يستطيع أغلب المغاربيين فهم اللهجات المشرقية، بل والتحدّث بها، في حين يجدُ المشارقة لهجات المغاربيين غريبةً وهجينة. الأسباب متعدّدة، من بينها البعد الجغرافي، الاختلاف الثقافي، التباين في النطق وفي التركيب اللغوي.

في كلّ مجلسٍ يجمعُ بين المشارقة والمغاربيين، نجدُ المشارقة يتكلّمون بلهجاتهم بأريحية، بينما يتفادى المغاربيون ذلك، مستعملين في حديثهم إحدى اللهجات المشرقية أو خليطاً منها.

يرجعُ ذلك إلى عدم فهم المشارقة للهجات المغاربية، بالرّغم من كونها تُعتبر لهجاتٍ مشتقّة من اللغة العربية. السّبب بالنسبة للكثيرين بسيط، يرتبط بالبُعد الجغرافي، طريقة النطق واختلاف المعجم. وهذا صحيح، لكنّ الذي لا يعرفه الجميع هو أنّ هذا الموضوع يذهبُ أبعد من ذلك، وله ارتباطٌ بأسباب سياسية واجتماعية وثقافية.

ضعف انتشار الإنتاج الفنّي المغاربي

يعرِف جلّ أهل المنطقة المغاربية الكثير من المغنيين الذين ينتمون إلى المشرق أو مصر أو حتى الخليج. فمنذ منتصف القرن الماضي، استمع المغاربيون إلى فيروز وأم كلثوم وصباح فخري وغيرهم. ثمّ وصلتهم، خلال التسعينات أغاني إليسا وعمر دياب وأصالة... نقلتها القنوات والإذاعات المغاربية أولا، ثم قنوات النايلسات في ما بعد، فملأت البيوت، وحفظها الكبار والصغار عن ظهر قلب، ردّدوها، ومع الوقت، فهموها ورقصوا معها.

وفتح جيل الخمسينات والستينات والسبعينات عينيه على الأفلام السينمائية المصرية التي دخلت كلّ البيوت المغاربية، وظلّوا يشاهدونها ابتداءً من جيل أحمد مظهر، فريد شوقي، ثمّ فاتن حمامة وعُمر الشريف، مروراً ببوسي وليلى علوي، انتهاءً بالجيل الجديد من الممثلين المصريين.

لهجات المشارقة وصلت إلى المغاربيين من خلال الأعمال الفنية والدرامية أمّا أهل المنطقة المغاربية فلم تنتشر أعمالهم عربياً لذلك بقيت لهجاتهم غريبةً وغير مفهومة بالنسبة لأهل المشرق.

صبحي ناشد، متخصص في اللغة العربية

أمّا جيل التسعينات والألفية الثالثة، فلم يأتِ ليجد نُصب عينيه المسلسلات السورية واللبنانية فقط، بل أيضاً المسلسلات المكسيكية مدبلجةً بلهجات السوريين واللبنانيين، هؤلاء انتهى بهم المطاف ليكونوا أول من دبلج المسلسلات التركية أيضاً إلى لهجاتهم، وهي مسلسلاتٌ انتشرت كالنار في الهشيم في البلدان المغاربية.

في هذا السياق، يؤكّد صبحي ناشد، باحث سوري متخصّص في اللغة العربية، لـTRT عربي أنّ لهجات المشارقة وصلت إلى المغاربيين من خلال الأعمال الفنية والدرامية، أمّا أهل المنطقة المغاربية فلم تنتشر أعمالهم عربياً، لذلك بقيت لهجاتهم غريبةً وغير مفهومة بالنسبة لأهل المشرق".

ويتّفق الباحث في اللغات والثقافات المغاربية جمال أبرنوص مع هذا الطرح، إذ يرى أنّ "هناك ضعفاً في الإنتاج الإبداعي المغاربي الناطق بالعامية، خاصّة الإنتاج التلفزيوني بوجهيه، الدرامي والغنائي"، مُضيفا في تصريحه لـTRT عربي " لقد خبَرنا قوة التأثير الذي مارسته الدراما السورية والمصرية، طيلة سنوات، على كفايات المغاربيين اللغوية في هذا الشأن".

