محمد كُريّم.. حاكم الإسكندرية المناضل (YoumeyatAlex)

قاوم القائد الشعبي محمد كُريّم الاحتلال الفرنسي وقاد حركة المقاومة الشعبية ضد الحملة الفرنسية على مصر أواخر القرن الـ18، ويُعد كُريّم أحد الرموز الوطنية الذين دافعوا بكل ما لديهم ضد الاحتلال الفرنسي.

واستطاع البطل الجسور أن يحوز قلوب المصريين ليكون إعدامه على يد الفرنسيين في 6 سبتمبر/أيلول 1798 ذا أثر كبير في إثارة الناس ومقاوتهم للاحتلال، ليجري إجلاء آخر جندي فرنسي من مصر عام 1801.

نشأة القائد الشعبي

وُلِد محمد كُريّم بحي الأنفوشي غرب مدينة الإسكندرية قبل منتصف القرن الثامن عشر، ونشأ كُريّم يتيماً فكفله عمُّه وافتتح له دكاناً تجارياً صغيراً.

حفظ كُريّم القرآن كاملاً، إذ كان منذ نعومة أظافره كثير التردد على المساجد، ويُعرف عنه تميّزه على الصعيد الثقافي، إذ كان موجوداً بالندوات الشعبية الكبرى ويخاطب الناس فيها، وكانت هذه الندوات طريقاً ليعرفه أهالى مدينة الثغر عن قرب، ليشهد له القاصي والداني بوطنيته وشجاعته.

وقبل أن يصبح حاكماً للمدينة تدرّج كُريّم في الوظائف الحكومية، إذ عمل في أول الأمر قبَّانيّاً يزن البضائع، وهي وظيفة تتطلب سيرة حسنة وأمانة كبيرة.

وإذ عُرِف البطل السكندري الشعبي بخفة حركته وحب أهالى المدينة له ذاع صيته ولم يلبث مراد بك حاكم مصر المملوكي بجانب إبراهيم بك أن ولّاه أمر الديوان والجمرك بالمدينة الساحلية.

كُريّم حاكماً للثغر

كان لتودُّد كُريّم إلى الناس عاملاً كبيراً، إذ أحبّه الشعب السكندري مسلمهم وغير مسلمهم لأخلاقه التي تربَّى ونشأ عليها.

وأثبت ابن الإسكندرية جدارة واستحقاقاً كبيرين لدى إدارة مصر المملوكية حينئذ، فبعد أن بدأ حياته بمنصب القبّاني الصغير في الحكومة، ثم ترقّى إلى ولاية الديوان والجمرك، سرعان ما لوحظ نشاطه ليترقى تدريجيّاً حتى أصبح حاكماً للإسكندرية، بوابة مصر البحرية وأحد أهم المدن المصرية عبر التاريخ.

وتزامناً مع سطوع نجم كُريّم ثم تبوئه حكم الثغر، كانت المنافسة الاستعمارية الفرنسية-الإنجليزية على أشُدها، فيروي المؤرخون أن تلك المنافسة المحتدمة كانت جزءاً من مقدمات الحملة الفرنسية على مصر والشام التي استمرت ثلاثة أعوام في الفترة بين 1798 و1801.

وقامت حرب ضروس نتيجة التنافس الاستعماري تُعرف بـ"حرب الأعوام السبعة"، وانتهت بعقد معاهدة باريس عام 1763، إذ ثبّتت الحرب مركز بريطانيا وجعلت منها الدولة الاستعمارية الكبرى عالمياً على حساب فرنسا وإسبانيا.

وبعد الثورة الفرنسية التي تفجّرت عام 1789 عاد الفرنسيون إلى حلمهم الاستعماري مجددّاً، فراحوا يخططون للانتقام من الشروط المجحفة التي وضِعت في معاهدة باريس بضغط بريطاني، ولكن نظراً إلى موقع الأخيرة الجغرافي المنيع وأسطولها البحري ذائع الصيت وقتئذ خطط القائد العسكري الفرنسي نابليون بونابرت أن يضرب الإنجليز في مستعمراتهم الخارجية الفعليّة والمحتملة، فكان القرار بأن يجري ذلك في الهند ثم مصر.

وفي يوم 19 مايو/أيار 1798 أبحر الأسطول الفرنسي بقيادة بونابرت قادماً إلى مصر مُتذرعاً بسوء معاملة المماليك للشعب المصري وبأنه قادم لإنقاذهم.

وكانت الإسكندرية أولى محطات الغزاة أثناء محاولتهم احتلال مصر، فلمَّا بلغ أمر الحملة الفرنسية الإنجليز تحرَّك الأسطول الإنجليزي بقيادة هوراشيو نلسون مُتَّجِهاً إلى الإسكندرية، وكان أسطول بونابرت الفرنسي توقّف في طريقه إلى مصر عند جزيرة مالطا بالبحر المتوسط واحتلها، ثم تريّث هناك تمويهاً ليتجنّب الصدام مع الأسطول الإنجليزي.

