هم شبابٌ لا يبحثُون بالضرورة عن فرص عملٍ أفضل، وليس هدفُهم جني مالٍ أكثر، بل يطمحُون إلى الحصول على الاعتراف وتحقيق الذات، بعد أن كانوا في بلدانٍ عربية لا تعترفُ بالمثقفين والأدمغة.

كثيرون هم الشّباب العرب الذين انخرطوا في تجربة الهجرة نحو بلدانٍ أخرى. استغنوا عن دفء أوطانهم وأحضان أُسَرهم مُقابلَ تحقيق أحلامهم في تحصيلٍ علمي أفضل، أو الحصول على عملٍ يكفلُ لهم حياةً كريمة، بالإضافة إلى العيش تحت سماءٍ تستوعبُ طموحاتهم الكبيرة، وتحترمُ عملهم ومجهوداتهم.

شبابٌ لا يبحثُ بالضرورة عن فرص عملٍ أفضل، وليس هدفُه جني مالٍ أكثر، بل يطمحُ إلى الحصول على الاعتراف وتحقيق الذات، بعد أن كانوا في بلدانٍ عربية لا تعترفُ بالمثقفين والأدمغة، هكذا يُفسّر المتخصصون في علم الاجتماع ظاهرة هجرة الكفاءات العربية نحو الخارج، وخاصّة الشابة منها.

وإذا كانت الهجرة قد ارتبطت عبر التاريخ بالبحث عن لُقمة العيش، فإنها اليوم أصبحت مرتبطةً لدى الشباب المتعلّم والحامل للشهادات العليا، بدوافعَ أخرى من قبيل التوق إلى الحرّية، والرغبة في توفير بيئةٍ فُضلى للأبناء، والتطلّع إلى العيش في بلدان حيث تتوفّر قيمُ المساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

ومهما اختلفت الأسباب التي تجعل هؤلاء الشباب يهاجرون خارج بلدانهم، تظلّ النتيجة واحدة: تستفيدُ البلدان المستقبِلة من كفاءاتهم، وتخسر البلدان العربية الكثير...

أبوابٌ مشرعة

من حلب السورية، قرّرت ليلى التوجّه نحو ألمانيا لتحقيق حلمها في العمل ببلدٍ متقدّم. غضّت هذه الشابّة السورية الطرْف عن جميع التعقيدات التي يمكن أن تواجهها داخل بلدٍ لا تتقن لغته ولا تعرفُ ثقافته، في سبيل تحسين أوضاعها وظروفها المعيشية وتحصيلها العلمي.

كانت لا تزال شابّةً في عُمر الزهور، حين قرّرت ليلى الانتقال برفقة زوجها إلى ألمانيا. تركا سوريا عام1999 متوجهين نحو مدينة بون للبحث عن فُرصة حياةٍ أفضل.

وعلى الرغم من الإكراهات التي واجهتهُما في البداية، من قبيل عدم إتقانهما اللغة الألمانية وصعوبة إيجاد عملٍ بسرعة، فإن ليلى استطاعت، برفقة زوجها، التغلّب على جميع العوائق.

بنبرةٍ تنمّ عن التأسّف، تحكي ليلى قصّتها لـTRT عربي. تقول "مشكلةُ بلداننا العربية هي محدودية التخصّصات المتاحة بعد الباكالوريا، أما البلدان المتقدّمة فتفتح أمام مواطنيها وأمام المهاجرين على حدّ سواء أبواباً كثيرة، كما يمكنك، في أي لحظةٍ من اللحظات، تغيير تخصّصك وخوض غمار تجربةٍ جديدة، وهذا ما حصل معي بالضبط".

كانت ليلى حاملةً لشهادة الهندسة المعلوماتية حين قرّرت ترك بلدها. عندما قدمت إلى ألمانيا، واجهتها مشكلات في تعديل الشهادة، إلا أنّها سرعان ما وجدت عملاً في مجالٍ جديد، مقتحمةً عالَم الصحافة".

