صورة من حي بو سبير بمدينة الدار البيضاء سنة 1936 (Denise Bellon) (Others)

محتجزات في أحياء أشبه بسجون بلا أسقف، تحرسها الشرطة الاستعمارية، لا يُسمح لهن بالخروج منها إلا مرة في الأسبوع، مهمتهن إرضاء غرائز الرجل الأبيض! هن نساء من تونس والجزائر والمغرب فرض المستعمر عليهن أن يمتهنّ الدعارة لخدمة جنوده ومتعاونيه.

فمنذ نزول القوات الاستعمارية الفرنسية أرض المغرب الكبير، بالجزائر سنة 1830، دأبت على بناء أحياء الدعارة التي سعت لنشرها في الجزائر العاصمة وفي الدار البيضاء وبعض المدن التونسية. ودأبت كذلك على أن تسوّق لها النساء لاستغلالهن كعاملات جنس.

هذا ما تكشفه الحلقة الأولى من وثائقي "الاستعمار.. تاريخ فرنسي" التي بثَّتها مساء الاثنين القناة الثالثة الفرنسية. ويحاول مخرجه هيغ نانسي، تحطيم سردية "الدور الحضاري للاستعمار" التي يروّجها اليمين الفرنسي، فاضحاً وجهه الدموي الذي بلغ حد الاستعباد الجنسي للنساء.

الاستغلال الجنسي أداةَ حرب!

يسرد الوثائقي الفرنسي قصَّة "بو سبير"، الحي الذي شيَّده الاستعمار بمدينة الدار البيضاء سنة 1920، وسط أسوار عالية ذات باب وحيد للدخول. "سجن على سماء مفتوحة" يقول الوثائقي، احتُجزت فيه نسوة "لا يستطعن الخروج منه إلا مرة واحدة في الأسبوع"، وأُجبرنَ على امتهان الدعارة لزبنائه الذين كانوا في أغلبيتهم من جنود الاستعمار.

"صورة المرأة الشيء والمرأة الخاضعة هي ما كان يثير الرجل الأبيض" يقول هيغ نانسي مخرج الوثائقي، مضيفاً أنه "لبسط الاستعمار نفوذه على البلدان المغاربية كان في حاجة إلى أن يجلب الرجال، إذ لعبت هذه الصورة التشييئية للمرأة المغاربية أحد عناصر إغرائه لهم بالانضمام إلى الجيش".

يوضح نانسي: "منذ احتلالهم تلك البلدان سعت السلطات الفرنسية لبناء أحياء مخصصة للدعارة في الجزائر العاصمة والدار البيضاء وكل عواصمها الاستعمارية، كأنهم يريدون إيصال فكرة أنه "للسيطرة على الأرض علينا السيطرة على الجسد". فيما يُعَدّ وثائقي "الاستعمار.. تاريخ فرنسي" الأول من نوعه الذي يُعرَض على قناة فرنسية، هدفه الرئيسي تحطيم "بروباغندا الدور الحضاري للاستعمار" حسب حديث مخرجه.

أحياء للدعارة وكتائب للهوى!

حسب المؤرخة الفرنسية كريستيل تارو، في كتابها "التهميش والدعارة والاستعمار في المغرب الكبير"، يعود تشييد أول أحياء الدعارة بالمنطقة المغاربية إلى سنة 1831بالجزائر العاصمة، بعدها تونس في 1889 ثم المغرب سنة 1914.

وتضيف تارو موضحة أن نشاط الدعارة ذاك كان محكوماً بتمييز إثنيّ، لأن النساء المقدمات للجيش الفرنسي كُنَّ حتى حدود 1960 من السكان الأصليين، كذلك أولئك اللواتي كن يرافقن كتيبة "سكان المستعمرات" في الجيش الفرنسي في أثناء الحرب العالمية الثانية. ورغم أن القانون الفرنسي جرَّم الدعارة سنة 1945، ظلت سلطاته الاستعمارية محافظة على ذلك النشاط تحت رعايتها إلى حدود استقلال الجزائر سنة 1962.

هؤلاء النسوة اللاتي كُنَّ يُحتجزن في أحياء الدعارة أو يرافقن الجيوش، منهن من لم تتعدَّ سنها 12 سنة، يعانين شتى أنواع العنف والتمييز العنصري والتحقير، إضافة إلى الفحص الطبي الأسبوعي المهين لأجسادهن، حسب المؤرخة الفرنسية. ورغم إدانة جزء من الرأي العامّ الفرنسي تلك الممارسات، كانت السلطات العسكرية تتصدى لأي مطالبة بوقف تلك النشاطات، فيما أُغلقَت تلك الأحياء نهائياً في المغرب وتونس بحلول الاستقلال سنة 1955، والجزائر سنة 1962.

إضافة إلى أحياء الدعارة كانت فرق من النساء يرافقن الجيوش الاستعمارية الفرنسية خلال حروبها، في ما كان يُعرف بـ"المواخير العسكرية". موضوع شغل الباحث المغربي مصطفى قدري، أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، الذي يسلّط الضوء في أبحاثه على من عشن تلك التجربة وعانين ويلاتها.

إحداهن هي "فاضمة" التي أتاها طلب الالتحاق بالماخور العسكري، عَبْر إحدى اللجان الصحية العسكرية التي كانت تسهر على تنظيم الدعارة في المغرب المحتل، حيث ستُحمل في تلك الرحلة برفقة الجيش من الدار البيضاء إلى وهران، ومن وهران إلى منطقة دانغ دانغ بالهند الصينية (فيتنام حالياً) عبر البحر.

يوضح قدري أن مُستقَرّ أولئك النسوة كان دائماً في قواعد الجيش الخلفية لتلبية رغبات الجنود، الذين يتناوبون على العودة من القتال في استراحاتهم الدورية القصيرة. وبعد سنتين من الخدمة أُرسلَت فاضمة إلى أحد التحصينات الواقعة على خطوط التماسّ مع المقاومة الفيتنامية. وبعد اشتباك بين الطرفين، أُصيبَت في ساقها، وأُعيدَت إلى المغرب.

ويضيف الباحث المغربي أن قصص تلك النساء عرفت تعتيماً من الإعلام الفرنسي، ولم تُذكَر في بحث أو دراسة تاريخية فرنسية، عدا بعض المذكرات الأدبية التي رواها من عايشوا ذلك الواقع، كما حدث مع الممرضة الفرنسية جنفييف دو غالار، التي أسرها الفيتناميون بعد عودتها إلى فرنسا، وكانت التقت فاضمة على الجبهة، وطُلِبَ منها في حديثها مع الصحافة في باريس أن تنفي وجود أي مرأة غيرها.

TRT عربي