تعد إسهامات يلدز في أقدم رياضةٍ بتركيا، إلى جانب المصاعب التي واجهها للتعايش مع المجتمع كونه إفريقياً تركياً، من أهم الإسهامات التي شكلت التاريخ الأشمل للأفارقة الأتراك والشتات الإفريقي في تركيا القرن العشرين.

افتتح الراحل مصطفى أولباك مذكراته، بعنوان enya-Girit-Istanbul: Kole Kiyisindan Insan Biyografileri (كينيا - كريت - إسطنبول: سير ذاتية لأناس من ساحل العبيد)، بالجملة الآتية: الجيل الأول يعيش، الجيل الثاني يرفض، الجيل الثالث يبحث. في البحث الذي أجريته في أثناء تحضيري لرسالة الدكتوراه، التي تناولت تاريخ الشتات الإفريقي في الإمبراطورية العثمانية على مدار القرنين التاسع عشر والعشرين، صادفتُ شخصيات جسدت رفض هذا الشتات، مثل إيزميراي ديريكر، وفريدريك بروس توماس، ودورسون سيرين.

الكاتب مصطفى أولباك صاحب مذكرات (كينيا - كريت - إسطنبول: سير ذاتية لأناس من ساحل العبيد) (Others)

تقول الشاعرة والروائية الكندية ديون براند: إن "الكتابة هي فعل ينم عن رغبة، مثلها مثل القراءة"، وبالمثل فإن الكثير من أعمالي ناتجة من رغبةٍ في موضعة الشخصيات السوداء بصورة أكثر وضوحاً ومباشرةً في تاريخ تركيا الثقافي.

من بين العديد من الأشخاص الذين ركزت عليهم في بحثي، يستحق مصطفى يلدز تحديداً تسليط الضوء عليه، بما خلفه من بصمة دائمة وأثر لن يزول على واحدة من أقدم الرياضات في تركيا، وهي المصارعة الزيتية التقليدية. ومع أن سلسلتي تهدف إلى الإيضاح، فهناك أكثر من تاريخٍ محلي واحد للشتات الإفريقي، يسلط الضوء على القصص العابرة للحدود الوطنية التي لم تُستكشف بالكامل بعد.

تمتد العلاقة بين إفريقيا والإمبراطورية العثمانية إلى أوائل القرن السادس عشر، وتتجاوز مصر جغرافياً، فتمتد إلى منطقة بحيرة تشاد. على مدار قرون، دُمجت أجزاء من القارة في الإمبراطورية. فبجانب تجارة الرقيق التي كانت موجودة بالفعل في المنطقة، واتفاقية الإسلام ضد استعباد المؤمنين، وقربها من الإمبراطورية، سرعان ما أصبحت إفريقيا ضحية موقعها الجغرافي، ومصدراً للعمالة العثمانية. صاحب توسع الإمبراطورية زيادة في عدد العبيد الذين استولت عليهم غنيمةً للحرب، أو بوسائل أخرى، فأتى أغلبهم من منطقة شمال إفريقيا، والبحر الأحمر، والخليج، والمناطق الشركسية والجورجية.

ووفقاً للمؤرخ إيهود توليدانو، على مدار القرن التاسع عشر، كانت إفريقيا تبيع قرابة 16 ألف إلى 18 ألف شخص مستعبَد للإمبراطورية سنوياً. وغالباً ما كان الأفارقة المستعبَدين في الإمبراطورية العثمانية، وخاصة النساء والفتيات الإفريقيات، يخدمون في المنازل. لكن بين عامي 1848 و1880 بذلت الإمبراطورية العثمانية عدة محاولات لفرض حظر على الإتجار بالأفارقة المستعبَدين، وفي وقت لاحق حاولت إعادة توطين الأفارقة في منطقة إزمير النائية. ويفسر هذا جزئياً كيف شكّل الشتات الإفريقي في تركيا مجتمعاً في منطقة بحر إيجة.

ربما شهدت عائلة مصطفى يلدز عملية إعادة التوطين هذه، أو ربما وصلوا أيضاً إلى تركيا خلال اتفاقية التبادل السكاني التي جرت عام 1923 مثل عائلة مصطفى أولباك. ولد يلدز في عام 1943 بقرية سازوبا الواقعة بمقاطعة أخيسار، وأبدى اهتماماً مبكراً بالمصارعة، فشارك في مهرجان "كركبينار" للمصارعة الزيتية في التاسعة عشرة من عمره.

