الرئيس الرواندي بول كاغامي وإيمانويل ماكرون في آخر زيارة له لإفريقيا (Ludovic Marin/AFP)

انطلقت قمة "إفريقيا فرنسا" صباح الجمعة بمدينة تولوز الفرنسية. قمة أريد لها أن تأتي بصيغة جديدة تستعبد "بشكل غير مباشر" مشاركة رؤساء وزعماء أفارقة لأول مرة في تاريخها، وتعطي "الأولوية لشباب هذه الدول ولكل الذين يصنعون التغيير في القارة السمراء، وفي فرنسا ومن أجل الإنصات لهم والخروج من الصيغ والشبكات البالية" في سبيل "تأسيس علاقات جديدة" مع المستعمِر القديم، حسب ما صرَّح به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سابقاً.

بالمقابل، يؤشر الواقع على الأرض بانحسارٍ للنفوذ الفرنسي في إفريقيا، في دول الساحل كما في إفريقيا الوسطى، تضاف إليه أزمة ديبلوماسية أثارتها تصريحات الرئيس ماكرون مؤخراً مع الجزائر. ما يدفع مراقبين إلى الإجماع على أن نسخة القمة هذه تأتي كمحاولة تدارك هذا الوضع الفرنسي المترهل، محاولة بعث الروح في شركات "فرانس أفريك" التي دأبت على نهب خيرات القارة السمراء.

قمة جديدة قديمة

هذا وتعقد هذه القمة بعد غياب لسنوات، حيث جرى تأجيل نسختين منها بسبب جائحة فيروس كورونا. ويتوقع أن يحضرها حوالي ثلاثة آلاف شخص، ألف شاب منهم من 12 دولة إفريقية. كما ستحتضن خمس ورشات يجري خلالها تبادل الأفكار حول خمس مجالات، وهي الاقتصاد والرياضة والتعليم العالي والبحث العلمي والديمقراطية إضافة إلى الميادين الثقافية بهدف "رسم علاقة جديدة بين القارة السمراء وفرنسا" حسب وكالة الأنباء الفرنسية.

ووفقاً لما أورده الإليزيه فـ"كل المواضيع التي تثير الغضب ستطرح على الطاولة" من التدخلات العسكرية الفرنسية إلى السيادة والحوكمة والديمقراطية، معترفاً بأن "الأجواء السياسية الحالية تجعل المناقشات حساسة". وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد كلَّف سابقاً المفكر الكاميروني، أشيل مبيمبي، بالسهر على تنظيم القمة في شكلها الجديد.

مبيمبي الذي قدَّم للإليزيه تقريراً يقول فيه بأنه "ليس هناك ضرر أكبر من دعم فرنسا المفترض للاستبداد في القارة". مؤكداً أن فرنسا ما زالت منفصلة جداً عن واقع "الحركات الجديدة والتجارب السياسية والثقافية" التي يخوضها الشباب الإفريقي. بينما يعد الإليزيه بـ"مقترحات عملية" بناء على التقرير الذي قدمه المفكر الكاميروني إلى الرئيس ماكرون.

دون إفريقيا، فرنسا ستصبح من دول العالم الثالث!

في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، جمعت مناظرة تلفزيَّة شرسة المرشَّح الرئاسي اليساري جان لوك ميلانشان بنظيره اليميني المتطرف المرتقب ترشُّحه الرسمي إيريك زيمور. فيما اتفق الجانبان، من أقصى اليمين وأقصى اليسار، على أن فرنسا تعيش مرحلة انحطاط وانحدار تتجه به نحو أن تصبح دولة من العالم الثالث.

قول تؤكده مؤشرات مثل "صفعة" الغوَّاصات الأستراليَّة، إضافة إلى ضياع رهانات فرنسا في شرق المتوسط وليبيا، كما انحسار نفوذها في دول الساحل وإفريقيا الوسطى لصالح التمدد الروسي. هذا دون إغفال توتر علاقاتها بدول المغرب الكبير إثر قرار حكومة ماكرون تشديد إجراءات منح التأشيرات لمواطنيها، والأزمة الدبلوماسية التي أثارتها تصريحات ماكرون "المسيئة" للجزائر.

