بعد عقدين من التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان لإنهاء حكم طالبان لارتباطها بالقاعدة، التي كانت مسؤولة عن تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول 2021، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن يوم 18 من أبريل/نيسان عن قرار البدء بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان.

ويبلغ تعدادها نحو 2500 مقاتل، وأشار بايدن إلى أن الحرب في أفغانستان قد حققت أهدافها وذلك بمنع تحولها إلى قاعدة وملاذ للإرهاب.

وكانت "الدوحة" قد رعت دور الوسيط في المفاوضات التي جرت بين واشنطن وطالبان في فترة الرئيس السابق دونالد ترمب، وذلك منذ عام 2019.. وأسفر ذلك عن توقيع اتفاق تاريخي يقضي بانسحاب أمريكي تدريجي من أفغانستان وتبادل الأسرى في يوم 28 من فبراير/شباط 2020.

وكان من المقرر أن تبدأ عملية الانسحاب من يوم 1 من مايو/أيار 2021، إلا أن إدارة بايدن أرجأت استكمال الانسحاب إلى 11 سبتمبر/أيلول القادم ليصادف الذكرى العشرين لأحداث 11 سبتمبر/أيلول.

وعبرت طالبان عن رفضها لذلك مصرة على أن يكون الانسحاب الأمريكي في وقته المحدَّد، وحذّرت الولايات المتحدة من الإخلال بالتاريخ المحدَّد للانسحاب والذي نص عليه اتفاق الدوحة.

بدورها صرحت الخارجية التركية يوم 13 من أبريل/نيسان بانعقاد محادثات السلام الأفغانية في أنقرة بين 24 أبريل/نيسان و4 مايو/أيار، لكن حركة طالبان رفضت المشاركةفي أيمؤتمر لإحلال السلام قبل مغادرة كل القوات الأجنبية من أفغانستان. ليعلن وزير الخارجية التركي عن تأجيل المؤتمر إلى حين تشكيل وإعداد الوفود المشاركة.

من جهتها عبّرت الحكومة الأفغانية عن قلقلها من قرار سحب القوات الأمريكية قبل التوصل إلى اتفاق سلام بالبلاد، وحذّرت من التحديات التي ستترتب على ذلك ومن إمكانية وقوع فوضى وحرب الأهلية.

دوافع الانسحاب الأمريكي من أفغانستان

في تصريح خاص لـTRT عربي اعتبر سمير صالحة، أستاذ القانون والعلاقات الدولية، أن "أهم أسباب ودوافع الانسحاب الأمريكي فشل المقاربة الأمريكية للحل ووصولها إلى طريق مسدود، بعد أن كانت تقوم على أساس الحسم والحل العسكري والانحياز لطرف دون طرف، متخبطة في التعامل مع الملف الأفغاني، بالإضافة إلى دخول محور (روسيا، تركيا، قطر) على خط الحل في أفغانستان".

بايدن أعلن سحب القوات الأمريكية من أفغانسان في سبتمبر/أيلول القادم (AFP Archive)

ويرى خبراء ومحللون أن من أسباب الانسحاب أيضاً إعادة التموضع على ساحة المواجهة العالمية و الانسحاب من هوامش المواجهة في أفغانستان، وبالتالي تركيز الجهود والاهتمام على مواجهة الصين وروسيا، وإنهاء أطول حروب أمريكا في أفغانستان، والعودة إلى اتفاق نووي أكثر صرامة وأوسع وأكثر تقييداً لإيران.

كما يعد ارتفاع تكلفة الحرب المادية والبشرية من بين الأسباب المهمة لقرار الانسحاب. وفي حديث خاص لـTRT عربي، اعتبر محمود الرنتيسي الباحث في مركز سيتا للدراسات أنه "تعود رغبة إدارة بايدن لإنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة بالخارج منذ 2001، إلى إيقاف نزيف الخسائر الأمريكية هناك. فبعد كل المحاولات اليائسة للقضاء على طالبان عسكرياً، أدركت واشنطن أن محو طالبان من الخريطة الأفغانية يعتبر أمراً مستحيلاً".

وكانت قد تسببت الحرب على أفغانستان في مقتل 2448 جندياً من الجيش الأمريكي، إضافة إلى خسارة نحو ترليوني دولار ومقتل نحو 38 ألف مدني أفغاني.

في الإطار ذاته تمكّن خطوة الانسحاب من تحقيق إنجاز سياسي للولايات المتحدة، فلطالما كان سحب القوات الأمريكية من مناطق الصراع هو مطلب المواطنين الأمريكيين.

