تحقيق فرنسي يكشف الجانب المظلم لـ"الوكالة الفرنسية للتنمية" (Ludovic Marin / Pool/AFP)

"خروج الوكالة الفرنسية للتنمية عن السيطرة" هو ما يكشف عنه تحقيق صحفي من ثلاث أجزاء، اشتركت في إنجازه منظَّمة "ديسكلوز" المختصَّة في الصحافة الاستقصائية وموقع "ميديابارت الفرنسي".

هذا الصندوق الذي يعود تأسيسه إلى أزيد من ثماني عقود مضت وتعتبره الحكومات الفرنسية أداة لما تصفه بـ"تضامن فرنسا مع إفريقيا"، نجده يسلِّح جيوشاً تلاحقها شبهات القتل الجماعي والاغتصابات بدول الساحل، أو منغمساً في تبديد الأموال على مشروعات مشوبة بفساد مالي بالكاميرون، أو يخوض في معاملات بنكيَّة غير شفافة. فيما كل هذه الفضائح تجتمع لترسم "بروفايل" لأكثر الجوانب المظلمة لـ"الوكالة الفرنسية للتنمية" الأخطبوط المالي الفرنسي لاستغلال إفريقيا.

قتل بتمويل فرنسي!

سنة 2020 تلقت جيوش دول الساحل تسليحاً فرنسياً كبيراً في عملية مولتها وكالة "Expertise France" التي من المزمع أن يجري دمجها في "الوكالة الفرنسية للتنمية" نهاية هذه السنة. بغلاف مالي فاق 196.4 مليون يورو عمدت فرنسا إلى تسليح تلك الجيوش بـ46 مدرَّعة و676 سيارة عسكرية و96 طائرة مُسيَّرة، إضافة إلى 3700 سترة واقية من الرصاص و571 جهاز رؤية ليلية ومولد كهرباء وجهاز راديو، كلُّها صناعة فرنسية بهدف تعزيز القوات الإفريقية مع انسحاب فرنسا من عمليات برخان.

بينما الخلل، يقول تحقيق "ديسكلوز" و"ميديابارت"، أن تلك القوات متهمة بارتكابها جرائم حرب وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. ففي سنة 2020 وثَّقت "هيومان رايتس ووتش" إقدام قوات التحالف الذي تقوده فرنسا بعمليات إعدام خارجة عن قانون لعدد من الأفراد. وأوردت تقارير بعثة الأمم المتحدة إلى مالي ارتكاب القوات البوركينابية 50 من عمليات القتل تلك، و94 عملية أخرى كان منفذوها جنود ماليون. إضافة إلى عدد آخر من المذابح والاغتصابات التي تقف خلفها تلك القوات وترصدها تقارير المنظمات الدولية.

أمام هذا الواقع الذي كشفه المحققون كان جواب "Expertise France" متملصاً بالقول: "إن مسؤوليتنا تنتهي بوصول الأسلحة إلى أصحابها". فيما تفيد إحصائيات بأنه في غضون سنة 2020 فقط فَقَدَ أزيد من 2400 مدني حياتهم خلال الحرب بمنطقة الساحل.

صندوق لنهب خيرات إفريقيا!

"المساهمة في الحد من اللا مساواة في العالم ومساعدة الدول الإفريقية على التنمية" هي الشعارات التي ترفعها "الوكالة الفرنسية للتنمية" أهدافاً تعمل على تحقيقها في إفريقيا، تموِّلها عبر اقتراضها مليارات اليوروهات بفائدة منخفضة لتعيد إقراضها بفوائد أعلى للفاعلين الحكوميين والخاصين في الدول الإفريقية، في عملية يصفها تحقيق "ديسكلوز" و"ميديابارت" بـ"المغالطة" ويكشف عن أن 87% من الـ12 مليار يورو التي رصدتها الوكالة لإنجاز أعمالها سنة 2020 كان عبارة عن قروض للفاعلين الأفارقة.

بالمقابل نجد أن غالبية الشركات التي تشتغل في إنجاز هذه المشاريع الممولة من "الوكالة الفرنسية للتنمية" شركات فرنسية. وحسب البيانات التي حللها فريق التحقيق من أصل 495 مشروعاً ممولاً بين 2015 و2019 نجد 320 رست مناقصاتها على شركات فرنسية، "لأنهم استجابوا لمعاييرنا حول المسؤولية الاجتماعية والبيئية"، يبرر برنار فالكناير نائب رئيس الوكالة.

أحد تلك المشاريع الممولة من الوكالة كان إعادة تهيئة مطار مدينة دوالا بالكاميرون سنة 2016، بقرض 46 مليون يورو للشركة الحكومية الكاميرونية للمطارات، وأنجزته شركتان فرنسيتان بفاتورة بلغت 24.4 مليون يورو. تضمّن المشروع إصلاح منصات هبوط المطار وقاعة المسافرين وأشغالاً أخرى. بعدها بسنتين راسلت شركات الطيران إدارة المطار احتجاجاً على الحالة السيئة للمهبط وعلى وجود كابلات كهربائية تعوق عملية النزول وتهدد سلامة الركاب، بجانب قاعة المسافرين لا تزال في حالة سيئة.

عند سؤال فريق تحقيق الوكالة عن "أي ضمانات فُرضت من أجل إنجاز مشروع المطار وأي متابعة للإنجاز وصفها ممول المشروع"، تعلَّلت هذه الأخيرة بـ"السر البنكي" من أجل عدم الإفصاح عن أي من هذه المعطيات. بالمقابل تضع منظمات دولية "الوكالة الفرنسية للتنمية" في ذيل ترتيب الصناديق الإنمائية في ما يخص الشفافية. فحسب ترتيب "Aid transparency Index" لسنة 2020 حلت الوكالة الفرنسية في الرتبة 30 من أصل 47، وفي سنة 2014 حلَّت في الرتبة 44.

TRT عربي
الأكثر تداولاً