تبحث تركيا في تثبيت معادلة توازن القوى، إذ ترى في العراق نموذجاً مهماً للعلاقات السنية الشيعية في عموم المنطقة، ولذلك فهي حريصة على أمنه واستقراره كضمانة لعدم تدحرج الأوضاع فيه إلى مواجهة طائفية تدمره وتدمر المنطقة برمتها.

تحظى العلاقات التركية العراقية بأهمية قصوى منذ سنوات طويلة، باعتبار أن الدولتين الجارتين تتمتعان بخصائص استراتيجية من الناحية السياسية والعسكرية، بالإضافة إلى التعاون الدبلوماسي الخارجي من حيث الاتفاقيات الدولية التي تربط الدولتين، وتقاربهما الحضاري والثقافي.

وتؤدي العوامل الاقتصادية دوراً مهماً متعدد الأبعاد في العلاقات التركية العراقية، حيث الحاجة المتبادلة بين الدولتين. فبالنسبة إلى العراق تشكل تركيا مدخلاً حيوياً لوارداته التجارية ودخول مختلف أنواع البضائع والسلع إلى أسواقه من جهة، ومن جهة أخرى يعتبرها العراق منفذاً مهماً لتصدير نفطه عبر الأراضي التركية بواسطة الأنابيب التي تمر داخلها وصولاً إلى المواني التركية.

اقرأ أيضا:

ماكرون في العراق وقصّة الوطن والمواطنة

كما تبحث تركيا في تثبيت معادلة توازن القوى، إذ ترى في العراق نموذجاً مهماً للعلاقات السنية الشيعية في عموم المنطقة، ولذلك فهي حريصة على أمنه واستقراره كضمانة لعدم تدحرج الأوضاع فيه إلى مواجهة طائفية تدمره وتدمر المنطقة برمتها.

البعد الاقتصادي بين تركيا والعراق

يعتبر العراق أحد أهم خيارات أمن الطاقة التركي كبديل لغاز روسيا وإيران الطبيعي، إضافة إلى النفط الذي يعتبر ركيزة أساسية في العلاقات التجارية بين البلدين عموماً وبين تركيا وإقليم شمال العراق خصوصاً. ويبقى الملف الاقتصادي أحد أهم محددات السياسة التركية إزاء العراق، الذي يبرز كأحد أهم الشركاء التجاريين لأنقرة من حيث التجارة البرية والغاز الطبيعي والاستثمارات التركية في العراق، وعمل شركات البناء والإنشاءات التركية على أراضيه.

بهذا الصدد تحدث المستشار الاقتصادي لمجلس رئاسة الوزراء في العراق مظهر محمد صالح وصرّح لـTRT عربي قائلاً: "تم تشكيل مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين في عام 2008، وفي 2009 تم توقيع 48 اتفاقية في مجالات الأمن والطاقة ومختلف الجوانب الاقتصادية. ويساهم العراق في مد تركيا باحتياجاتها من النفط بنحو 15% من إجمالي احتياجات تركيا النفطية".

كما تابع صالح: "تنظر تركيا إلى العراق كرافد مهم من روافد سياسة تنويع واردات الطاقة التركيّة، على اعتبار أن العراق يمتلك أكبر خامس احتياطي مؤكد من النفط في العالم، ويحتل منذ 2012 موقع ثاني أكبر منتج للنفط وفقاً لمنظمة الدول المصدرة للنفط أوبك، بالإضافة إلى أهمية العراق في تفعيل دور أنقرة مستقبلاً كمحطة لنقل الطاقة إلى أوروبا، على اعتبار أن تركيا تعتبر المنفذ الأقرب لتصدير النفط العراقي إلى الأسواق العالمية".

