عرف المشهد الإعلامي المغربي خلال السنوات الأخيرة، ظهور عدد من المواقع الإلكترونية التي تطلق على نفسها صفة "الصحافية" أو "الإخبارية"، وصاحب (هذا الظهور)، ارتفاع تجاوزاتها وخروقاتها في الجوانب المتعلقة بأخلاقيات العمل الصحافي وقواعده المهنية.

فتح "الانفجار الرقمي" والارتفاع المتزايد لمستعملي الإنترنت بالمغرب، الباب أمام مواقع إلكترونية للتناسل كالفطر والبحث الدؤوب لتحقيق أعلى نسب المشاهدة والنقر، وبالتالي أكبر ربح مادي، ضاربة عرض الحائط بضوابط الممارسة الصحافية ووظائف الرسالة الإعلامية وأهدافها.

ومن خلال سعيها وراء الإثارة "الحصرية" والفرجة الجماعية، لطالما خلقت هذه المواقع الجدل في أوساط المتابعين والمهتمين بالحقل الإعلامي الوطني، إذ "تبدع" في كل مرة وتتفوق على نفسها في إنتاج مواد "إعلامية" صادمة، أمام حجم التفاهة والعبث الذي تذهب إليه وفي أحايين أخرى الحضيض الذي تنزل إليه، دونما أي انشغال بالقضايا الحقيقية التي تهم حياة المواطنين.

استسهال الصحافة

أمام الانتقادات الواسعة الموجهة إلى هذه المواقع، التي تسيء إلى العمل الصحافي ولا يحترم خطابها ذكاء المتلقي، تطرح أسئلة عن أسباب هذا الانتشار، إن كان نتيجة حتمية للتطور التكنولوجي، أم أن تقهقر أدوار الصحافة التقليدية ومكانتها أفسح المجال لتقويتها، أم أن استغلالها معاناة الآخرين وتلاعبها بعواطف متابعيها مكنها من بناء قاعدة جماهيرية واسعة.

بالنسبة إلى الخبير الإعلامي عبد الوهاب الرامي، فإن إنتاج الخطابات في الفضاء العام "عرف استسهالاً في تناول الكلمة على مستوى الفضاء العام، مبرزاً وجود "ميل نحو الاختفاء وراء تعدد الخطابات وإسناد ومساندة ومؤازرة انتشار الرداءة على مستوى الإنترنت، خصوصاً على مستوى وسائط التواصل الاجتماعي".

وأشار الرامي في تصريح لموقع TRT عربي، إلى تحرش بمهنة الصحافة، كما جرى التواضع عليها من طرف ممارسين للفساد الإعلامي، الذين يخدمون أجندات غير إعلامية وأيديولوجيات ومسارات معينة لا تتماشى ودور الإعلام المرتبط بخدمة المصلحة العامة أساساً".

وحول الانتشار الكبير للمواد المصورة ومعه التجاوزات المرتكبة والجهل بقواعد العمل الصحافي، قال الرامي إن المهنة أصبحت "مشرعة الأبواب" ويدخلها أشخاص ليست لديهم مؤهلات الاشتغال في الصحافة والإعلام، مضيفاً: " نشهد استسهالاً في التعامل مع الصورة أساساً، واعتبار الصورة والفيديو بديلاً لقواعد الصحافة وهذا خطأ يسقط فيه كثيرون لم يتمكنوا من قواعد الإعلام التي تستند أولاً على المكتوب ثم يمكنها أن تشتغل على الصورة الثابتة والمتحركة".

مجازر أخلاقية

وجعلت هذه المواقع من الفضيحة والإثارة واستغلال مآسي الناس ومعاناتهم، من خلال الخوض في حياتهم الخاصة والتشهير بهم، بل أحياناً يبلغ الأمر حد محاكمتهم علناً أمام سلطة الشارع، إذ أصبحت هذه السلوكيات مسيئة إلى نبل الخدمة الإعلامية، وسيلة تقتات منها الكاميرا من أجل خلق "البوز"، المحدِّد الرئيسي للنجاح والفشل لدى هذه المنابر "الصحافية".

