يُعرَّف الاكتناز القهري (Hoarding disorder) بأنّه اضطرابٌ نفسي يميل فيه الشخص إلى جمع الأشياء وتخزينها بطريقة عشوائية، بما يؤدي عادةً إلى كميات لا يمكن السيطرة عليها من الفوضى.

قد يواجه بعضنا صعوبةً في التخلّص من الأشياء التي لا حاجة إليها أو لا قيمة لها. قد تتراكم المجلات والصحف والملابس القديمة وحتى علب الكاتشب الفارغة لتصنع كومةً داخل المنزل وذلك بحجّة احتمالية الحاجة إليها في المستقبل أو بسبب عدم القدرة على تحمّل فكرة المخاطرة بشيءٍ قد يكون ذا قيمة! إذ كنت شخصياً تواجه هذه المشكلة فعليك التريث وتَعرُّف الاكتناز القهري.

ما الاكتناز القهري؟

يُعرَّف الاكتناز القهري (Hoarding disorder) بأنّه اضطرابٌ نفسي يميل فيه الشخص إلى جمع الأشياء وتخزينها بطريقة عشوائية، بما يؤدي عادةً إلى كميات لا يمكن السيطرة عليها من الفوضى، وغالباً ما تكون هذه الأشياء ذات قيمة نقدية قليلة جداً أو بلا قيمة، مثل: الصحف، والمجلات، والكتب، والإعلانات، والفواتير، والإيصالات، وحتى الأوعية الفارغة أو الأكياس البلاستيكية، وقد يصل الحال إلى تخزين اللوازم المنزلية، وتشير خدمة الصحة الوطنية البريطانية (NHS) إلى أنّ الاكتناز القهري في عصرنا الحالي قد يمتدّ ليشمل اكتناز البيانات الإلكترونية والإيميلات غير المهمة.

لماذا نُصاب بالاكتناز القهري؟

يصيب الاكتناز القهري ما نسبته 2-6% من الناس وذلك حسب جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، وعلى الرغم من عدم وجود أسباب واضحة ومحدّدة للإصابة به فإنّه عادةً ما يرتبط بأفكار الشخص المتمحورة حول قيمة الأشياء وإمكانية الاستفادة منها في وقت ما، إلى جانب ربط الأشياء مع حدث أو شخص مهمّ لا يريد الشخص نسيانه، لذلك فإنّ أكثر الأشخاص عرضةً للإصابة بالاكتناز القهري هم الذين يعيشون وحدهم، أو من نشؤوا بوجود مشكلات حرمان في أثناء الطفولة، وقد يضيف النشوء في بيت غير مرتب ونظيف عاملاً إضافياً للإصابة بالاكتناز القهري، وذلك حسب موقع healthline.

يُعرَّف الاكتناز القهري (Hoarding disorder) بأنّه اضطرابٌ نفسي يميل فيه الشخص إلى جمع الأشياء وتخزينها بطريقة عشوائية (Getty Images)

يشير الطبيب النفسي ديفيد تولين في حديث له مع موقع WebMD الطبي إلى وجود دراسات تفيد بأنّ الفص الجبهي داخل دماغ الشخص المكتنز يميل إلى العمل بشكل مختلف، ويوضح أنّ هذه المنطقة مهمة لموازنة الخيارات والتفكير بعقلانية، ولذلك تختلف أولوياته عن أولويات غير المكتنزين، مما يدفعه إلى إعطاء الأشياء قيمةً معنويةً كبيرة، ويجعل التخلص منها بمثابة خسارة كبيرة، ومصدراً أساسياً للقلق.

من ناحية أخرى، قد يكون الاكتناز القهري مصاحباً لإحدى المشكلات النفسية الأخرى مثل الاكتئاب، أو القلق المرضي، أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD)، أو الوسواس القهري، وغيرها.

الاكتناز القهري يهدّد الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية

تتطور مشكلة التخزين تدريجياً بمرور الوقت، وفي أغلب الأحيان تكون تطوّرت إلى فوضى عارمة، في الوقت الذي تصل فيه إلى انتباه أفراد العائلة أو الأصدقاء، وهنا تكمن المشكلة عند بدئها التأثير في الحياة اليومية للشخص ومَن حوله، فمن أعراضها الظاهرة الشجار مع أيّ شخص من العائلة أو الأصدقاء عند محاولته التخلص من الأشياء المكتنَزة أو التخفيف منها، إذْ يتحوّل المنزل إلى مكان يصعب العيش فيه، ويفقد مكان المعيشة المساحات الخاصة بالمشي داخله وتصبح الأمور اليومية مثل القدرة على الطهي بالمطبخ أو استخدام الحمام أمراً صعباً.