تأثير اللغة الأمازيغية

منطقياً، يشكّل البعد الجغرافي للبلدان المغاربية عن الشرق عاملاً أساسياً لاختلاف اللهجات بين المغاربيين وأهل المنطقة المشرقية، والتي تشمل بلاد الشام حتى مصر. ينطلق هذا الطرح من أساس كون جميع اللهجات، سواء في المشرق أو في المنطقة المغاربية، هي لهجات مشتقّة من نفس اللغة وهي اللغة العربية، على الرّغم من أنّ هذه المنطقة تحتوي أيضاً على أمازيغ، وأن هؤلاء كانوا السكان الأصليين لهذه الرقعة الجغرافية.

باحثون ومتخصصون في الثقافة الأمازيغية يعتبرون اشتقاق العاميات، وخاصّةً الدارجات المغربية والجزائرية والتونسية، من اللغة العربية إحدى "البديهيات الكاذبة". وفي هذا السّياق يرى محمد بودهان، باحث مغربي في الثقافة الأمازيغية، في كتابه "في الهوية الأمازيغية للمغرب"، أنّ "الدارجة المغربية ليست هي المستوى العامي للعربية الفصحى، كما يعتقد الكثيرون". ولإثبات ذلك، قام الباحث بمقارنةٍ بسيطة بين اللغة والعامية الفرنسيتين، ليتوصّل إلى نتيجةٍ تُبين بشكلٍ جليّ أنّ الفرنسيتان الفصيحة والعامّية تتشابهان في التراكيب والقواعد النحوية والصّرفية والإملائية، وأنّ الفرق الوحيد يوجد في بعض الكلمات العامية التي لا تُستعمل في لُغة المدرسة والكتابة الأدبية.

ينتقل الباحث بعد ذلك لعرض بعض التعابير من الدارجة المغربية، نذكُر منها عبارة "اللحم خْضر" التي تعني "اللحم النيّء"، و"اللحم الأخضر" لا معنى لها في اللغة العربية الفصيحة، رغم أن مفرداتها المعجمية عربية، لأنّها ترجمةٌ حرفية لتعابير أمازيغية لها مدلولها من ناحية التركيب والقواعد النحوية للغة الأمازيغية.

الأثر الأمازيغي قائمٌ في اللهجات المغاربية لكنّ مقدار المشترك اللساني القائم بين عاميات المغرب والمشرق يسمحُ بانتشار اللسان المغاربي وفهمه من قبل المشارقة إذا ما كانت هناك صناعة ثقافية مغاربية منافسة.

جمال أبرنوص، باحث في اللغات والثقافات المغاربية

نفس الأمر ينطبق على الكثير من التعابير في الدارجتين الجزائرية والتونسية.

من جهته، يرى جمال أبرنوص أنّ ربط فهم اللهجات المغاربية بالأثر الأمازيغي في تركيبها، هو مجرّد ذريعةٍ للصعوبة في فهم هذه اللهجات. "الأثر قائمٌ فعلاً، لكنّني أميلُ إلى الاعتقاد أنّ مقدار المشترك اللساني القائم بين عاميات المغرب والمشرق، يسمحُ بانتشار اللسان المغاربي وفهمه من قبل المشارقة، إذا ما كانت هناك صناعة ثقافية مغاربية منافسة".

الاستعمار الفرنسي والإسباني

نتيجةً للاستعمارين الفرنسي والإسباني على بعض المناطق المغاربية، لم تسلَم العامياتُ المغاربية من تأثير هاتين اللغتين. ففي المغرب، على سبيل المثال، دخلت الكثير من الكلمات الفرنسية والإسبانية لتصبِح جزءاً من المُعجم العامي. ولا نقصدُ هنا ذلك المزج بين لغتين مختلفتين تماماً في الكلام أو ما يُسمّى بالـCode switching، بل تلك الكلماتُ الفرنسية أو الإسبانية التي تمّت دَرجَنَتُها ومَغربَتُها، مثل كلمة "الفاميلا" (العائلة)، التي جاءت من الإسبانية Familia، والرّويضا (العجلة)، التي جاءت أيضاً من الكلمة الإسبانية La rueda، و"البرطما" (شقّة سكنية)، التي جاءت من الكلمة الفرنسية L’appartement.