بالنّسبة إلى المتخصصين في علم الاجتماع، فهجرة الأدمغة ليست هجرةً نابعةً من إرادةٍ خالصة في تغيير البلد بعيداً عن دوافع معينة. لذلك، يُعرِّف عبد الرحيم العطري، المتخصص في علم الاجتماع، هجرة الأدمغة بكونها "هجرة قسرية واضطرارية لأنها ترتبط بالظروف الأساسية التي دفعت هؤلاء المتعلّمين الذين يحملون شهادات عُليا، إلى هذا الخيار الصّعب".

اختبار حياةٍ أجمل

بفخرٍ كبير يتجدّد كلّ صباح، يتوجّه وسام العزّام إلى مؤسَّسة هندسة البرمجيات في شركة "آبل" بإيرلندا، للعمل مهندس اختبار برمجيات. هذا الشابّ، ذو الستة والعشرين عاماً، الذي ترك بلده الأردن في سبيل تحقيق أحلامه، كان متحمّساً لخوض غمار تجارب جديدة، واختبار مشاعرَ ما كان ليحسّ بها لو أنه ظلّ في الأردن.

كلّ ما كان يُشاهدُه وسام في الأفلام الأمريكية والأوروبية من أماكن وأحداث وعادات كان يُشجّعه على القيام بهذه الخطوة. خلال المرحلة الجامعية، بدأت تنضج داخل رأسه فكرةُ الهجرة، الهدفُ منها كان الارتقاء إلى واقعٍ أجمل.

"لم أكن أريد الهجرة إلى إيرلندا تحديداً، كنتُ أريد العمل في أي بلدٍ أوروبي مهما كان، ما كان يهمّني هو مراكمة تجارب أفضل، وعندما جاءت فرصة الاشتغال مع شركة آبل بإيرلندا، لم أتردّد"، يؤكد وسام لـTRT عربي.

الشاب وسام العزام الذي ترك الأردن لتحقيق أحلامه في إيرلندا
الشاب وسام العزام الذي ترك الأردن لتحقيق أحلامه في إيرلندا ()

الأسبابُ التي جعلت وسام يُقدِم على هذه الخطوة الحاسمة في حياته، لم تكن مرتبطة بالحصول على راتبٍ أفضل، بقدر ما كانت مرتبطةً بتحسين جودة الحياة. يقول "على الرغم من أنني أدفع ضريبة مرتفعةً هنا، فإنني أتمتّع بالعيش في بلد يوفّر بِنىً تحتية في المستوى لمواطنيه، بالإضافة إلى نظام العناية الاجتماعي والنظام الصحي المجاني، كما أنني أستطيعُ الادخار من راتبي، الشيء الذي لم أكن لأفعله في الأردن بسبب الغلاء المعيشي".

يفسّر عبد الرحيم العطري في تصريحه لـTRT عربي هجرة الأدمغة بدوافع كثيرة، فهي بالنسبة إليه "ليست مرتبطةً دائماً بالعامل السوسيو-اقتصادي ورغبة هؤلاء الشباب في الحصول على ظروفٍ ماديةٍ أفضل، بل هي مرتبطة ببحثهم عن الاعتراف وبتوفير أجواء البحث العلمي والجماعة العلمية التي تمكّن الإنسان من تطوير ذاته وإمكاناته وتسجيل حضوره".

"لن أنجب هنا!"

على الرغم من أنّ وضعه الاقتصادي والاجتماعي كان مُريحاً، فإنّ غسّان المرابط كان يُفكّر باستمرار في ترك بلده المغرب، فهذا الشابّ ذو الثلاثين عاماً لم يكُن مقتنعاً تماماً أنّ بلده سيكون قادراً على استيعاب أحلامه وطموحاته، بل وحتى حقوقه البسيطة.

بعد تخرّجه في مدرسة المهندسين، اشتغل غسان خبيراً في الأمن المعلوماتي محاولاً تجاهلَ فكرة الهجرة. لكن مع مجيء ابنه إلى العالم، صارت الهجرة إلى فرنسا بالنسبة إليه مسألةً حتمية.

