كرس العالم فؤاد سيزكن حياته للعلم والمعرفة  (Others)
تابعنا

ولد العالم التركي فؤاد سيزكن في بلدة بدليس في الأناضول عام 1924، وبعد أن أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة انتقل إلى إسطنبول سعياً لتحقيق حلم دراسة الهندسة.

التقى سيزكن في إسطنبول المستشرق الألماني هلموت رتر الذي كان يدرِّس بمعهد الدراسات الشرقية عام 1943. وشكل هذا اللقاء منعطفاً بحياة سيزكن، فجعله يترك الهندسة ويتخصص بالدراسات الشرقية على يديه. كما أقنعه "بأن أساس العلوم يستند إلى العلوم الإسلامية". وطلب منه بروفسير رتر أن يتعلم العربية "لأنها شرط أساسي لإجراء الأبحاث في مجال العلوم الإسلامية".

أكمل سيزكن أطروحة الدكتوراة ببحث في كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى. لم يكن الكتاب في مجال تاريخ العلوم الإسلامية، ولكنه تَعرَّفْ من خلاله المخطوطات الإسلامية. كما حصل على مرجع هام أثناء بحثه من ناحية التاريخ الإسلامي وتأثر به كثيراً، هو كتاب "تهذيب التهذيب" لأبي حجر العسقلاني. فاطلع على الأجزاء الثمانية لكتاب الإمام البخاري، ونشر عنه كتابين.

الهجرة بعد الانقلاب العسكري

بالسابع من مايو/أيار 1960 انقلبت مجموعة عسكرية في الجيش على جميع المؤسسات الديمقراطية بتركيا. شكلت هذه المجموعة لجنة "الوحدة الوطنية" التي استهدفت المؤسسات التعليمية، فطردت 147 عالماً متميزاً من الجامعات، وكان سيزكن أحدهم ففُصل من عضوية الهيئة التعليمية بمعهد العلوم الشرقية بجامعة إسطنبول.

بعدها في عام 1961 غادر سيزكن بلده تركيا واستقر في ألمانيا بعد تلقيه دعوة من جامعة غوته في فرانكفورت. فالرحلة التي كانت تشبه النفي كانت انطلاقة للاستمرار بكتابة "تاريخ العلوم الإسلامية" من جديد. وأعد فيها بحوثه حتى حصل على رتبة الأستاذ بـ"علوم التاريخ" من جامعة غوتة عام 1965.

أحدث نشره لسفره العظيم "تاريخ العلوم العربية الإسلامية" ضجة عظيمة عام 1967. فاللجنة الدولية التي كانت تعمل على كتابة تاريخ العلوم الإسلامية بفرانكفورت توقفت عن نشاطاتها إثر نشر الكتاب. يقول سيزكن: "شرعت بتأليف كتابي لكنني في أثناء كتابته غيرت خطتي كلياً وعملت على أن يكون كتاباً مرجعياً بتاريخ العلوم الإسلامية، وهو تاريخ البداية".

يقول محمود أق رئيس جامعة إسطنبول السابق وعضو مجلس إدارة وقف أبحاث تاريخ العلوم الإسلامية: "هذا الكتاب يجب أن يبقى خالداً ما بقي الدهر يذكر بفؤاد سيزكن، فهو كتاب رغماً عن أن يبدو كتاباً لتاريخ الآداب الإسلامية، إلا أنه في الواقع كتاب للعلوم الإسلامية فكل مجلد منه يتناول فرعاً من العلوم".

أكمل سيزكن كتابه "تاريخ العلوم العربية الإسلامية" المكون من آلاف الصفحات في 17 مجلداً، ما بين عام 1967 و2000، ليحوز على جائزة الملك فيصل. مما أتاح له الفرصة للتعرف إلى كثير من الأكاديميين والمهتمين بالبحث العلمي بخاصة في مجال التاريخ الإسلامي.

رأى سيزكن وجود حاجة إلى دراسة تاريخ العلوم الإسلامية على نطاق أوسع، فأسس وقف معهد تاريخ العلوم العربية الإسلامية بجامعة غوتة فرانكفورت عام 1980 الممول من 14 منظمة عربية، مستفيداً من علاقاته التي نشأت مع بعض المسؤولين العرب الذين التقاهم في حفل توزيع جائزة الملك فيصل.