المصارع مصطفى يلدز (Others)

يعد مهرجان كيركبينار، وهو مهرجان مصارعة يُقام بالقرب من أدرنة، أهم مسابقات المصارعة الزيتية المقامة سنوياً منذ عام 1346، ولهذه الرياضة تاريخ وأصل ثري للغاية. أثبت يلدز نجاحه في سن صغير، وفاز بالمركز الأول في فئة "Deste Orta Boy". وفي هذا الوقت تقريباً بدأ يُطلق عليه أيضاً لقب "مصطفى العربي"، وهو لقب يلمح بصورة غير مباشرة إلى التوترات العرقية واللغوية التي صاحبت تحديد هوية السود في تركيا.

بعد مرور بضع سنوات، وتحديداً في عام 1967، كان يلدز يهدف إلى أن يحظى باللقب الشهير Baspehlivan (أي المصارع الكبير، أو ببساطة البطل). وفي عامه الأول فاز بجائزة "المصارع الأكثر رقياً". لكن يبدو أن يلدز لم يكن على وفاق مع لقبه، وخصوصاً مع الحكام الذين أعلنوا هزيمته أمام نظمي أوزون في مباراة 1970. سارع يلدز نحو صندوق الحكم احتجاجاً، ليشتكى بقوة، فأدت تصرفاته "غير الراقية" إلى منعه من المشاركة في مهرجان كيركبينار مدى الحياة.

رُفع المنع في عام 1972، وعاد يلدز مرةً أخرى إلى المنافسة، هذه المرة أقوى من ذي قبل، فهزم خصومه الواحد تلو الآخر، ما أذهل الكثيرين الذين توقعوا خلاف ذلك. كان من المتوقع أن يكون خصمه تورغوت كيليتش قوياً، وهو متسابق فاجأ الجميع بفوزه العام السابق. ومع ذلك استمرت المعركة 34 دقيقة فقط، وانتهت بحمل يلدز لكيليتش من حزامه، ثم إلقائه أرضاً، وفوزه بلقب Baspehlivan، ليصبح بذلك أول بطل مصارعة أسود في تاريخ تركيا.

وبعد مرور وقت قصير، تحديداً في عام 1975، مُنع مرةً أخرى من المشاركة، ليستمر المنع هذه المرة ثلاث سنوات. وبعد حادثة شبه مميتة عاد يلدز ببطء إلى كيركبينار في عام 1981 ليواجه أيدين دمير، الذي فاز باللقب أربع مرات بثلاثة انتصارات متتالية. امتدت المباراة على مدار يومين، بسبب تدهور الأحوال الجوية، وانتهت بالتتويج الثاني ليلدز بطلاً المصارعة. وبعد مرور فترة قصيرة على آخر مباراة له في عام 1985 أعلن يلدز اعتزاله الرياضة، متطلعاً للعمل حكماً عوضاً عن التنافس.

لسوء الحظ تُوفي يلدز في عام 2001، لكنه ترك لنا بضع كلمات: "الحياة مليئة بالمفاجآت. فيستحيل توقع ما سيُصبح عليه الشخص. في السنة الثالثة من هروبي من الموت أصبحت بطل مصارعة كيركبينار".

من نواحٍ كثيرة صارت سيرة يلدز جزءاً لا يتجزأ من تاريخ المصارعة الزيتية في تركيا، ولن يسع أحداً نسيان إرثه أبداً وقد أقيم تمثال له ببلدية أخيسار. امتدت مواهبه أيضاً إلى الشاشة الفضية، حيث أدى دوراً في فيلم Tarkan للمخرج سيزغين بوراك عام 1969، وفيلم Korkusuz Kaptan Swing للمخرج فورال باكل عام 1971.

تعد إسهامات يلدز في أقدم رياضة بتركيا، بجانب المصاعب التي واجهها للتعايش مع المجتمع كونه إفريقياً تركياً، من أهم الإسهامات التي شكلت التاريخ الأشمل للأفارقة الأتراك، والشتات الإفريقي في تركيا القرن العشرين. عند وضع كل منها في الاعتبار، تشجعنا هذه السرديات على إعادة النظر في كيف يمكن لتاريخ الشتات الإفريقي في الإمبراطورية العثمانية وتركيا أن يُتمم، أو ربما يُعقّد، السرديات المتوارثة عن الإمبراطورية، والأمة، والمواطنة، والانتماء.

أخيراً ما تشير إليه هذه السرديات هو أن هنالك تاريخاً اجتماعياً وثقافياً ثرياً لتركيا يجب استكشافه. وكما يذكرنا أولباك ويلدز، فمن الضروري أن نواصل هذا البحث لأن الحياة مليئة بالمفاجآت في النهاية.

هذا الموضوع مترجم عن شبكة TRT World التركية.

TRT عربي