في اللهجة التونسية، توجدُ كلماتٌ فرنسية كثيرة أيضاً، من قبيل "فرشيطة" (الشوكة)، وهي مأخوذة من الكلمة الفرنسية Fourchette، وكلمة "بلاصة" (مكان)، التي جاءت من الكلمة الفرنسية Place.

وبما أنّ المشارقة لم تتعرّض بلدانهم للاستعمارين الفرنسي والإسباني، ولا تشكّل اللغتان الفرنسية والإسبانية جزءاً من اللغات الأجنبية التي يتمّ تلقينها لهم في المدارس، فهذا يجعلُ من الصّعب عليهم فهمُ واستيعابُ الكثير من الكلمات في المعجم العامي المغاربي.

الاستلاب وتبخيس الذات؟

عندما يلتقي المشرقي والمغاربي، يتحدّث الأول بلهجته، أمّا الثاني، فيضطرّ إلى التكلّم بمزيجٍ من اللهجات المشرقية أو بإحداها، أو أحياناً بلغةٍ وُسطى تحتوي على كلماتٍ من العربية الفُصحى. وذلك لتجاوز أي مشكلٍ في التواصل. إذ أنّ الكثير من المشارقة يجدون العاميات المغاربية غريبةً وهجينة، ولا يستطيعون إيجاد أيّ وجه تشابه بينها وبين اللهجات المشرقية من جهة، واللغة العربية من جهة أخرى.

بعض المغاربة تشرقنوا كثيراً وأصبحوا ينظرون للشرق كقبلةٍ سياسية وثقافية الأمرُ الذي يطرح إشكالية إعادة الاعتبار للذات المغربية والتصالح مع الذات والتاريخ والذاكرة.

حسن الزهراوي، متخصّص في اللسانيات

باحثون مغاربيون كُثر يعتبرون أنّ استعمالَ أهل المنطقة المغاربية، وخاصّةً منهم المثقفين والفنّانين والشخصيات العمومية، لإحدى لهجات المشرق، هو نوعٌ من الاستلاب وتبخيس الذات.

في هذا الإطار، يرى حسن الزهراوي، متخصّص مغربي في اللسانيات، أنّه "من المؤسف أن نُشاهد على المنصّات الإعلامية فنّاناً مغربياً يلوك لسانه ليتحدّث بلسانٍ مشرقي، ناسياً ومهملاً لغته الأمّ"، مُضيفاً في تصريحه لـTRT عربي "بعض المغاربة مثلاً تشرقنوا كثيراً، وأصبحوا ينظرون للشرق كقبلةٍ سياسية وثقافية، الأمرُ الذي يطرح إشكالية إعادة الاعتبار للذات المغربية، والتصالح مع الذات والتاريخ والذاكرة".

بالنّسبة لجمال أبرنوص، فإنّ ما عاينَه مراراً في حوارات كثيرٍ من المثقّفين والسياسيين المغاربة أمام منابر مشرقية، حيث يعمدون إلى تكييف حديثهم كي يتلاءم مع اللفظ والمنطوق المشرقيين، "يدفعُ في اتجاه تبخيس الذات الثقافية، والإعلاء من حُظوة ثقافة الآخر، شرقاً وغرباً".

ومهما صعُبت اللهجات المغاربية على المشارقة، بسبب كونِها مزيجاً بين معاجم وتراكيب عربية وأمازيغية وفرنسية وإسبانية، إلا أنّ الحلّ أمام المغاربيين ليُفهموا من طرف المشارقة يبقى مرتبطاً بانتشارهم فنّيا وثقافيا. أن يُنتجوا المزيد من الأعمال الدرامية والغنائية الجميلة، ويحرصوا على انتشارها في المشرق أيضاً. سيتطلّب هذا تراكماً فنّيا لسنواتٍ طويلة، لكنّ الأكيد أنّ المشارقة سيكتسبون هذه اللهجات في النهاية.

المصدر: TRT عربي