وأضاف المستشار الاقتصادي: "حجم التبادل التجاري بين العراق وتركيا اقترب من 9 مليارات دولار عام 2015، بعد أن وصل إلى حدود 12 مليار دولار عام 2013. وهذا النشاط الاقتصادي المهم جعل العراق، وخصوصاً الإقليم الشمالي، أحد ضمانات أمن الطاقة التركي باعتباره ضمن البدائل التي يمكن أن تخفض من مستوى الاعتماد التركي على الغاز الروسي الذي يبلغ حالياً 55% من احتياجات أنقرة، وبالتالي فثمة حرص تركي على علاقات أكثر من جيدة مع العراق، أو على الأقل عدم تدهورها رغم الملفات الخلافية بين الطرفين".

اقرأ أيضا:

ملف فساد المنافذ الحدودية يستهدف الفصائل المسلحة في العراق

من جانبه صرّح النائب العراقي أحمد سليم الكناني، رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب، وقال لـTRT عربي: "إن قضية مساهمة تركيا في إعادة إعمار العراق كانت على رأس القضايا التي نوقشت مع وزير الخارجية التركي، خصوصاً خلال لقائه رئيس المجلس النيابي محمد الحلبوسي".

وأضاف الكناني: "إن الوزير التركي مولود جاوش أوغلو أكد أن بلاده مستعدة للبدء في تفعيل عملية إعادة الإعمار، من خلال الشركات ورجال الأعمال الأتراك، وعبر تشكيل لجان مشتركة لهذا الغرض، وأهم المشاريع الثنائية في مجالات التطوير هي مطار البصرة، وإعمار مطار الموصل وبناء منطقة صناعية فيها، وبناء طرق سريعة تربط جهات العراق كما هو الحال في تركيا، وبناء سكة حديدية تربط بين المعبر الجديد الذي سيقيمه البلدان والعاصمة بغداد، إلى جانب العديد من مشاريع البنى التحتية، وبالرغم من كل العراقيل والضغوط الإقليمية فإن المفاوضات ما تزال مستمرة لحين تنفيذ الاتفاقيات بين الدولتين".

الوجود العسكري ضد الإرهاب

لا يمكن الحديث عن مستقبل العراق من دون التطرق إلى الموقف التركي من مختلف التطورات فيه، ولا سيما العلاقة بين إقليم كردستان العراق والحكومة المركزية ومواجهة تنظيم الدولة "داعش" ووحدة الأراضي العراقية، فتركيا ليست فقط دولة جارة وقوية للعراق، وإنما هي أيضاً دولة كان لها دائماً تفاعل مؤثر في الملف العراقي إيجاباً وسلباً بهذه الدرجة أو تلك، فضلاً عن المصالح التركية المتعددة في العراق وفي مقدمتها أمن الطاقة ومكافحة حزب العمال الكردستاني.

بهذا السياق تحدث الخبير الأمني أحمد الشريفي لـTRT عربي قائلاً: "تملك تركيا قاعدة عسكرية كبيرة في منطقة بامرني (45 كم شمالي محافظة دهوك بإقليم كردستان) منذ 1997، وتحديداً في موقع مدرج قديم كان يستخدمه الرئيس السابق صدام حسين لزيارة قصوره في مناطق سياحية قريبة. وتملك تركيا أيضاً ثلاث قواعد أخرى صغيرة في غيريلوك (40 كم شمال العمادية) ومنطقة كانيماسي (115 كم شمال دهوك) وسيرسي (30 كم شمال زاخو) على الحدود العراقية التركية. وهذه القواعد ثابتة وينتشر فيها جنود أتراك على مدار السنة".

وأضاف الشريفي: "تركيا تدرك ضرورة وجودها في الساحة العراقية التي تتطلب مزيداً من الشركات للعمل في مجال الإعمار والاستثمار، ولا سيما عند انتهاء الأزمة الأمنية والقتال الدائر في الساحة العراقية ضد تنظيم داعش الإرهابي. علاوة على غارات الجيش التركي التي تستهدف مواقع حزب PKK الإرهابي جنوب شرقي البلاد وشمالي العراق".