"الأسبابُ كثيرة ومتعلّقة بالحياة التي سيعيشُها طفلي في المغرب"، يقول غسّان لـTRT عربي، مضيفاً "مثل أيّ أب أطمحُ إلى توفير الأفضل لابني، والأفضلُ في المغرب يتطلّب نفقاتٍ كثيرة، كما يعني بالضّرورة وضع الطفل في فقاعة وردية في عالَمٍ مُوازٍ لا يمتّ إلى المغرب بصلة".

"لا أمل في التغيير"

بعدَ إصرارٍ كبير، استطاع محمد محمود رضوان، أخيراً، أن يجدَ له مكاناً في أستراليا. كان الحلم يراوده منذ سنوات، ودفعه غضبُه من الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشُها مصر إلى تحوُّل حلمه هذا إلى هدف.

الشاب المصري محمد محمود رضوان الذي هاجر إلى أستراليا
الشاب المصري محمد محمود رضوان الذي هاجر إلى أستراليا ()

بعد تخرُّجه في الجامعة عام 2008، تخصُّص هندسة الحاسب الآلي، بدأ محمد في البحث عن طريقةٍ للوصول إلى هذا الهدف. في طريق البحث المضني الذي دام ثلاث سنواتٍ بلا نتيجة، حدثت الثورة المصرية. قرّر هذا الشاب إذًا العدول عن فكرته والبقاء في بلده أملاً في التغيير.

"بعد الأحداث التي تلَت الثورة المصرية، تأكّدتُ أنه لا يوجد أملٌ في التغيير، فعادت فكرةُ الهجرة تطرحُ نفسها في ذهني، ولكن بإلحاحٍ أكبر من ذي قبل"، يحكي محمد لـTRT عربي، مضيفاً "جمعتُ أغراضي واتجهتُ نحو سنغافورة دون أي تخطيط، وباستعدادٍ تامّ لتحمّل جميع العقبات. ومن هذا البلد بدأتُ البحث عن عمل في مجال تخصّصي، اشتغلتُ لمدّة سنة، ثم قدّمتُ طلبَ الهجرة إلى أستراليا".

يشتغل محمد اليوم خبيراً في هندسة الحاسب الآلي بأستراليا. يقول "أشعر الآن أنّ حياتي أفضل بكثير مما كنتُ عليه في مصر، أعيشُ في بلدٍ حيث يسود الاحترام وحقوق الإنسان".

هدرٌ إنساني وتنموي

كثيراً ما نسمعُ عن أدمغةٍ عربية هاجرت إلى الخارج، فحققت ذاتها وقامت بإنجازات كبيرة استفادت منها البلدان التي يعيشون بها اليوم. يُذكَر منها، على سبيل المثال، اللبناني شارل العشي الذي ارتبط اسمه بمختبر ناسا وأصبح واحداً من أكبر المؤثرين في مجال العلوم بالولايات المتحدة الأمريكية، والمغربية لطيفة الودغيري التي حققت اكتشافاً فيزيائياً كبيراً في مجال الفيزياء النووية بمختبر توماس جيفرسون الأمريكي، والطبيب الليبي محيي الدين معيتيق الذي نجح فريقه في أول عملية لاستئصال سرطان الرئة بواسطة الروبوت بأمريكا، ثمّ الجزائري بشير حليمي الذي أدخل العربية لأجهزة الكمبيوتر بعد انتقاله إلى كندا.

ماذا تخسرُ البلدان العربية؟ وماذا يربحُ الآخَر الذي يهاجر إليه الشبابُ العربي المتنوِّر؟ يجيب عبد الرحيم العطري مؤكداً "نُراكِمُ الكثير من الخسارات، فهذا الشباب الذي أنفقنا عليه أموالاً طائلة في سبيل تأهيله وإيصاله إلى درجةٍ عليا من التعليم، يصيرُ، في لحظةٍ من اللحظات، في خدمة الآخر الذي يحتضنه، وهذا إهدار، هدرٌ إنساني وتنموي".

ويضيف العطري "بل نخسرُ حتى النموذج والقدوة، فكأننا نقول لهذا الشباب الصاعد إنه لا جدوى من التعلُّم، ولا جدوى من تحقيق التميز في بلدانهم ما داموا سيذهبون في النهاية إلى بلدانٍ أخرى لتعترف بهم".

المصدر: TRT عربي