كثيراتٌ هنّ النّساء اللواتي حُرِمن من حقّهنّ في التعلُّم، أو فوّتن هذه الفرصة لأسبابٍ متعدّدة منها انعدام وعي آبائهنّ بضرورة إدخالهنّ المدرسة، فكبِرن وفي قلوبهنّ غصّة الحرمان. لكنهنّ استطعن تعويض ما فاتهنّ بعد اكتشافهنّ برامج محو الأمّية.

في حديقة بيتِها الفسيح الموجود بضواحي مدينة الدار البيضاء، تجلس سُعاد على كُرسيّ هزّاز وهي تحملُ دفتراً وقلماً. تُدوّن بتركيزٍ شديد قصيدةً بعنوان "أنا والتعلُّم"، تحكي فيها عن تجربتها مع محاربة الأمّية، هذه التجربة الفارقة التي غيّرت حياتها، وفجّرت داخلها حبّاً كبيراً للإبداع الأدبي. ترتسمُ على وجهها ابتسامة زاهية وهي تشعر كأنّها لملمت جراح جناحيها، وأصبحت قادرةً على الطيران من جديد.

سُعاد.. جناحان مكسوران

حين وصلت سُعاد إلى سنّ التمدرس، لم يكُن بإمكان كثير من البنات، بخاصّة في القرى المغربية، الظفرُ بفرصةٍ في التعلُّم. الأسباب متعدّدة: التقاليد والعادات، بُعد المدارس عن البيوت، خوف الآباء على بناتهم، انعدام الوعي بجدوى التعلُّم بالنسبة إلى الإناث...

لذلك قضت سعاد طفولتها تراقبُ الأطفال الذكور يعودون من المدرسة حاملين محافظهم على ظهورهم. كانت تفعلُ ذلك بحزن كبير، وهي تتساءلُ ببراءة بينها وبين نفسها "لماذا لا يحقّ لي أن أتعلّم أيضاً؟ ما العيبُ في ذلك؟ ولماذا يجب أن يكون مستقبلي غير ما أحلم به؟

لم يأتِها أيّ جوابٍ يَشفي غليل أسئلتها لحظتَها، لكنّها فهمت في ما بعد، حين كبِرَت، أنّ الناس في وسطها يرَون أنّ المستقبَل الوحيد الذي يمكن أن تحلُم به هو زوجٌ وبيتٌ وأطفال، هذا ما كان يقوله والداها، وهذا ما جعلهُما لا يفكّران في تسجيلها بالمدرسة. لم تكن الفكرة مغرية بالنسبة إليها يوماً، تألّمت، لكنْ لم يكن أمامها خيارٌ سوى الاستسلام.

هي الآن في التاسعة والأربعين من عمرها، زوجة وأمّ وربّة بيت. وجهُها مُبتسمٌ على الدوام. عيناها تشعّان بريقاً قلّ نظيره. تُطلق ضحكةً طفولية وهي تتحدّثُ عن نفسها وتحكي تجربتها بفخر، فهي تحبّ أبناءها الثلاثة، وتقدّر زوجها أيّما تقدير، لكنّها ما كانت لتكون سعيدة لولا أنّها ما أصبحت، أخيراً، قادرةً على القراءة والكتابة، بل وأيضاً شاعرة.. ذلك الحلمُ الذي راودها طويلاً منذ أن بدأت تعقل، الأملُ بأن يشفى جناحاها المكسوران.

"مكانُ المرأة بيتُها"

"الأوان لا يفوت أبداً على التعلُّم"، هذه هي الفكرة التي تؤمن بها معظم النساء اللواتي أقدمن على محاربة الأمية، على اختلاف الأسباب التي جعلتهنّ يقرّرن تعلّم القراءة والكتابة، حتى ولو في سنّ كبيرة.

