101 عام على "سيفر".. المعاهدة المجحفة التي مزقتها حرب الاستقلال التركية (AA)

منذ فتح العثمانيين مدينة إسطنبول عام 1453 وإحكام سيطرتهم على الأراضي التي كانت الدولة البيزنطية تسيطر عليها سابقاً، وما تبعه من ولادة الإمبراطورية العثمانية التي توسع نفوذها على مساحات شاسعة في قارات العالم القديم الثلاث لقرابة 6 قرون، لم يكن عداء الدول الغربية وروسيا للدولة العثمانية سيد الموقف وحسب، بل كان هناك محاولات مستمرة لغرض الانقضاض على أراضي الدولة العثمانية وتقسيمها بينهم.

وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما نتج عنها من هزيمة لـ"قوات المحور" التي كانت الدولة العثمانية تشكل جزءاً منها إلى جانب الإمبراطورية الألمانية وحلفائها، اعتقدت "قوات الحلفاء" المتمثلة في بريطانيا وفرنسا واليونان وروسيا القيصرية وحلفائهم أن الفرصة قد حانت لتحقيق أحلامهم في تقاسم التركة العثمانية. وعلى الفور، وبعد التوقيع على هدنة موندروس في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 1918، أجبرت الدول الغربية الحكومة العثمانية على القبول بتوقيع معاهدة "سيفر" في 10 أغسطس/آب 1920، والتي بشروطها القاسية والمجحفة أسست لبداية حقبة الاحتلال الغربي للأراضي التركية.

وعلى الرغم من توقيع الاتفاقية التي تتضمن بنوداً ثقيلة جداً حول تقاسم الأراضي التركية بين دول الاستعمار، فقد وُلدت ميتة قبل أن تدخل حيز التنفيذ بفضل الكفاح الوطني الذي بدأته الأمة التركية بقيادة القائد مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة.

"سيفر".. المعاهدة المجحفة

أرجأت دول الحلفاء التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى المفاوضات مع الأتراك إلى وقت لاحق، حيث لم يتمكنوا من التوصل إلى توافق في الآراء بشأن تقسيم الإمبراطورية العثمانية. وما إن اتفقوا حتى جرى التوقيع على معاهدة سيفر في 10 أغسطس/آب 1920، في متحف السيراميك في سيفر، إحدى ضواحي باريس.

واعتبرت بنود وشروط معاهدة "سيفر" أكثر قسوة وإجحافاً إذا ما قورنت بشروط معاهدة "فرساي" التي فُرضت على الإمبراطورية الألمانية في وقت سابق من ذلك العام.

وتنص المعاهدة على الاعتراف بكل من سوريا والعراق مناطق خاضعة للانتداب، وباستقلال شبه الجزيرة العربية وأرمينيا، والتنازل عن الجزر التركية الواقعة في بحر إيجة لليونان، واعتبار مضايق البوسفور والدردنيل مناطق مجردة من السلاح وتحت إدارة دولية. وتضمنت المعاهدة انسحاب الدولة العثمانية من جميع المناطق التي لا تنطق باللغة التركية كلغة أم، وأحقية دول الحلفاء المتمثلة بفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وروسيا باستعمار المناطق التي انسحبت منها الدولة العثمانية.

وأٌقرت المعاهدة بالاحتلال الغربي للأراضي التركية، إذ قامت بريطانيا باحتلال المدن في جنوب شرق تركيا بهدف ربطها بالعراق الخاضع للاحتلال البريطاني آنذاك، واحتلت فرنسا المناطق والمدن الواقعة في جنوب غرب تركيا ومن أهمها أنطاكيا ومرسين وأضنة، وقامت إيطاليا باحتلال الشريط الساحلي الغربي وصولاً إلى عمق الأناضول بدءاً من مدينتي أنطاليا وموغله، واحتلت أرمينيا بدعم روسي الأراضي على الحدود الشرقية ومنها مدينة قارس بهدف توسيع مناطقها، واحتلت اليونان إزمير في الغرب والمدن الواقعة في شمال غرب بحر مرمرة المتمثلة بإقليم تراقيا.