قائد المقاومة الشعبية ضد الحملة الفرنسية

لمّا وصل الأسطول الإنجليزي إلى سواحل الإسكندرية، طالب القائد الإنجليزي نلسون حاكم المدينة كُريّم بانتظار الأسطول الفرنسي خارج الميناء، وأن يسمح لهم بأن يشتروا من المدينة ما يحتاجون إليه من زادٍ، لكنَّ كُريّم رفض طلبهم، وسجّلت كتب التاريخ ردّه إذ قال: "هذه بلاد السلطان لا للفرنسيين أو سواهم عليها سبيل، فاذهبوا عنَّا".

ومكث أسطول نلسون خارج الثغر أربعاً وعشرين ساعة ثم أبحر باحثاً عن غريمه الفرنسي في عرض البحر الأبيض المتوسط، ولم يمضِ على رحيله سوى أسبوع حتى ظهر الأسطول الفرنسي أمام شواطئ الإسكندرية، وذلك بمنطقة "العجمي" في أول يوليو/تموز 1798، وبادر إلى إنزال قوَّاته ليلاً إلى البرِّ، ثم سَيَّرَ قسماً من قوَّاته إلى مركز المدينة.

وحسب مؤرخين لم يكن عدد سكان المدينة يومها يزيد على 8 ألف نسمة ولم يكُن بها من الجنود والعتاد ما يكفي لصدِّ الجيش الفرنسي الكبير المزوَّد بالمعدات الحديثة، فبعث إلى القاهرة مستنجداً بالمماليك وقاداتهم مراد بك وإبراهيم بك، واستقرَّ الرأي على أن يسير مراد بك بجنوده إلى الإسكندرية لصدِّ الغزاة ويبقى إبراهيم بك في القاهرة للدفاع عنها.

ووقف حاكم المدينة الشجاع مستعداً للدفاع عن الإسكندرية بكُلِّ ما لديه من ذخيرة وعتاد، وظلَّ يقود المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين، حتى بعد أن اقتحم الفرنسيون أسوار المدينة، فاعتصم محمد كُريّم بقلعة "قايتباي" ومعه فريق من الجنود وعمل مع الصيادين والعمال فوق حصون المدينة لمقاومة القوات الفرنسية الجائرة، حتى فرغت ذخيرته فكفَّ عن القتال وأُسر هو ومَنْ معه ودخل بونابرت المدينة بعد تخلّف المماليك عن نجدة أهلها.

تظاهر بونابرت أول الأمر بأنه معجب بشجاعة كُريّم فقررّ إطلاق سراحه وإبقاءه حاكماً للثغر ظناً منه أنه سيضمن بذلك ولاءه، وعيّن قائداً يدعى كليبر حاكماً عسكرياً للإسكندرية، قبل أن يزحف تجاه القاهرة في 7 يوليو/تموز 1798.

إعدام كُريّم وثأر شعبي لدمه

فشلت نبوءة بونابرت إذ انطلق كُريّم مجددّاً مفجّراً حركة مقاومة شعبية ضد الفرنسيين وأذاقهم الأمرّين، فاعتقله كليبر وأرسله إلى القاهرة ليُحكم عليه بالإعدام، موجهين إليه تهم "التحريض على المقاومة وخيانة الجمهورية الفرنسية".

ووفقاً للمؤرّخ المصري عبد الرحمن الرافعي في كتابه "تاريخ الحركة القومية وتطوّر نظام الحكم في مصر"، فإن بونابرت عرض على كُريّم دفع فدية قدرها ثلاثون ألف ريال إلى خزينة الجيش الفرنسي ليجنَّب الإعدام، وهو ما رفضه بطل الإسكندرية المقاوم قائلاً: "إذا كان مقدور عليَّ أن أموت، فلن يعصمني من الموت أن أدفع الفدية، وإذا كان مقدور عليَّ أن أعيش فعلامَ أدفعها؟".

وفي 6 من سبتمبر/أيلول 1798م، الموافق 25 من ربيع الأول 1213 هجرياً، أُعدِم كُريّم في ميدان القلعة رمياً بالرصاص، وتعمّد الفرنسيون إهانته قبل إعدامه نظراً لما نالهم منه من مقاومة وبسالة، فأركبوه حماراً وطافوا به إلى أن بلغوا "الرميلة" فقتلوه رمياً بالرصاص‏.

ولم يكتفِ جنود نابليون بذلك بل قطّعوا رأسه وأذّن مؤذّن بين الناس أن "هذا جزاءُ مَن يُخالف الفرنسيين"، لكن حركة المقاومة الشعبية لم تهدأ وعزمت على إجلاء الفرنسيين ثأراً لدم كُريّم، ليتحقَّق حلم القائد الشعبي الذي ضحّى بحياته في سبيله، وأُجلي آخر جندي فرنسي عن مصر عام ‏1801.

TRT عربي