فيما "دون إفريقيا، فرنسا ستنزلق إلى مرتبة دول العالم الثالث"، على حد قول الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك. تحاول القمة الجديدة، بحسب الإليزيه، إعادة إحياء العلاقات الفرنسية الإفريقية. هذه العلاقات التي طبعتها شركات "فرانس أفريك" التي نهبت خيرات البلدان الإفريقية، كما تدخلت في أكثر من 22 مرة ضد إرادة شعوبها لتنصيب من يخدمون المصالح الفرنسية في مواقع السلطة.

بداية بـ "الفرنك الإفريقي" العملة الموحدة التي تعد أهم آليات نهب "فرانس أفريك" خيرات الأفارقة وسيطرتها على اقتصادات دول غرب ووسط القارة. حيث تفرض فرنسا على تلك الدول، بحكم هذه العملة، توريد 100% من احتياطي عملتها الصعبة في البنك المركزي الفرنسي تحت ذريعة توفير غطاء نقدي لإصدار الفرنك الفرنسي واليورو بعدها. وقد جرى تخفيض هذه النسبة إلى 65% في السبعينيات، ولاحقاً إلى 50% منذ عام 2005.

بالتوازي مع ذلك وطنت فرنسا القسم الأكبر من أذرعها الاستخباراتية والمرتزقة من أجل إطباق السيطرة على الوضع السياسي بما يخدم استمرار مصالحها. مهمات تلك الأذرع كانت هندسة الأنظمة السياسية الإفريقية، وتنفيذ اغتيالات وانقلابات في حق من يعارضون تلك المصالح. من بينها اغتيال الرئيس البوركينابي توماس سانكارا بانقلاب سنة 1987، وقبلها رئيس التشاد فرانسوا انغرتا سنة 1975، والرئيس الكونغولي لوران كابيلا سنة 2001.

بالمقابل، تنتشر الشركات الفرنسية في كامل التراب الإفريقي، مستحوذة على مواردها الطبيعية، مقابل اشتراكها في المجهود الاستخباراتي والعسكري لباريس لاستمرار إطباق سلطتها على القارة. فيما تفضح قضيَّة شركة البترول "إلف" كيفية عمل هذه المنظومة ارتكازاً على الفساد والرشاوى والترهيب والقتل.

ما زالت "فرانس أفريك" قائمة!

أشهر قليلة بعد تقلده حكم البلاد، تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإنهاء "فرانس أفريك" والقطع بشكل نهائي مع سياسة الإملاءات التي كانت تمارسها بلاده على مستعمراتها السابقة. تعهدات لم تتحقق إلى الآن، بالمقابل تكشف تحقيقات صحفية استمرار الاستغلال الفرنسي للقارة السمراء.

أحدها ما نشرته منظَّمة "ديسكلوز" وموقع "ميديابارت" شهر سبتمبر/أيلول الماضي، حيث كشفت عن معاملات بنكية مشبوهة، فساد مالي وتسليح لجيوش متهمة بارتكاب انتهاكات حقوقية تقف خلفه "الوكالة الفرنسية للتنمية".

بالمقابل يظهر أن غالبية الشركات التي تشتغل في إنجاز المشاريع الممولة من "الوكالة الفرنسية للتنمية" بإفريقيا شركات فرنسية، فحسب البيانات التي حللها فريق التحقيق من أصل 495 مشروعاً ممولاً بين 2015 و2019 نجد 320 رست مناقصاتها على شركات فرنسية.

ويجري تمويل هذه المشاريع عبر اقتراض الوكالة مليارات اليوروهات بفائدة منخفضة لتعيد إقراضها بفوائد أعلى للفاعلين الحكوميين والخاصين في الدول الإفريقية الذين يدفعون الفاتورة للشركات الفرنسية التي قلما تنجز تلك المشاريع وفق المواصفات المعتمدة في دفاتر التحملات.

TRT عربي