كشفت تقارير وإحصائيات رسمية حجم ما تسببت فيه أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية، من خسائر مادية وبشرية فادحة. لتغادر اليوم القوات الأمريكية وحلفاؤها أفغانستان بفاتورة تكلفة باهظة، لن تنساها الأجيال القادمة.

بعد مرور 20 عاماً على انهيارها، استعادت حركة طالبان من جديد سيطرتها على أفغانستان، في فترة قصيرة، وذلك بعد أن غادرت القوات الأمريكية والأطلسية المواقع العسكرية، وسلمتها لقوات الدفاع والأمن الأفغانية، إثر قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن بالانسحاب وإنهاء أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة.

ولطالما كانت الحرب طويلة الأمد التي علقت الولايات المتحدة في وحلها، مثار جدل وتنديد أمريكي واسع بما تسببت فيه من خسائر مادية وبشرية كشفت عنها بعد ذلك جهات رسمية وأكاديمية. واعتبر ذلك مؤشراً ودلالة فشل ذريع وإدانة للحكومات الأمريكية المتعاقبة، التي لم تتمكن من إيقاف هذا النزيف المستمر.

تكلفة مالية باهظة

بينما تستعيد طالبان السيطرة على أفغانستان، تتحدث الأوساط الأمريكية عن تكاليف باهظة سترهق الأجيال القادمة في الولايات المتحدة، التي كانت قد اقترضت ديوناً ومبالغ مالية ضخمة لدفع ثمن أطول مهمة قتالية تقوم بها.

ووفق الأرقام الرسمية التي نشرتها الحكومة الأمريكية في وقت سابق، وما صرح به مسؤولون في البنتاغون، فقد بلغت تكلفة الحرب بين عامي 2010 و2012 ما يقارب 100 مليار دولار سنوياً. ثم انخفضت بعد ذلك قليلاً سنة 2018 لتبلغ نحو 45 مليار دولار، على إثر قرار إبعاد الجيش الأمريكي قليلاً عن العمليات الهجومية، وتكليفه بتدريب القوات الأفغانية.

وبمناقشة قرار الانسحاب من أفغانستان، صرحت وزارة الدفاع الأمريكية أن تكلفة الحرب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2001 إلى سبتمبر/أيلول 2019 قد قدرت تكلفتها بنحو 778 مليار دولار، فيما أنفقت وزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية نحو 44 مليار دولار لمشاريع إعادة الإعمار، ليبلغ بذلك إجمالي التكلفة 822 مليار دولار.

وكشف بعد ذلك المشروع البحثي المشترك بين جامعتي براون وبوسطن الأمريكيتين "تكلفة الحرب" أن الولايات المتحدة قد أنفقت بحلول عام 2020، نحو 978 مليار دولار، بما في ذلك التكلفة المالية التي أنفقت في باكستان، التي استخدمتها الولايات المتحدة قاعدة عسكرية للعمليات المتعلقة بالحرب في أفغانستان.

ولتغطية تكاليف الحرب الباهظة، اقترضت الولايات المتحدة الأمريكية مبالغ مالية ضخمة قدرت بنحو ترليوني دولار، يرجح أن تصل قيمة فائدتها عام 2050 إلى نحو 6.5 ترليونات دولار، لترهق كاهل الأجيال القادمة بتركة باهظة لحرب طويلة رغم انتهائها تستمر أعباؤها.

آلاف القتلى والجرحى

تسبب الصراع المستمر بين حركة طالبان والقوات الأمريكية والأفغانية منذ عام 2001، في سقوط آلاف القتلى والجرحى من الجانبين.

وأشارت في هذا السياق الجهات الرسمية الأمريكية إلى مصرع نحو 2448 جندياً أمريكياً بحلول أبريل/نيسان 2021، إضافة إلى مقتل 3846 من المتعاقدين الأمريكيين. فيما قدر عدد الإصابات بنحو 20660 جندياً أمريكياً في أثناء القتال.

إلا أن هذه الأرقام وإن كانت تبدو ضخمة، فإنها ضئيلة مقارنة بالأفغان الذين سقطوا إثر الحرب، سواء كانوا من مقاتلي طالبان أو المحاربين في صفوف الحكومة الأفغانية إلى جانب القوات الأمريكية، دون أن نغفل عدد الصحفيين وناشطي الإغاثة الذين قتلوا كذلك في أثناء النزاع المسلح بين الجانبين.

حيث أكد تقرير جامعة براون أن نحو 641 ألف شخص من قوات الجيش والشرطة الأفغانية قد قتلوا في أثناء المعارك منذ عام 2001، فيما كشفت البعثة الأممية لمساعدة أفغانستان أنه قتل نحو 111 ألف مدني، وذلك منذ أن بدأت البعثة في تسجيل الأرقام بشكل رسمي عام 2009، في ما يشير إلى أن الخسائر البشرية تتجاوز ذلك بكثير.

وبينما تختلف اليوم الدوائر الحكومية الأمريكية على تقدير التكلفة الحقيقية للحرب المنهكة والمستنزِفة، فإنها تتفق على أنها خلفت فاتورة باهظة، ستكلف الولايات المتحدة الكثير لسدادها وتعويضها في السنوات القادمة.

وفيما صرح مسؤولون أمريكيون سابقون عام 2001 أن طالبان قد انتهت، مبررين بذلك حجم هذه النفقات الهائلة التي رصدت للحرب في أفغانستان، فإن الجميع اليوم يقف على مشاهد إعادة سيطرة جماعة طالبان من جديد في وقت قصير على أفغانستان.

TRT عربي