وتجدر الإشارة إلى أن حزب PKK الإرهابي تم تصنيفه منظمة إرهابية في كل من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبهذا الخصوص تابع الشريفي: "إن الدافع الذي لا يقل أهمية عن كل ما سبق يتمثل في إصرار تركيا على مواجهة عدوها اللدود وهو حزب PKK الإرهابي في الأراضي العراقية، إذ يوجد للحزب معسكرات ومقرات في جبال قنديل الخاضعة لسلطة إقليم كردستان العراق، وكذلك في سنجار والمناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة العراقية المركزية. بل تطمح أنقرة إلى القيام بعملية عسكرية ضد عناصر PKK، ويساعدها على هذا الطموح وجودها العسكري في شمال العراق".

تركيا لديها قاعدة بعشيقة ونشرت فيها عام 2015 فوجاً من 150 جندياً و25 دبابة تدريب، و"عزت أنقرة وجودها هذا إلى تدريب العراقيين على محاربة ما تبقى من خلايا داعش، وأن عدد الجنود الأتراك الموجودين في العراق عام 2020 ما يقارب 3 آلاف جندي، يستمر هؤلاء في ملاحقة عناصر تنظيم PKK". بحسب تعبير الشريفي.

المساهمة في إعمار العراق

دعت وزارة التخطيط العراقية تركيا إلى المشاركة في إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب ضد تنظيم داعش، وجاء ذلك خلال لقاء جمع وزير التجارة العراقي بالوكالة سلمان الجميلي، والسفير التركي في بغداد فاتح يلدز، ودعا الجميلي إلى الإسهام في عمليات إعادة الإعمار للمناطق المتضررة من جراء الحرب، خاصةً في مجال تأهيل البنى التحتية وبناء المستشفيات والمدارس، وفتح آفاق الاستثمار أمام الشركات التركية.

وبهذا الخصوص أكد الجميلي لـTRT عربي أن "تركيا قدمت مساهمة بـ5 مليارات دولار، وأصبحت أحد أكبر المساهمين بين أكثر من 70 دولة ومؤسسة دولية شاركت بالمساعدات المالية في مؤتمر الكويت، حيث يسعى العراق لتعزيز العلاقات الثنائية وتنفيذ مشاريع استثمارية كثيرة، والمفاوضات مستمرة على أمل إيجاد أرضية مناسبة للطرفين للمضي قُدماً بهدف تجديد ملف إعادة إعمار العراق".

كما تابع الجميلي: "تعتبر تركيا تاريخياً الراعية لتركمان العراق سياسياً وثقافياً واجتماعياً، وتربطها بهم علاقات خاصة جداً صاغتها حقائق التاريخ والعرق والثقافة، بالإضافة إلى احتفاظ الشعب التركي بمكانة خاصة لمدينة لموصل، التي ما زال ينظر لها كعمق استراتيجي له خسره اضطراراً بعد الحرب العالمية الأولى، لذلك تولي تركيا هاتين المنطقتين اهتمامها الأكبر، وتحاول عقد الاتفاقيات مع الحكومة العراقية من أجل إنجاز المشاريع الاستثمارية في المناطق المنكوبة".

من جهته تحدث رئيس مجلس العمل التركي العراقي، التابع لهيئة العلاقات التجارية الخارجية (DEİK)، أمين طه وصرّح لـTRT عربي قائلاً: "ندعو رجال الأعمال والشركات التركية لتأسيس مصانع ومصالح وشراكات اقتصادية داخل العراق، في مجالات الصناعة والتجارة والإعمار واستثمار الأراضي الزراعية، بما يعمق جذور التعاون ويعود بالنفع على البلدين والشعبين، ويفتح أسواق البلدين أمام المنتجات العراقية والتركية المشتركة، وأن يكون هذا توجهاً استراتيجياً في العلاقات العراقية التركية".

وتابع طه: "أنقرة لديها دوافع نحو مزيد من التعاون مع حكومة بغداد، إذ تبحث أنقرة عن مزيد من الاستثمارات الاقتصادية عبر الدخول في عملية إعادة الإعمار في العراق، بالإقدام على تطوير منشآته الاقتصادية والإنمائية، وبناء المعامل وإنشاء المجمعات السكنية والطرق والجسور وسكك الحديد والسدود وشبكات الري المختلفة، فتركيا تمتلك القدرة على إعادة إعمار البنى التحتية التي يعد العراق بأمس الحاجة إليها".

