التجنيد الإجباري السوري "إرادة دولية"، والنظام السوري لا يعدو كونه عميلاً مستعاراً يقوم على استغلال تحكمه بحاجات المواطن البسيط وتشريع القوانين الاجتماعية والسياسية التي تسهّل مهمّة قوى الاحتلال في عمليات التجنيد، وابتزاز المواطنين السوريين.

PYD
PYD (AA)

لا أحد في سوريا يقاتل بشكل اختياري إلا أوليك الساعون إلى تحرير وطنهم والذود عن محارمهم، فالكل مجبرٌ إمّا عسكرياً وقانونياً وإما أمنياً خوفاً من الاعتقال والملاحقة، وإما اجتماعياً حفاظاً على البقاء وتماشياً مع قانون الغاب الذي فرضه النظام السوري والدولي، وإما اقتصادياً سعياً للبحث عن العيش والكفاف الاقتصادي.

الأمر الذي دفع كثيرين في ظل إغراق الفاعل السياسي للحراك الشعبي السلمي بالسلاح إلى الالتحاق بالفصائل المسلحة والجيش السوري ومليشيات PYD الإرهابية أو المليشيات الإيرانية والروسية التي تبتز السوريين بالحياة مقابل الارتزاق المسلّح، لتعطيهم أجر ذلك بطاقة أمنية تتيح لهم حق الحياة والتنقل بحرّية مطلقة في مناطق النظام وتكفل لهم عدم التتبُّع الأمني.

الدكتور محمد حبش، المعارض والعضو السابق في مجلس الشعب السوري، يستنكر واقع التجنيد الإجباري بكل أشكاله ولدى كلّ الأطراف، معتبراً أنه "جريمة حرب، وعلى الأمم المتحدة والجهات المتخصصة أن تواجه الأمر وتضع حدّاً فورياً لذلك".

مضيفاً لـTRT عربي: "بقدر ما يكون حظر السلاح أمراً مهماً في الحالة السورية، فإنّ حظر الرجال وتجفيف الخزان البشري هو العنصر الأهمّ، لأنّهم مادة الحرب الأوّلية، لذا فأوّل مسؤولية تترتب على من يسعى لوقف الحرب هي وقف التجنيد الإجباري ودوافعه ووضع حدّ لهذه الإرادة الشريرة الساعية لإرغام الناس على الذهاب إلى حروب لا يؤمنون بها ولا يرضونها ولا تعنيهم في وجودهم الوطني".

الدافع السياسي

أحمد رحال، العميد الركن المعارض والخبير بالشأن العسكري السوري، يفسّر في حديثه لـTRT عربي سعي الفواعل الدولية نحو تأسيس تكتلات ومليشيات عسكرية على أنقاض الحاجة الاقتصادية والحصار السياسي والاجتماعي للشباب السوري، بأنّه واقعٌ سياسي ناتج عن إرادة وقراءة سياسية لدى الأطراف بأنّ "البند الأوّل بأي حل سياسي سيكون إخراج كلّ القوات الأجنبية من سوريا".

لذلك، حسب العميد رحال، "تسعى إيران بخاصّة وبشكل مكثّف كخطوة استباقية إلى تجنيد الشباب السوري لإنشاء مليشيات محلّية تَدين لها بالولاء المطلق آيديولوجيّاً، محاولة بذلك إعادة استنساخ تجاربها مع الحشد الشيعي في العراق والحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان".

وفي حديثه لـTRT عربي أخبر العميد رحال عن أهمّ مراكز المليشيات المحلّية لإيران المشرفة على تجنيد الشباب السوري تحت لوائها بعد "تشييعهم لضمان ولائهم الآيديولوجي إذا لم يكونوا شيعة في الأساس كما هو الأصل"، وهي "حزب الله السوري وقوات الغيث ولواء العرين في البصرة جنوباً ومليشيا نبّل والزهراء في شمال حلب ومليشيا كفريّا والفوعا التي هُجّر أهلها إلى الشام واستقرّوا في محيط السيدة زينب".

كذلك هناك "فيلق أسود عشائر سوريا ولواء الباقر في دير الزور وقاعدة اللجاة في محيط السويداء"، مشيراً أنّ كل التشكيلات المذكورة "تُقاد من مقر الشيباني على طريق دمشق-بيروت، والمقر الزجاجي مركز المخابرات الإيرانية على طريق مطار دمشق الدولي، ومقر حلب في جبل عزام، بالإضافة إلى مطار النيرب".

وفي المناطق الخاضعة لمليشيات PYD الإرهابية المدعومة أمريكياً أكّد عبد العزيز تمو رئيس رابطة المستقلين الكُرد لـTRT عربي أنّ النظام السوري لم يتوقف عن التجنيد الإجباري في المناطق الكردية، وكان دوماً يلقي القبض على طلبة المدارس والجامعات ومن لم يتجاوز 45 عاماً لاستخدامهم في القتال إلى جانب المليشيات الخارجية، بل وتجنيدهم داخل هذه المليشيات بطرق ووسائل مختلفة.

النظام السوري لم يتوقف عن التجنيد الإجباري في المناطق الكردية، وكان دوماً يلقي القبض على طلبة المدارس والجامعات ومن لم يتجاوز 45 عاماً لاستخدامهم في القتال.

