أبريل 2018 (Getty Images)

ولكن بنظرة فاحصة سنجد أن ما تشترك فيه كل هذه التطبيقات هو أنها تسهم في جعل عملية استخلاص "المواد الخام" متاحة بشكل سلس: أصواتنا، استفساراتنا البحثية، رسائلنا الإلكترونية، تحديد مواقعنا، ذهابنا وإيابنا، طلباتنا من الطعام أو مشترياتنا جميعها تمكّن شركة Google من استخلاص "البيانات السلوكية" لتضميها في المنتجات التنبؤية.

ترى زوبوف أن Google هي مخترع رأسمالية المراقبة. وتشدد على فكرة أن رأسمالية المراقبة يجب ألا تتساوى مع التكنولوجيا الرقمية. لا مراء بأن رأسمالية المراقبة وُلدت رقمياً، لكنها لم تعد تقتصر على الشركات التي ولدت رقمياً. ما يعد غاية في الأهمية بالنسبة للشركات العاملة وفق مبدأ رأسمالية المراقبة أن تبقى خاصية استخلاص البيانات فاعلة على نطاق واسع. يجب تحت أي قانون ألا تتوقف تلك البيات أو يُحجّم الحصول على الفائض السلوكي للأفراد.

يحتاج الكتاب إلى مساحة أوسع من هذه بكثير للتفصيل بأفكاره التي يطرحها. ولكن قبل الانتهاء لا بدّ من التذكير أنه وبسبب خاصية استخلاص البيانات التي أصبحت العصب المحرك لرأسمالية المراقبة، فإن الحديث عن الخصوصية يبدو غير ذي صلة، كما أن الحديث عن تحديثات لتعزيز الخصوصية ما هي إلا بيع للأوهام. إن الإبقاء على قدرة الوصول إلى بيانات الفائض السلوكي كافة ستبقى الشغل الشاغل لرأسمالية المراقبة ومحركاتها الأساسية التي تقبع في السيليكون فالي.

المصدر: TRT عربي