مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك (Others)

صباح يوم الأربعاء، وفي تمام الساعة 9:05، توقفت الحياة في عموم تركيا بشكل شبة كامل لمدة دقيقية، ووقف الأتراك للمرة 83، دقيقة صمت وحداد على رحيل قائد حرب الاستقلال ومؤسس الجمهورية التركية الحديثة ورئيسها الأول، مصطفى كمال أتاتورك.

من جانبه، كتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نفس التوقيت مغرداً على حسابه الرسمي على موقع تويتر: "أحيّي ذكرى رحيل قائد حرب استقلالنا ومؤسس جمهوريتنا، الغازي مصطفى كمال أتاتورك، بأحرّ التعازي والرحمة في الذكرى 83 لوفاته".

في هذا التقرير نأخذكم في جولة قصيرة بين أبرز المحطات في حياة القائد مصطفى كمال أتاتورك بدءاً من يوم مولده الذي يصادف يوم 19 مايو/أيار 1881، في مدينة سالونيك الواقعة اليوم شرقي اليونان، ويوم وفاته في 10 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1938 في غرفته المتواضعة في قصر دولمابهتشة في مدينة إسطنبول.

المولد والنشأة

أول صورة معروفة لأتاتورك (الثاني من اليسار) عندما كان طالباً في الكلية الحربية. (Others)

وُلِد مصطفى على رضا عام 1881 في سالونيك اليونانية التي كانت تتبع الدولة العثمانية في ذلك الوقت. والده الضابط العثماني علي رضا أفندي، ووالدته زبيدة هانم. تُوُفي والده وهو في السابعة، فيما توفي 4 من أشقائه الـ5 في سن مبكرة، ولم يتبقَّ له سوى أخته مقبولة التي تُوُفّيت عام 1956.

وفي إطار سعيه لتحقيق حلم والده المتوفى، التحق الشاب مصطفى بالمدرسة الثانوية العسكرية في سالونيك في عام 1893، وهناك أضاف معلّم الرياضيات اسم "كمال" إلى اسمه لتفوقه وذكائه. عقب تخرجه في المدرسة الثانوية عام 1896، بدأ عام 1899 تعليمه في الأكاديمية العسكرية في إسطنبول، إلى أن تخرّج برتبة ملازم عام 1902، ليتخرج بعد ذلك في الكلية الحربية برتبة نقيب في 11 يناير/كانون الثاني 1905.

وبعد تخرجه في الكلية الحربية خدم في الجيش العثماني في دمشق بين عامي 1905 و1907، ليتولى بعد ذلك منصب رئيس أركان حركة الجيش التي دخلت إسطنبول في 19 أبريل/نيسان 1909. وفي عام 1910 أُرسلَ إلى فرنسا للمشاركة في مناورات بيكاردي، ليعود في عام 1911 للعمل تحت قيادة هيئة الأركان العامة في إسطنبول.

وكان مصطفى كمال يتقن الفرنسية والألمانية بشكل كافٍ، بالإضافة إلى التركية لغته الأم. ومن المعروف أيضاً أنه كان على دراية باللغتين اليونانية والبلغارية.

أتاتورك القائد العسكري

أتاتورك خلال التصدي للهجوم الإيطالي في معركة طرابلس. (Others)

في عام 1911، وإبان الهجوم الإيطالي على طرابلس التي كانت جزءاً من أراضي الدولة العثمانية وقتها، تولّى مصطفى كمال زمام الأمور في منطقتَي طبرق ودرنة، حيث انتصر على الإيطاليين في معركة طبرق يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 1911، ليُعيَّن على أثر ذلك قائداً لدرنة في 6 مارس/آذار 1912.

ومع اشتعال الحرب في البلقان في أكتوبر/تشرين الأول 1912، انضمّ مصطفى كمال إلى القوات العثمانية، فساهم في استعادة منطقتَي ديميتوكا وأدرنة. بعد الحرب عُيّن ملحقاً عسكرياً في صوفيا حتى بداية عام 1915.

ومع بدء الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب الإمبراطورية الألمانية وحلفائها، خدم مصطفى كمال على جبهات عديدة بدءاً من جناق قلعة مروراً بالقوقاز وصولاً إلى سيناء وفلسطين.

كذلك برز أتاتورك على الساحة قائداً عسكرياً من الطراز الرفيع، لدوره في تحقيق الانتصار وصدّ قوات الحلفاء الغازية في معارك جناق قلعة بين عامَي 1915 و1916، التي راح ضحيتها قرابة 253 ألف شهيد عثماني، والتي كانت شاهدة على عبارته الخالدة عندما خطب بعساكره قائلاً: "أنا لا آمركم بالهجوم، بل آمركم بالموت!".

أتاتورك.. القائد الثوري

أتاتورك المؤسس القائد الثوري عقب وصوله إلى صامسون عام 1919 مشعلاً شرارة حروب التحرير والاستقلال. (Others)

في أعقاب هزيمة وتفكك الإمبراطورية العثمانية بعد خسارة الحرب العالمية الأولى، وقّعت الحكومة العثمانية على هدنة مودروس في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1918، و أعقبتها بمعاهدة سيفر التي مهدت الطريق لاحتلال دول الحلفاء الأراضي التركية في الأناضول ورومالي، فضلاً عن حلّ الجيش العثماني منعاً لأي مقاومة مستقبلية.