حرب التحرير والاستقلال

منذ اليوم الأول رفض الشعب التركي الوصاية الغربية بجميع أشكالها، وبطبيعة الحال معاهدة "سيفر". فما إن بدأت قوات الحلفاء بالنزول من السفن الراسية في إسطنبول بعد توقيع هدنة موندروس نهاية عام 1918 حتى بدأ الشعب وخلايا الجيش المتناثرة في أنحاء الأناضول بتشكيل نواة المقاومة الشعبية الأولى.

وبقيت المقاومة الشعبية مقتصرة على محاولات فردية أو جماعية صغيرة تفتقر إلى التنظيم بشكل عام، حتى وصول مصطفى كمال أتاتورك إلى مدينة سامسون يوم 19 مايو/أيار 1919 (أي قبل عام تقريباً من التوقيع على معاهد "سيفر")، وعلى عكس الأوامر الموكلة إليه قام بحشد الشعب وبقايا الجيش التركي المتفكك، وأطلق عنان النضال الوطني لمواجهة قوى الاستعمار الغربي.

واعتبرت خطبة أتاتورك الشهيرة التي ألقاها فور وصوله إلى سامسون الشرارة التي أشعلت أعظم حروب التحرير والاستقلال على مستوى العالم، والتي حددت فلسفتها وعنفوانها عبارته الخالدة (إما الاستقلال وإما الموت). خلال النضال الوطني قدم الشعب والجيش التركيين تضحيات كبيرة توجت بانتصارات حاسمة، أبرزها معركة سقاريا الملحمية التي انتهت بهزيمة الجيش اليوناني المحتل في 13 سبتمبر/أيلول 1921، وحرب التحرير النهائية التي انتهت بالانتصار على اليونانيين وتحرير إزمير يوم 9 سبتمبر/أيلول 1922.

في أعقاب الانتصارات المتوالية التي حققها الأتراك على مدار فترة حرب التحرير بين عام 1919 ونهاية عام 1922، تم التوقيع على هدنة مودانيا في 11 أكتوبر/تشرين الأول 1922 التي أعلنت بشكل فعلي انتهاء حرب التحرير والاستقلال التركية التي تكللت بتحرير البلاد، وإعلان قيام الجمهورية التركية الحديثة يوم 29 أكتوبر/تشرين الثاني عام 1923 بعد تمزيق معاهدة "سيفر" وتوقيع معاهدة "لوزان" التي تجاهلت ما أقرته معاهدة سيفر من بنود وشروط مجحفة.

قرن على "سيفر"

بعد مرور قرن على تمزيق الأتراك لمعاهدة "سيفر"، ما زالت الدول الغربية وعلى رأسها اليونان تحاول المس بالسيادة التركية في ما يتعلق بملف البحث والتنقيب عن موارد الطاقة الطبيعية شرقي المتوسط فضلاً عن التهديد الغربي المستمر بفرض عقوبات سياسية واقتصادية، متناسين تماماً أن تركيا لم تعد ضعيفة كما كانت قبل قرن، وأن النفوذ التركي يتعاظم يوماً بعد يوم في العديد من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية، تزامناً مع قرب إتمام الجمهورية لعامها المئة عام 2023.

ورداً على المحاولات اليونانية شرقي المتوسط، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده "لن تطأطئ الرأس للعربدة في جرفنا القاري بشرق المتوسط"، لافتاً إلى أن تركيا "لن تخطو أي خطوة للوراء أمام لغة التهديد والعقوبات". وأضاف: "مثلما مزّقنا معاهدة "سيفر" الهادفة إلى تقسيم وطننا قبل قرن سوف نحمي "الوطن الأزرق" اليوم بنفس الحزم".

TRT عربي
الأكثر تداولاً