الجهود الدبلوماسية الثنائية

توج الحراك الدبلوماسي بزيارة رأس الدبلوماسية التركية مولود جاوش أوغلو إلى العراق على رأس وفد رفيع المستوى، التي استغرقت عدة أيام، ولم تقتصر الزيارة على البعد السياسي الحكومي في التواصل، بل تعدته إلى لقاءات متعددة مع الطيف السياسي العراقي، وأخذت بعداً اجتماعياً من خلال التواصل الاجتماعي مع العشائر العراقية.

من جانبه تحدث السفير التركي في بغداد فاتح يلدز لـTRT عربي بالقول: "العلاقات التاريخية بين تركيا والعراق، وروابط الدين والعرق والثقافة والاقتصاد، دعائم حافظت على متانة تلك العلاقات منذ بدايتها حتى الوقت الحاضر، ومن الطبيعي القول إن نهري دجلة والفرات القاسم المشترك بين الدولتين، ومثلما يغذيان أراضيهما، فإنهما أيضاً رابطة أزلية اقتصادية مشتركة".

وتابع يلدز: "العلاقات التركية العراقية منذ نشوئها كانت وما زالت تتصف بحسن الجوار، ولم تشهد تلك العلاقات أي شائبة هامة عكرت صفوها حتى بعد الضربات التركية على قوات PKK، فالحكومة التركية أوضحت دوافعها العسكرية لحماية رعاياها من دخول عناصر حزب العمال الكردستاني إلى أراضي تركيا ومنعها من تنفيذ عمليات إرهابية، ويمكن اعتبار العلاقات العراقية والتركية بالصيغة السياسية النموذجية التي سادها على الدوام احترام السيادة المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين، واستعداد الجانبين لحل كل الأمور التي تعترض مسيرتهما التفاعلية والتعاونية، وتؤثر بشكل سلبي على علاقات حسن الجوار".

كما أضاف السفير التركي في العراق: "إن قرار العقوبات الأمريكية الجديد على إيران غيّر مجرى الأمور، وأصبح التقارب التركي مع العراق يحل في خطوات عديدة بديلاً عن الإيرانيين، إذ منحت السوق التركية فرصة كبيرة لأن تصبح المصدر الأول لواردات العراق من السلع بديلاً عن السلع الإيرانية، كما أن تركيا التي يهمها الحصول على النفط والطاقة من العراق، قد وجدت في العراق البديل، بعد أن أصبح اعتمادها على 75% من حاجاتها إلى الطاقة على إيران مهدداً بفعل العقوبات الأمريكية، وهي الآن تسعى لأن يكون العراق بديلاً استراتيجياً أمثل لتوفير حاجاتها من الطاقة".

كما أوضح السفير يلدز قائلاً: "اتخذت أنقرة مجموعة من الخطوات التي تنم عن تحرك قوي نحو مزيد من التقارب مع العراق، إذ تمضي القرارات التركية بالإعلان عن نيتها إعادة تفعيل قنصليتيها العامتين في الموصل والبصرة، وفتح قنصليتين في محافظتي كركوك والنجف بالعراق خلال العام بهدف احتضان جميع مناطق العراق، وتقوية العلاقات الدبلوماسية بين العراق وتركيا".

ثمة عوامل عدة تساهم في صياغة العلاقات الثنائية بين العراق وتركيا وفي مقدمتها التقارب الحضاري الثقافي والمصالح الاقتصادية وحجم التبادل التجاري ومدى التوافق في رؤية السياسة الخارجية وملفات الاهتمام المشترك على المستوى العسكري، وبحسب خبراء في الشأن العراقي التركي فإن مستقبل العلاقات بين الطرفين يمضي نحو بناء آفاق جديدة استراتيجية، وسيكون لهذه العلاقات مستقبل للتطوير على مختلف الأصعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية والاستراتيجية.

المصدر: TRT عربي