عبد العزيز تمو، رئيس رابطة المستقلين الكرد

ويضيف تمّو إنّ مليشيات PYD المدعومة أمريكياً لعبت دور السمسار الحربي وراحت "تختطف القاصرين والقاصرات الكُرد من مدارسهم لسوقهم عنوةً إلى القتال في صفوف مليشياتها المسلحة، أمّا الشريحة العربية في الشهباء وأحياء حلب وتل رفعت وتل مقصود والأشرفية فتنحصر وظيفة PYD في إلقاء القبض على الشباب العرب وتسليمهم لروسيا الساعية لتأسيس مليشيات لها والنظام، السوري الذي يزوّدها بلوائح مطلوبي التجنيد العسكري على الدوام".

قيصر.. والمايسترو السياسي

إنّ إصرار الموقف الدولي على عدم التناغم مع الخطوة الأمريكية في تنفيذ قانون قيصر الهادف بدوره إلى إخضاع النظام السوري وداعميه للحلّ السياسي بواسطة الضغط عليهم وعلى مليشياتهم العسكرية اقتصادياً، قد يعود على الشريحة الاجتماعية السورية بنتائج سلبية وغير مرضية، فهذه المساعي السياسية الدولية العرجاء غير المتسقة مع تطبيق قانون العقوبات الاقتصادي "قيصر" قد تسهّل وتدفع الشريحة الاجتماعية المعدومة إلى الالتحاق بالمليشيات المسلحة نتاج العجز الاقتصادي والحصار الاجتماعي والتجهيل السياسي.

يوضح سعيد سلام رئيس المجلس الأعلى للحراك الثوري الدمشقي، لـTRT عربي، أنّ الساحة السورية الاجتماعية والسياسية اليوم لا تحكم ذاتها، بل تحولت إلى ساحة احتلال خارجي تحت أسماء متعددة، وأنّ هذه الاحتلالات على تعدُّدها تمشي تبعاً للإيقاع الأمريكي الهادف إلى السيطرة على السوريين والتحكم في وجهاتهم تحكماً مُبرَماً وتحت منطق العوز المادي والجهالة السياسية والانتماءات الطائفية والإثنية".

مَن المسؤول؟

ويضيف سلام لـTRT عربي: "إنّ ظاهرة توجه بعض السوريين لخدمة أجندات احتلالية خارج نطاق إرادة السيادة، أول من يتحمل أوزارها عصابة الحكم التي استثمرت مشروعيتها -الساقطة حكماً- في تذليل العقبات أمام المحتلين في عملية توظيف السوريين والاستثمار فيهم على أكثر من صعيد".

وقال المتحدّث ذاته: "إن الروسي والإيراني تجاوز عصابة الحكم الأسدي وأصبح يجنّد بعض السوريين ويوظفهم لخدمات تتناقض كلياً مع صيحات الحرية والكرامة التي تريد أن تحقّق انتقالاً سياسياً بعيداً عن العصابة المجرمة، مستغلين العوز الاقتصادي والاضطراب الاجتماعي وما وصل إليه الشعب السوري من إفقار وتجويع".

وعليه يوصي سلام في حديثه لـTRT عربي بأنّه "على السوريين الذين يتعاطون الشأن العامّ السياسي أن يتحلّوا بالمسؤولية ويعلنوا سوريا بلداً محتلّاً من عدة دول تتحمل المسؤولية الكاملة في طبيعة العلاقة مع السوريين على أكثر من مستوى، وأولاها عملية التجنيد الإجباري لخدمة أغراض احتلالية".

على السوريين الذين يتعاطون الشأن العامّ السياسي أن يتحلّوا بالمسؤولية ويعلنوا سوريا بلداً محتلّاً من عدة دول.

سعيد سلام، رئيس المجلس الأعلى للحراك الثوري الدمشقي

التنافس الإيراني-الروسي

من جانبه، أوضح العميد الركن أحمد رحال في حديثه مع TRT عربي في هذا السياق، أنّ" روسيا لا تريد تنفيذ مهمتها في إخراج إيران قبل قبض الثمن من أمريكا وأوروبا و"إسرائيل"، وعليه فإنّها تخدع العالم، وإنّ خطواتها في طرد المليشيات الإيرانية استعراضية وغير جدّية، لأنّه ببساطة لا يمكن لروسيا أن تصطدم مع إيران قبل الوصول في سوريا إلى حلّ مناسب لها، فهي تعلم تماماً أنّ إيران تسيطر على الأرض ومعاداتها ليست في صالحها، لذلك نشاهد أنّ روسيا بدأت تجنيد السوريين في مؤسساتها وكياناتها العسكرية أيضاً كالفيلقين5و25 وغيرها لتخلق لها مكاناً على الأرض والمجتمع السوري مستغلةً هي الأخرى حاجته الاقتصادية".

إلّا أنّ سعيد سلام أنكر وجود تنافس أصلاً بين الطرفين، وقال: "بعد هزيمة الإيراني أمام الحراك السوري تم دولياً وبمباركة أمريكا استدعاء الروسي لإنقاذ العصابة الأسدية والإيراني على حد سواء، لذا فإن الإيراني لم يعُد في سياق التنافس مع الروسي داخل سوريا بل لخدمته وتحقيق أجنداته، فهو لم يعد مستقل القرار إلا في حدود دنيا تأتي في سياق التشويش ليس أكثر، وبالطبع هذا لا يعفي الإيراني مما يفعله حتى الآن داخل سوريا".

إنّ التجنيد الإجباري للشريحة الاجتماعية في سوريا لم يعُد ينحصر في إطار الجيش السوري، بل أصبح النظام السوري أشبه بـ"السمسار الحربي" الذي يدفع الشباب السوري عنوة وبطرائق وأساليب مختلفة للخضوع لمليشيات قوى الاحتلال المتعددة المسيطرة على كل المفاصل السياسية والاجتماعية في الواقع السوري.

المصدر: TRT عربي