العودة إلى الوطن

نقل سيزكن أعماله إلى أرض وطنه تركيا عام 2008 بعد أن بلغ الثمانين، وذلك بإنشائه "متحف إسطنبول لتاريخ العلوم والتكنولوجيا في الإسلام" الذي افتتحه رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء حينها.

يقول أرسان أصلان رئيس جامعة قرق قلعة: "لقد استعيد فؤاد سيزكن بوصفه عالماً منسياً بدعوة رئيس جمهوريتنا". وعام 2010 أُسس وقف فؤاد سيزكن لأبحاث تاريخ العلوم الإسلامية لدعم نشاطات معهد إسطنبول لـ"تاريخ العلوم والتكنولوجيا في الإسلام" وضمان استمراريتها. هذا وقد بدأ معهد فؤاد سيزكن لـ"تاريخ العلوم الإسلامية" نشاطاته بجامعة وقف السلطان محمد الفاتح عام 2013.

يشير يوسف قبلان عضو هيئة التدريس بجامعة صباح الدين زعيم إلى "أن فؤاد سيزكن عالم كبير لعب دوراً تاريخياً بفهم الحضارة الإنسانية وإضفاء المعنى عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة. لقد كان عالماً تاريخياً بكل معنى الكلمة. فلم يكن عادياً يغيب في التاريخ، بل ينقب فيه لبناء المستقبل. وكان يعمل على إنقاذ حضارتنا من الرماد الذي دفنت به. لا أحد خلال القرنيين الماضيين استطاع فعل ذلك كسيزكن".

حطم سيزكن، وباعتباره أحد أبرز مؤرخي العلوم الإسلامية في التاريخ الإنساني، مسلَّمتين كبيرتين في تاريخ العلوم، من خلال أفكاره وأعماله، فقد اكتشف أن البُخاري استند بكتابه الذي جمع فيه الأحاديث إلى مصادر مكتوبة بجانب الروايات المنقولة شفاهة، مقدماً بذلك خدمة جليلة للتاريخ الإسلامي.

كما أبطل سيزكن مزاعم عجز المسلمين عن إنتاج العلوم من خلال السجلات والمخطوطات والوثائق والبيانات العلمية التي جمعها. وهكذا أثبت للعالم كله أن ما يسميه علماء الغرب بعصور الظلام المزعومة ما هي في الحقيقة إلا العصر الذهبي للإسلام. والأساس الذي بنت عليه أوروبا حضارتها القائمة اليوم.

بجانب إتقانه للغة العربية فقد أتقن د. فؤاد سيزكن 26 لغة قراءة وكتابة. كما لم يستعن بمترجم قط طوال حياته، وكان يترجم لجميع الأعمال التي كتبها بنفسه. كما كان رجل علم لم يهدر وقته. ولم يهتم برفاهية أو كسب مال؛ يأكل الخبز والجبن فقط لأكثر من أربعين عاماً زاهدا بنعيم الدنيا ناذراً نفسه للعلم.

يشير محمود أق إلى أن اسم فؤاد سيزكن منبع التحفيز "والتفكير في كيفية كتابة أعماله يشكل منبعاً آخر للتحفيز كما أن الثراء الموجود في أعماله هو الإلهام الذي قدمه للعلماء".

عاش سيزكن أربعين عاماً في ألمانيا محافظاً فيها على هويته واستقلاليته. يقول سيزكن: "يقدَّم الدين الإسلامي كما لو أنه عقبة أمام الأعمال العلمية، غير أن الدين الإسلامي في الواقع ليس كذلك على الإطلاق، وما أردت فعله طوال حياتي إثبات عدم صحة هذا الاعتقاد وكشف الحقائق التاريخية".

رحل سيزكن عن الدينا في 30 يونيو/حزيران عام 2018 عن عمر يناهز 94 عاماً، فأصدر رئيس الجمهورية قراراً جعل بموجبه عام 2019 عام فؤاد سيزكن.

TRT عربي