مع انتشار فيروس كورونا ظهرت الكثير من القصص والمشاهدات التي تنم عن جهل تارة وعن نشر أخبار مزيفة تتعلق بالخرافات تارة أخرى. وقد أسهم ذلك في زيادة انتشار العدوى بشكل عام.

 أحد اليهود المتدينين يقرأ ملصقاً حول كيفية العطس بشكل صحيح. 
 أحد اليهود المتدينين يقرأ ملصقاً حول كيفية العطس بشكل صحيح.  ()

تزامناً مع تفشّي جائحة فيروس كورونا، يبدو أن العالم يواجه وباء موازياً لا يقل خطورة عنه يتمثل في الجهل والأخبار المزيفة التي يسهم في نشرها العديد من الأطراف، منهم رؤساء طوائف دينية وسياسيون ومبشرون بنهاية العالم. وهي بدورها تسهم في تعقيد محاولات مكافحة فيروس كوفيد-19.

فبعد أن كانت مدينة ووهان الصينية البؤرة الأولى لتفشي الوباء في أواخر عام 2019، أصبحت كنيسة شينتشونجي في كوريا الجنوبية، وهي طائفة غامضة تأسست عام 1984، يزعم مؤسسها أنه يجسّد المجيء الثاني للمسيح.

ويُعتقد أن 60% من المصابين في كوريا الجنوبية وعددهم 9,786 من أعضاء الكنيسة البالغ عددهم 230 ألفاً. وقد تسبّب هذا الاستهتار في غضب السكّان من تلك الطائفة مما أجبر مؤسسها لي مان هي البالغ من العمر 88 عاماً، على أن يجثو على ركبتيه ويطلب المغفرة من الشعب بسبب الدور الذي لعبه أتباعه في نشر الفيروس.

أما ماليزيا فقد سجلت تصاعداً في أعداد المصابين (2,766). وقد ارتبط معظم الإصابات بتجمّع ديني أقامته جماعة "التبليغ" في مسجد بيتالينغ في ضواحي العاصمة كوالالمبور. حضر الحدث 16 ألف شخص في أواخر فبراير/شباط، وبعضهم جاء من سنغافورة وبروناي المجاورتين. وفي الوقت ذاته شارك 30,000 شخص في احتفال هندوسي في ولاية بينانغ الماليزية.

في إيران، البؤرة الساخنة للوباء في الشرق الأوسط بعدد إصابات وصل إلى 44.605 ووفيات وصل إلى 2898، أغلقت السلطات المزارات الدينية في مدن قم ومشهد وطهران بسبب تفشي الوباء. لكن بعض الإيرانيين المتدينين أصروا على زيارة ضريح الإمام الثامن للشيعة علي بن موسى الرضا في مشهد وشقيقته فاطمة معصومة في قُم.

وفي العراق (694 إصابة) الذي يضم قبور 6 من أئمة الشيعة الاثنا عشرية، واجه المؤمنون قرار السلطات إغلاق الأضرحة بإصرارهم على الاستمرار في الزيارة الدينية. ونشروا مقاطع فيديو تسخر من ارتداء الأقنعة الواقية عند الزيارة زاعمين أنها لا تقي من الإصابة بالوباء. وإذا كان صحيحاً أن الأقنعة ربما لا تقي بشكل كامل من الإصابة فإن التجمع بأعداد كبيرة في مثل هذه الأماكن يشكل بيئة خصبة لنقل العدوى.

وفيما قام شبّان إيرانيون بلعق شبابيك الأضرحة في تحدٍّ لانتشار الوباء. أصرّ بعض الشيعة، من أتباع المراجع المختلفة مثل السيد مقتدى الصدر وصادق الشيرازي، على إحياء ذكرى وفاة الإمام موسى الكاظم، متحدّين حظر التجوال والفتاوى الدينية التي منعت ذلك، ودعت لوقف صلوات الجمعة، مثل فتوى آية الله علي السيستاني في 10 مارس/آذار، واقتحموا الأضرحة في العراق وإيران.

وقد سجل العراق 11 حالة إصابة بفيروس كورونا لزوّار شيعة من مدينة كربلاء كانوا قد عادوا مؤخراً من سوريا، ممّا يزيد من ارتباط انتشار الوباء بالإصرار على زيارة دور العبادة.

أما في إيطاليا، فقد أعيد افتتاح بعض كنائس روما بعد تدخل البابا فرنسيس على الرغم من أن البلاد تعد الأكثر تضرراً من الفيروس بعدد الوفيات على مستوى العالم (12,428 وفاة وأكثر من 105 آلاف إصابة).

وكان البابا قد عبّر عن انزعاجه من قرار السلطات إغلاق الكنائس مع مواجهة البلاد لأسوأ كارثة منذ الحرب العالمية الثانية، إذ دعا في صلاته لعدم ترك "شعب الرب المؤمن المقدس وحيداً".

وبهدف عدم ترك المؤمنين يشعرون بالعزلة وزرع الشكوك في قلوبهم، أعلن الكاردينال أنجيلو دي دوناتس غلق الكنائس الكبيرة، قرابة 300 من أصل 900 كنيسة كاثوليكية في روما حتى 3 أبريل/نيسان، أمام السوّاح. وابقاء كنائس صغيرة في أماكن محددة مفتوحة للمؤمنين لكي لا يشعروا أن الكنائس أغلقت أبوابها في وجوههم.