وما إن بدأ الاحتلال اليوناني لمدينة إزمير غربي تركيا بداية صيف 1919، حتى ركب مصطفى كمال سفينة بندرما المتجهة من إسطنبول باتجاه صامسون على شاطئ البحر الأسود، وبعكس الأوامر الموكولة إليه من السلطان لحلّ فصائل الجيش العثماني المتبقية في المنطقة، خطب خطبته الشهيرة على ميناء صامسون مشعلاً الشرارة الأولى لحروب التحرير والاستقلال التي استمرت منذ عام 1919 حتى إعلان تأسيس الجمهورية عام 1923.

وبعبارته الشهيرة "إما الاستقلال وإما الموت"، اندلعت حروب التحرير والاستقلال التركية التي استمرت لقرابة 4 سنوات، تمكّنت خلالها قوات الحركة الوطنية التركية من هزيمة الفرنسيين في الجنوب، وصد الهجوم الروسي القادم من الشرق عبر أرمينيا، وتحويل الهزيمة إلى نصر في ملحمة صقاريا الخالدة التي شكلت نقطة التحول في تحقيق النصر على اليونانيين ورميهم في البحر عقب تحرير إزمير في 9 سبتمبر/أيلول عام 1922.

أتاتورك المؤسس

أتاتورك المؤسس (Others)

عقب الانتصار على اليونانيين واستعادة إزمير، اعترفت دول الحلفاء بحكومة أنقرة التي شُكلت عقب تأسيس أتاتورك البرلمان التركي في أنقرة في 23 أبريل/نيسان 1920، ووُقّعت معاهدة لوزان في 24 يوليو/تمّوز 1923، ثم أعلن مصطفى كمال أتاتورك قيام جمهورية تركيا في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1923، وانتُخب رئيساً لها حتى وفاته عام 1938.

وخلال فترة رئاسته التي استمرت 15 عاماً، نفّذ أتاتورك سلسلة من الثورات من أجل "الارتقاء بتركيا إلى مستوى الحضارة المعاصرة"، منها ما هو سياسي إذ أعلن عن تأسيس جمهورية ديمقراطية اجتماعية علمانية، ومنها الاجتماعي إذ مُنحت المرأة حقّ التصويت والترشح، وأمر بإلغاء الألقاب الدينية والطبقية بعد تطبيق قانون اسم العائلة عام 1934، الذي على أثره منحه البرلمان لقب أتاتورك "سلف الأتراك". وعديد من الثورات الأخرى في مجالات التعليم والصناعة والزراعة وغيرها.

خلال سنواته الـ57، عاش أتاتورك حياه خاصة بسيطة، وتزوج مرة واحدة لطيفة هانم عام 1923، وهي امرأة متعلمة، واستمر هذا الزواج حتى عام 1925. ولشدة حبه للأطفال تَبنَّى عديداً من الأولاد والبنات، أشهرهم صبيحة كوكجن.

كما كان أتاتورك قارئاً نهماً لشتى أنواع المعرفة، ولم يمتلك مكتبة ضخمة تحوي آلاف الكتب وحسب، بل كتب كتباً عن الاستراتيجية العسكرية والتعليم والتدريب العسكري والسياسة والتربية المدنية والهندسة الرياضية، بالإضافة إلى مذكراته في أثناء الحروب.

جنازة مهيبة

قبل وفاته في عام 1937 تبرع بمزارعه للخزينة التركية، وبعض ممتلكاته الثابتة لبلديتَي أنقرة وبورصة، فيما خصّص حصة من ميراثه لأخته مقبولة وأبنائه بالتبني، بالإضافة إلى مؤسسات اللغة والتاريخ التركي.

توُفّي مصطفى كمال أتاتورك إثر إصابته بتليف الكبد، في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1938 في غرفته المتواضعة بقصر دولمابهتشة بمدينة إسطنبول.

وفي صباح يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني بدأ الشعب التوافد إلى قصر دولمابهتشة من أجل توديع زعيمهم العظيم. وفي صباح يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني صلى شرف الدين التكايا صلاة الجنازة، ثم انطلق موكب الجثمان أمام مئات الآلاف من الأعين الدامعة حتى وصل إلى البارجة "يافوز" التي نقلته إلى ميناء إزمت استعداداً لنقله بالقطار إلى العاصمة أنقرة.

عقب وصوله إلى أنقرة يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني، نُقل الجثمان إلى البرلمان التركي من أجل استقبال وفود المواطنين الراغبين في توديع قائدهم، فيما أقيمت جنازة أتاتورك ظهر نفس اليوم، ودُفن في متحف الإثنوغرافيا.

وبعد بناء ضريح " Anıtkabir"، نُقل جسد أتاتورك ليُدفَن في مثواه الأخير في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1953، خلال مراسم جنائزية مهيبة، إذ دُفن بين حفن من تراب جُمعت من جميع أنحاء تركيا.

TRT عربي
الأكثر تداولاً