ولا يمكن كذلك إغفال أن الأولوية الأمريكية في مواجهة الإرهاب قد تحولت إلى منطقة وسط إفريقيا حيث أصبح الإرهاب في تصاعد، مع نشاط حركة الشباب وتنظيم داعش، لتشكل تهديداً جاداً للأمن العالمي.

التداعيات والسيناريوهات المحتملة

وفي تعليقه على التداعيات التي ستنجر عن الانسحاب الأمريكي من افغانستان، قال الرنتيسي إن واشنطن لم تعد قادرة على الحسم العسكري، وإن الفراغ الذي ستتركه ستملؤه الدول الأخرى مثل باكستان والصين وغيرها.

ويرجح خبراء ومحللون أن مآلات الوضع في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي ستنتهي إلى ثلاث سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: فرضية السقوط في الفوضى واندلاع المواجهات بين طالبان وقوات الحكومة الأفغانية

يرى بعض المراقبين والمعارضين للانسحاب الأمريكي أن هذه الخطوة تعتبر حلاً سياسياً محفوفاً بالمخاطر، وخاصة مع تصاعد العمليات العسكرية لقوات طالبان ضد الحكومة الأفغانية، ولما تعانيه الحكومة المركزية من الضعف الأمني الشديد وعدم القدرة على هزيمة قوات طالبان، وهو ما قد يدفع البلاد إلى الوقوع في حالة الفوضى والحرب الأهلية، وعودة الجماعات الإرهابية للنشاط في بيئة الفوضى مثل داعش وتنظيم القاعدة، وبالتالي عودة أفغانستان لتكون قاعدة انطلاق لشن عمليات إرهابية خارجية، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى العودة من جديد إلى أفغانستان كما عادت من قبل إلى العراق بعد ظهور تنظيم داعش.

السيناريو الثاني: فرضية سقوط البلاد في قبضة حركة طالبان

تسيطر حركة طالبان حالياً على نحو ثلث مساحة أفغانستان، ولا شك أن جيش الحكومة الأفغانية البالغ عدده نحو 300000 يعاني من ضعف شديد، فهو لم يستطع إنهاء حركة طالبان على الرغم من الدعم الجوي من قوات حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وسيعاني حال انسحاب الناتو من انكشاف كبير، ما سيعزز فرص طالبان في السيطرة على أفغانستان في ظل غياب اتفاق سلام ضامن لحالة الاستقرار، وقد لا تمانع باكستان في سيطرة حركة طالبان لضمان مصالحها الاستراتيجية فيأفغانستان، إضافة إلى وجود رؤية داخل الإدارة الأمريكية ترى في سيطرة طالبان فرصة لإنهاء تنظيم داعش في أفغانستان المنافس الأقوى لطالبان وتضاؤل خطر القاعدة.

السيناريو الثالث: إنجاز الحل السياسي والانتهاء إلى اتفاق السلام

يرى في هذا الإطار سمير صالحة "أن الولايات المتحدة أدركت أن سياستها في أفغانستان قد فشلت، لذلك بادرت بدعم الرؤية التركية للحل في أفغانستان، والتي لم تتبنَ طرح حلف الشمال الأطلسي، وتعتبر الأوفر حظاً للتعامل مع هذا الملف بسبب سياستها المتوازنة مع جميع الأطراف الأفغانية، وحرصها على الانفتاح والحوار مع الجميع للوصول إلى السلام، وإن التحرك التركي لتنظيم القمة الثلاثية التي عُقدت قبل أيام وجمعت وزراء خارجية تركيا وباكستان وأفغانستان إنما هي تحضير لمؤتمر السلام الذي سيُعقد في إسطنبول".

وأضاف سمير صالحة في الحديث عن أفق للحل السياسي: "تبقى العقبة الأساسية أمام خطوة الانسحاب، إعداد خريطة طريق يتم فيها مراعاة الكثير من الاعتبارات في التسوية الأفغانية. ومن بين أهم هذه النقاط أن التحرك الروسي القطري يأتي في إطار تنسيق تركي روسي قطري، وهذا ما يرجح وجود رغبة دولية وإقليمية لإنجاح قمة إسطنبول المتعلقة بالشأن الأفغاني".

ويبدو أن الولايات المتحدة تفكر في إعادة تقييم لموعد انسحابها وتأجيله لأربعة أشهر أخرى، للتمكن من إنجاز انسحاب مدروس، يترافق مع تطورات عملية السلام ويخفف من احتمالية انزلاق البلاد إلى الحرب الأهلية.

TRT عربي