تمنح هذه المنصات الإلكترونية الميكروفون لكل شخص يطلبه من دون قيد أو شرط، للخوض في سيرة أشخاص آخرين والمساس بكرامتهم وخصوصيتهم
تمنح هذه المنصات الإلكترونية الميكروفون لكل شخص يطلبه من دون قيد أو شرط، للخوض في سيرة أشخاص آخرين والمساس بكرامتهم وخصوصيتهم (iStock)

أمثلة المواضيع الشاهدة على هذه "المجازر" لا تعد ولا تحصى، كونها أصبحت جزء من يوميها، وباتت تصل إلى مستويات تبقى حسب الكثيرين غير مقبولة أخلاقياً ومهنياً، وكمثال على سبيل الذكر لا الحصر، النقاش الواسع الذي طرح قبل أسابيع بعد إقدام موقع إلكتروني على محاورة طفلة قضت والدتها في جريمة شنيعة حول تفاصيل الواقعة.

وتضج صفحات هذه المواقع الإلكترونية على وسائط التواصل الاجتماعي ومنصة يوتيوب بمواد إعلامية، عبارة عن فيديوهات ومقالات تحقق أرقام مشاهدات عالية، يخوض أغلبها في مواضيع تكون في أغلب الأحيان خاصة جداً وتحمل طابعاً جنسياً أو فضائحياً، إذ تمنح الميكروفون لكل شخص يطلبه من دون قيد أو شرط، للخوض في سيرة أشخاص آخرين والمساس بكرامتهم وخصوصيتهم.

في هذا السياق، يقول الرامي، الأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، إنه يرى بوجود كثيرون يعتبرون أن احترام أخلاقيات المهنة غير ذي جدوى ومردودية مالية، ويكون احترامها عبئاً ومقيِّداً أمام الربح، مضيفاً أن هؤلاء "ليست لديهم الإمكانيات ولا الملكات ولا الرغبة للانخراط في العمل الصحافي الجاد ويجنحون إلى الإثارة لجلب الجمهور، بالإثارة بكل أشكالها".

عن أسباب انتشار هذه المواقع الإلكترونية وتحقيقها أرقام مشاهدات عالية، على الرغم من المؤاخذات المسجلة على جودة المضمون، قال عضو المجلس الوطني للصحافة المختار العماري إنه "عندما يصمت أهل الصواب، يصرخ أهل الباطل والخطأ"، كاشفاً في الوقت نفسه أن هذه الموجة "ليست دائمة، يوجد من سيقتله السوق ومن سيقتله القراء، وتوجد تصفية ستجري على المستوى القريب والبعيد".

وفي الوقت الذي سجل فيه العماري لموقع TRT عربي تراجع حظوة الصحافة الجادة، اعتبر المتحدث أن النظرة السوداوية حول الصحافة الرقمية لا يجب أن تكون معممة، مشيراً إلى وجود صحافة تشتغل بمهنية، ومواقع جيدة أحسن من الصحف الورقية اليومية التي تقتات على أخبار الرقمي، وتلتزم بالضوابط المهنية والأخلاقية".

وأمام الانتقادات التي تطالها، تختبئ هذه المواقع والمشرفون عليها وراء شعارات الإعلام البديل أو إعلام المواطن الذي يقترب من يومِيّ المواطن وهمومه. في تعليقه على هذا الوصف يعتبر الرامي أن الصحافة ستظل في جوهرها وكنهها كما وضعت قواعدها منذ عقود وعقود"، رافضاً أن يكون ما يسمى بالإعلام البديل بديلاً عن الصحافة في ارتباطها وخدمتها للصالح العام وتثبتيها للديمقراطية وخدمة المستضعفين.

ميثاق الأخلاقيات

قبل سنة، جرى استحداث هيئة وطنية لتنظيم الصحافة بالمغرب من طرف مهنيي القطاع، أطلق عليه "المجلس الوطني للصحافة"، حيث يروم المجلس "تطوير حرية الصحافة والنشر والعمل على الارتقاء بالقطاع في المغرب، واحترام قواعده وأخلاقياته، ونشر المجلس قبل شهرين، ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة، الذي ينقسم إلى أربعة محاور: المسؤولية المهنية، والمسؤولية تجاه المجتمع، والاستقلالية والنزاهة، والحماية والحقوق.

ويضم الميثاق الذي أعده المجلس مجموعة من الالتزامات الأخلاقية اللازم أن يتملكها مختلف هيئات التحرير، غير أن تطبيقه لا يزال معلقاً، في انتظار أن تفرج الحكومة عن النظام الداخلي للمجلس.

يقول العضو بالمجلس المختار العماري إن من شأن الميثاق أن ينظم أخلاقيات المهنة أمام الظواهر السلبية التي يعرفها القطاع، ذلك أنه سيكون ملزِماً للجميع ومن شأنه أن يعطي المجلس صلاحية التحرك والتصدي للخروقات الحاصلة، كونه اليوم لا يستطيع البت فيها والتحرك خارج القانون".

المصدر: TRT عربي