يبدأ الشخص فقدان أشيائه داخل أكوام الفوضى، ويتراكم الطعام والقمامة إلى مستويات غير صحيّة، مما ينتج عنه عقبات كبيرة في تأدية العمل أو الحفاظ على سلامة المكتنز وسلامة من يعيشون معه في المنزل، وتبيّن منظمة مايوكلينيك الأمريكية أنّ المُكتنز عادةً ما يصاب بالقلق الشديد عند محاولته التخلّص من الأشياء أو بمجرد التفكير في ذلك، كما يُظهِر ميلاً نحو التردّد، والكمالية، والتجنب، والتأجيل، ومشكلات التخطيط والتنظيم.

انتبه! هواية جمع الأشياء ليست اضطراباً

قد يكون من السهل الخلط بين المصاب باضطراب الاكتناز القهري ومن لديه هواية جمع الأشياء، وبالرجوع إلى جمعية القلق والاكتئاب الأمريكية (ADAA) من الممكن وضع النقاط الأساسية للتفريق بينهما. يبحث هواة جمع الأشياء عن عناصر محدّدة للاقتناء، وهم يشعرون بالفخر بممتلكاتهم ويحتفظون بها بشكل منظم، وعادةً ما يخصّصون جزءاً من وقتهم وأموالهم بهدف الإضافة إلى مجموعاتهم، ويشعرون بالرضا حيال ذلك، وعادةً ما تغمرهم السعادة عند الحديث عن مقتنياتهم وعرضها للآخرين.

عادةً ما يرتبط الاكتناز القهري بأفكار الشخص المتمحورة حول قيمة الأشياء وإمكانية الاستفادة منها في وقت ما (Getty Images)

في المقابل، يشعر المصاب باضطراب الاكتناز بالحرج بشأن ممتلكاته، كما يشعر بعدم الارتياح عندما يراها الآخرون. غالباً ما تطغى فوضى الأشياء المكتنَزة على مساحته الصالحة للعيش، ولا يرافق الحصول على عناصر إضافية مشاعر سعادة، بل على النقيض يشعر الشخص عادةً بالحزن والخجل عند الحصول على مقتنيات جديدة للتخزين، كما تتّسم الأشياء التي تُخزَّن بالعشوائية وعدم الترابط وافتقارها إلى عنصر "الجمالية في الترتيب"، وذلك حسب تعبير جولي بايك، الطبيبة النفسية والخبيرة في علاج اضطرابات القلق متحدثةً في بودكاست Speaking of Psychology التابع لجمعية علم النفس الأمريكية.

العلاج السلوكي المعرفي هو الحلّ

إنّ أكبر صعوبات علاج اضطراب الاكتناز القهري هي عدم معرفة الشخص بإصابته باضطرابٍ يحتاج إلى العلاج من الأساس، وعادةً ما يكون بدء العلاج مرتبطاً بمحاولة العائلة والمقربين من المكتنز حلّ المشكلة القائمة وطلب المساعدة الطبية، ويُعتبر العلاج السلوكي المعرفي حجر الأساس في التغلب على المشكلة، وهو أحد أنواع العلاج بالكلام القائم بشكل أساسي على محاولة تغيير المعالج أو الطبيب النفسي طريقة تفكير الشخص وبالتالي السلوك المرتبط بهذا التفكير.

يوضّح أوين كيلي، إخصائي علم النفس السريري في معهد أوتاوا للعلاج السلوكي المعرفي في كندا، الباحث والمحاضر في جامعة كارلتون الكندية العريقة، أنّه يتمّ التركيز في جلسات العلاج على إكساب الشخص مهارة اتخاذ أحكامٍ أكثر منطقية في ما يخصّ تحديد ما إذا كان الشيء يستحق الاحتفاظ به أم لا، وتعليمه كيفية اتخاذ قرارات سريعة بشأن الاحتفاظ بشيء ما أو رميه في الحال، هذا إلى جانب تدريبه على التخلص من الأشياء عن طريق تجارب سلوكية تسمح للشخص بالتخلص فعلياً من الأشياء عن طريق استراتيجيات التكيف مع مشاعر القلق والتجنب المصاحبة للتخلّص من الأشياء.

في النهاية يجب تأكيد أنّ اضطراب الاكتناز القهري هو حالة يمكن تشخيصها وتتطلب مساعدة طبيب مختص، ومع المساعدة المهنية ودعم العائلة والأصدقاء ومرور الوقت يصبح الشخص قادراً على تجاوز سلوكيات الاكتناز الخاصة به وتقليل الفوضى الخطيرة والمسبّبة للتوتر في مساحته الشخصية.

TRT عربي