طالت صحفيين وسياسيين وحقوقيين مغاربة حملاتُ تشهير مسّت حيواتهم الشخصية. حملاتٌ تطرح أسئلةً حول مدى احترام أخلاقيات الصحافة بالمغرب وحماية الحياة الشخصية للمواطنات والمواطنين.

وجدت خلود المختاري نفسها في مواجهة حملة تشهير طالت سمعة أسرتها وتعرضت لحياتها الشخصية بالتزامن مع اعتقال زوجها الصحفي المغربي المعروف سليمان الريسوني منذ أشهر.

تقول خلود لـTRT عربي، إن هذه الحملة بدأت قبل اعتقاله، وكانت حينها تؤثّر في نفسيتها وتحطم معنوياتها، فكانت تطلب منه في كل مرة الردّ وتكذيب تلك الأقاويل، لكن مع مرور الزمن واستمرار النشر-دون تدخُّل أي جهة، لم تعد تبالي.

توضح خلود أن بعض المواقع الإلكترونية نشر بيانات شخصية ومعلومات تخصها وتخص زوجها وابنها الرضيع وأيضاً والدها، ولفّق قصصاً وهمية لتهويل الملفّ الذي يحاكَم فيه زوجها.

وبقدر استغرابها لكون قطاع الإعلام لم يحسم مع بعض ممارسي الصحافة الذين يضللون -حسب قولها- الرأي العامّ ويشهّرون بالناس ويعرّضون حياتهم للخطر، تأسفت لغياب آليات حقيقية لمحاسبة المشهّرين الذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون، وفق تعبيرها.

ووجّه سليمان الريسوني -حسب ما تحكيه خلود- قبل يومين من توقيفه شكاية إلى المجلس الوطني للصحافة (هيئة منتخبة تُعنى بإدارة قطاع الإعلام) والمجلس الوطني لحقوق الإنسان ومكتب وزير حقوق الإنسان، بشأن حملة التشهير والسبّ والقذف التي تقودها مواقع إلكترونية ضده، ورغم مرور أشهر لم يتوصل إلى أي جواب.

"لقد اقتنعت بأن هذه المواقع تشتغل دون حسيب أو رقيب ولا يمكن للقضاء أن ينصفني، كما لم ينصف من قبل وزيراً رفع عشرات الشكايات ضد موقع يشهّر به ليخسر كل القضايا" تقول خلود بأسف.

وتضيف: "أنا امرأة عزلاء وأم لطفل رضيع، تعرضت لحملة تشهير ونشر أكاذيب حول أسرتي، ولم يتفاعل القضاء ولا التنظيمات الوصية على الصحافة، فهمت أن هذا أسلوب للضغط، لذلك تركت كل ذلك خلفي وتفرغت لمسؤولياتي تجاه زوجي المعتقل وقضيته".

انتهاك الحياة الخاصة

ليست خلود وزوجها الصحفي سليمان الريسوني وحدهما مَن ذُكر اسماهما في مقالات تشهير وسبّ وقذف، بل اشتكى من هذا الحال صحفيون آخرون وسياسيون وناشطون حقوقيون.

اقرأ أيضاً:

وقبل أسبوعين، استنكرت حركة "خميسة" ما لحق بناشطة حقوقية من تشهير وانتهاك صارخ لحياتها الخاصة، وحياة ابنها القاصر.

وطالبت في بيانٍ الدولة المغربية بحماية الحياة الخاصة للمواطنات والمواطنين ووقف التشهير ضدهن وضدهم، وتحريك المتابعة في حق كل من اعتدى على الحياة الخاصة أو نشر معطيات شخصية، وفعّل القوانين الزجرية لحماية الحياة الخاصة.

وفي يوليو/تموز الماضي وقّع أزيد من مئة صحفي مغربي على بيان عنوانه "صحافيون مغاربة ضد صحافة التشهير"، وجّهوه إلى السلطات العمومية والوزارة الوصيّة على قطاع الإعلام والاتصال والمجلس الوطني للصحافة، والإطارات والهياكل النقابية الوطنية للصحافة والإعلام، وأيضاً تجمع المعلنين المغاربة، طالبوا فيه بـ"الوقوف أمام الانزلاقات التي تعرفها المهنة في الآونة الأخيرة من تشهير وسبّ وقذف في حق زملاء صحفيين وكذلك تجاه شخصيات عمومية".

لوبيات واللهاث خلف البوز

وعزا محمد العوني رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير، تنامي التشهير في بعض وسائل الإعلام المغربية إلى تقليص هوامش الحرية والحق في الحصول على المعلومة، وتزايد ما وصفه بـ"تدخُّل اللوبيات السياسوية والمالية في الحقل الإعلامي مما أفقدها استقلاليتها".