وعلى الرغم من تشبيه البعض قرار الإغلاق بأنه بمثابة وضع "المسيح في الحجر"، تبقى ساحة القديس بطرس والكنيسة مغلقة أمام الزوار. 

ووسط سخط بعض رجال الدين المسلمين والمسيحيين، قررت السلطات المصرية إغلاق الجوامع والكنائس ومنع زيارة الأديرة في البلاد لمدة أسبوعين. لكن أهالي الإسكندرية، فوجئوا بتظاهرات وتكبيرات ضد الفيروس والدعاء عليه في منطقة أبو قير، انتهت بتفريق التظاهرة وإلقاء القبض على بعض المشاركين فيها في موقف هزلي دعا بعض المصريين للقول بأن ذلك سيجعل البلاد تتنافس مع إيطاليا في نهائيات فيروس كورونا.

وفي الهند (1397 إصابة)، أعلن بعض أعضاء حزب رئيس الوزراء ناريندرا مودي بأن بول البقر وروثه يمكن أن يعالج فيروس كورونا المستجد، ممّا دعا عشرات الهندوس لإقامة حفل شرب بول البقر في العاصمة نيودلهي. 

وتمسكاً بالتقاليد العرفية، أشارت بعض التقارير الإخبار إلى محاولة أسرة عراقية من بغداد إخفاء إصابة ابنتهم بفيروس كورونا تجنباً للحجر الصحي بحجة حماية "شرف العائلة".

أما فيما يتعلق بشائعات العلاج، فقد سارت أحاديث في إيران بأن شرب الكحول يقي من الإصابة بالفيروس. وسريعاً أصبح الكحول المغشوش وباء آخر أودى بحياة 244 شخصاً وسمم 2,197 آخرين بسبب الميثانول وأصيب بعضهم بالعمى.

تعتبر مشاركة الأخبار والعلاجات الخاطئة من أشكال الجهل المتفشي مع الوباء وقد يكون نشرها عمداً بمثابة جريمة لما قد تؤدي إليه من حالات هلع أو قتل أو نشر للكراهية العرقية. ومن بين الأخبار الكاذبة التي انتشرت وجود علاقة بين تفاقم المرض وتناول أدوية إيبوبروفين ومايبيد وميدروبول للسيطرة على الحمّى، ونسبه إلى جامعة فيينا الطبية. كما حذر بعض الأطباء من أن تناول الباراسيتامول بشكل مفرط ومن دون وصفة طبية -بهدف تقليل الأعراض- قد يؤدي إلى حدوث تسمّم قاتل. 

وقد انضم السياسيون إلى مهرجان نشر الأخبار غير المؤكدة، ومنهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي غرّد بخصوص فاعلية عقار الهايدروكسي الكلوروكين الخاص بالملاريا. وقد يؤدي الاستخدام الخاطئ لهذا الدواء إلى توقف في القلب وانخفاض في ضغط الدم ونسبة السكّر وتغيرات في الحالة الذهنية.

وقد لامَ العديد من الأطباء ومن بينهم أنتوني فاوتشي مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، الرئيس ترمب على تلك التغريدة، خصوصاً وقد تحققت بعض من تداعيات تلك التغريدة بالفعل مع تناقص الدواء من الأسواق وحرمان مرضى الذئبة الحمراء والتهاب المفاصل الروماتويدي من فرص الحصول عليه.

وفرضت الهند بناء على ذلك، المنتِج الأكبر له، حظراً على تصدير هذا العقار. فيما حصلت وفيات في نيجيريا بسبب جرع زائدة منه لأشخاص عالجوا أنفسهم ذاتياً، فضلاً عن دعوة الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو الجيش لتصنيع العقار. 

ومع انتشار الكثير من الفيديوهات حول نهاية العالم ونصوص من كتب تنبؤات وروايات حول الأوبئة، فاجأ وزير الصحة في إسرائيل يعقوب ليتسمان (الذي يترأس حزب يهدوت هتوراه) العالم بحديثه عن "ضرورة الصلاة على أمل أن يأتي المسيح المنتظر قبيل عيد الفصح ليخرجنا من الوباء كما أخرجنا الرب من مصر الفراعنة"، مما دفع وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان لوصفه بـ"وزير صحة قادم من القرن التاسع عشر".

ويأتي هذا الحديث وسط تخوّف كبير في الأوساط العلمانية من عدم التزام اليهود المتشددين (الحريديم) قواعد التباعد الاجتماعي وإجراءات الوقاية من الوباء القاضية بمنع التجمّعات بما في ذلك الطقوس الدينية وإغلاق جميع الكُنس، إذ وُجد أن الكنُس والمدارس الدينية (يشيفاه) بؤر ساخنة لانتشار الوباء وأن أكثر من 30% من المصابين في الأماكن العامّة قد زاروها.

وأخيراً، في ظل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها البشر بسبب جائحة مثل جائحة فيروس كورونا، ما أحوجنا إلى تقصّي الحقائق واتباع شروط العلم من أجل الخروج بأقل الأضرار والخسائر بعيداً عن قصص الجهل والأخبار الزائفة.

المصدر: TRT عربي