منهنّ من دفعها بُعد المسافات إلى التعلُّم من أجل القدرة على التواصل مع أبنائها، ومنهنّ من حثّها الحرمانُ من التعليم في الطفولة، فلجأت إلى مراكز محو الأمّية لتحقيق تلك الرغبة العميقة التي كبحتها طويلاً، منهنّ أيضاً من تملك قدراتٍ تعبيرية كبيرة وإبداعاً دفيناً، وبمجرّدَ ما تعلّمت الكتابة، تفجّر ذلك الإبداع ينابيع لا تنتهي.

في هذا السياق، تؤكّد أرقام المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب أنّ نسبة الأمّية في صفوف الإناث تفوق مثيلتها في صفوف الذكور، فالدراسة التي أنجزتها المندوبية عام 2017 تلفت إلى أنّ نسبة أمّية الإناث وصلت إلى 76.4 في المئة مقابل 45.6 في المئة بالنسبة إلى الذكور.

السّببُ، حسب الدراسة، أنّ نسبةً كبيرةً من النّساء، خصوصاً في الوسط القروي، بدأن الاشتغال في سنّ مبكّرة في مختلف الأنشطة، بخاصّة الفلاحية، وهو ما يجعلهنّ عرضةً للاستغلال ويحرمهنّ حقَّهن في التعليم.

من جهةٍ أخرى، يعتبر المتخصّصون في علم الاجتماع أنّ من الأسباب التي تجعلُ نسبَ الأمّية مرتفعةً لدى النساء مقارنةً بالرجال، الأعراف والتقاليد الموروثة التي تعتبر أنّ المكان الذي ينبغي أن تكون فيه النساء هو البيت، هذا بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تجعل عديداً من العائلات تحرم بناتها من التعلُّم من أجل إعدادهنّ للزواج، وبالتالي التخلّص من عبئهنّ. كلّ هذه العوامل تجعل الكثير من النساء عُرضةً للاستغلال والحرمان من التعلُّم.

رحلةُ تحقيق الحلم

كثيراتٌ هنّ النّساء اللواتي حُرِمن من حقّهنّ في التعلُّم، أو فوّتن هذه الفرصة لأسبابٍ متعدّدة منها انعدام وعي آبائهنّ بضرورة إدخالهنّ المدرسة، فكبِرن وفي قلوبهنّ غصّة الحرمان. لكنهنّ استطعن تعويض ما فاتهنّ بعد اكتشافهنّ برامج محو الأمّية.

سعاد واحدةٌ منهنّ. كان ذلك خلال خريف عام 2014 حين سمعت أول مرّة عن شيءٍ اسمه "محاربة الأمّية". كانت في بيتها تقوم كالعادة بالأعمال المنزلية اليومية، حين أخبرتها صديقةٌ عبر الهاتف أنّ جمعيةً قريبة من البيت ستفتح مركزاً لمحو الأمّية.

"خفق قلبي بعنف لحظتها، ولمعت الفكرة في ذهني، كأنّما عُدت تلك الطفلة الصغيرة ذات السنوات السّبع التي كانت دائماً تحلم بالذهاب إلى المدرسة"، تحكي سُعاد بصوتٍ مفعمٍ بالحنين.

المشكلة الوحيدة التي كانت تواجهها هي خوفُها من عدم تَقبُّل زوجها للفكرة. "وضعتُ صحناً كان بيدي على الطاولة، ورُحت أفكّر في طريقة إخباره بالفكرة، كنتُ خائفةً من أن يرفُض كما فعل والدي"، تسترسل سُعاد وهي تسترجعُ بحزن لحظات القلق التي راودتها يومها.

قرّرت سُعاد إذن أن تُفاتح زوجها في موضوع محاربة الأمّية. طافحةً بالأمل، اتجهت نحوه وجلست قربه وعبّرت له عن رغبتها في التعلُّم.

وعلى الرغم من أن بعض النساء اللواتي راودتهنّ فكرةُ محاربة الأمّية، عانين رفضَ أزواجهنّ للفكرة، فعاودهنّ ذلك الشعور المرّ بالظلم والحرمان مرةً ثانية، فإن أخريات حظين بأزواجٍ يشجّعونهنّ على القيام بأي خطوةٍ يمكن أن تجعلهنّ يتطوّرن ويحقّقن ذواتهنّ. سعاد واحدةٌ منهنّ.