وأضاف العوني في حديث معTRT عربي، أن لهاث بعض المواقع الإلكترونية وراء "البوز" الذي فرضته دينامية التواصل الرقمي جعلها تنقض أخلاقيات مهنة الصحافة، إلى جانب النقص الحاصل في تكوين الصحفيين بحيث أصبح الولوج إلى المهنة ممكناً لمن لا تتوافر فيه الشروط التكوينية والمعرفية والإعلامية والأخلاقية.

ومع رفضه تبنِّي حكم شامل بشأن توجه الإعلام المغربي عموماً نحو التشهير، وإشارته إلى وجود تجارب إعلامية رصينة وجادة تشتغل في ظروف صعبة، حذّر العوني مما سمّاه "شبكات الفساد التي تدافع عن مصالح غير مشروعة وأصبح لها أيدٍ في الإعلام، وهي أخطر ما يهدّد مهنة الصحافة ويجعل بابها مشروعاً على مصراعيه لتصفية الحسابات والتشهير".

التكنولوجيا تخلق تحديات

من جانبه يرى يونس مجاهد رئيس المجلس الوطني للصحافة، أن القول بتنامي حملات التشهير يحتاج إلى معطيات إحصائية ودراسات تثبته، وهو الأمر الذي لا يتوافر حالياً.

ولفت إلى أن الأمر في نظره يرتبط بتطوُّر التكنولوجيا وانتشارها، مما جعل النشر والبث في متناول الجميع. وأضاف أن هذا التطور التكنولوجي جعل مهنة الصحافة تواجه تحديات جديدة تتعلق بأخلاقيات المهنة وبمحاربة الأخبار الزائفة، وهي التحديات التي يرى أنها مطروحة بقوة على الصعيد العالمي لا المحلي فقط.

وأوضح مجاهد في تصريح لـTRT عربي، أن المجلس الوطني للصحافة الذي يضمّ في هياكله لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية، يتلقى شكايات حول الانتهاكات التي يرتكبها الإعلام، ويبتّ فيها طبقاً لمقتضيات ميثاق أخلاقيات الصحافة الذي صدّق عليه المجلس ونُشر في الجريدة الرسمية العام الماضي.

وأشار إلى أن اللجنة تحرص في معالجتها للشكايات على توفير جميع الضمانات للمشتكي والمشتكَى، واتباع مسطرة تحفظ حقوق جميع الأطراف.

وتتراوح قرارات اللجنة -حسب مجاهد- بين التنبيه والتوبيخ والإنذار، كما ينصّ القانون على عقوبات تتعلق بالصحفيين تصل إلى السحب المؤقت لبطاقة الصحافة لمدد تتحدد حسب جسامة الأفعال المرتكبة، أما المقاولة الصحفية فقد تتلقى عقوبات تتراوح بين غرامات وحرمان من الدعم العمومي.

وكان رئيس لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية أعلن خلال ندوة نظّمها المجلس الشهر الماضي حول "حرية التعبير بين النقد والتشهير"، عن تلقي 34 شكاية منذ انطلاق عملها، تتعلق باتهامات بالتشهير، ونشر العنصرية، ورفض نشر بيانات حقيقة. وبتّت اللجنة في تسع شكايات قالت إنها احترمت الشروط القانونية لتقديم شكاية.

نقاش وطني

يرى محمد العوني أن الدولة والعاملين في المجال الإعلامي والمستثمرين فيه وأيضاً الجمهور يتقاسمون المسؤولية في ما يتعلق بتنامي التشهير في الصحافة المغربية كل من موقعه.

ولتجاوز هذا الوضع يؤكّد ضرورة أن تحمي الصحافة نفسها بنفسها من هذه الانزلاقات من خلال تنظيماتها المهنية.

ودعا في هذا الصدد إلى فتح نقاش وطني لتطوير الآليات التي يشتغل بها المجلس الوطني للصحافة، مشيراً إلى أن المنظمة التي يرأسها طالبت بتوسيع صلاحيات المجلس ليصبح مرحلة أولية للتقاضي.

وأوضح قائلاً: "في ما يخصّ القضايا ذات العلاقة بأخلاقيات الإعلام وبحرية التعبير، نقترح قبل التوجه إلى القضاء، المرور أولاً من المجلس الوطني للصحافة بمسطرة خاصة، ونطمح إلى أن يمارس المجلس صلاحياته بشكل ينصف المتضررين من التشهير".

أما مجاهد فيراهن على وعي الصحفيين المحترفين والمهنيين، فهذا في نظره الضمانة الكفيلة بحماية أخلاقيات الصحافة في مواجهة الظواهر السلبية.

وأضاف أن عمل المجلس ليس البتّ في الشكايات وإصدار العقوبات فقط، بل يتعدى ذلك إلى التوعية والتحسيس وأيضاً التكوين بالتعاون مع المجتمع المدني والفاعلين الحكوميين.

صحف مغربية (TRT Arabi)
يتلقى المجلس الوطني منذ تأسيسه شكايات حول الانتهاكات التي يمارسها الإعلام (TRT Arabi)
TRT عربي