"نظر إليّ باندهاش، وافترّ ثغره عن ابتسامة فخر، ثمّ قال لي إنّه من حقي أن أتعلّم وإنه سيكون سعيداً بذلك. شعرتُ في تلك اللحظة كأنني أعودُ إلى طفولتي وأعوّض كلّ ما حُرمت منه"، تقول سُعاد وقد اشتدّ في عينيها البريق.

محو الأمّية: شجاعة وإرادة

في كثيرٍ من الأحيان، تستلزمُ محاربةُ الأمية بالنسبة إلى النساء شجاعةً كبيرة، فكثيراتٌ هنّ النساء اللواتي واجهن عقدة السنّ، واللواتي كنّ في حاجةٍ إلى تشجيع الأقارب، واللواتي وجدن صعوباتٍ في إقناع أزواجهنّ بتخصيص وقتٍ من حياتهنّ لتعلّم القراءة والكتابة.

ومع ذلك، أثبتت إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب أن نسبة الأمّية، بصفة عامّة، قد انخفضت بالمقارنة مع السنوات الماضية، فعلى مدى نصف قرن، سجّلت انخفاضاً ناهز الثلثين، إذ انتقلت من 9 أشخاص أميين من أصل 10 سنة 1960 إلى 3 من أصل 10 سنة 2014.

بالنسبة إلى النساء، انخفضت نسبة الأمّية من 78 في المئة سنة 1980 إلى 41.9 في المئة عام 2014.

وترجع الدراسات الاجتماعية انخفاض نسب الأمّية عند النساء إلى ازدياد الوعي لدى الأسر بضرورة تمدرس الفتيات، ما جعل عدداً أكبر منهنّ يتوجه إلى المدرسة، بالإضافة إلى ارتفاع أعداد النّساء اللواتي يتجهن إلى مراكز محاربة الأمّية.

في هذا السياق، أكدت وثيقة أعدَّتها مديرية التعليم العتيق ومحو الأمية بالمساجد التابعة لوزارة الأوقاف سنة 2018، أنّ عدد المستفيدين من برنامج محو الأمية بالمساجد المغربية تجاوز 3 ملايين شخص، فيما تفوقت النّساء على الرجال في الإقبال على الاستفادة منه.

- موضوع ذو صلة: نساء عربيات: هكذا نعيش تحديات غربتنا

من أمّية إلى شاعرة

بعد سنتين، أصبحت سُعاد قادرةً على القراءة والكتابة بسهولة، وبلا وعي وجدت نفسها تُعبّر بكلّ سلاسة عن أحاسيسها وما يجول في خاطرها. اكتشفت أنّ بداخلها حساسيةً كبيرة تجاه العالم والأشياء، وأنّها كانت في حاجةٍ فقط إلى طريقةٍ للتعبير. "تلك الطريقةُ هي التعلُّم"، تؤكّد بثقة.

وتضيف "أشعر أنّ حياتي تغيّرت كلياً. لقد بتُّ أستطيع كتابة رسائل على الهاتف، وقراءة اللافتات في الشوارع، والاستمتاع بقراءة القصص والرّوايات، واختبار حيوات جديدة، وفهم ما يُقال في التلفاز، وأصبحت لي قدرةٌ على النقاش مع بناتي المتعلّمات. إنها نعمةٌ كبيرة، نفسُ شعور من كان أعمى وأصبح قادراً على الإبصار".

سعاد الآن بصدد كتابة رواية عن حياتها، وقصتها مع التعلُّم، الهدفُ منها هو إلهام نساء أخريات ممن عانين من الأمية لوقتٍ طويل مثلها، وتشجيعهنّ للمضيّ في طريق العلم للمساهمة في تطوّر المجتمع.

المصدر: TRT عربي