رغم محدودية المواجهات الأخيرة على الحدود وتضارب الروايات حولها، إلا أن حالة الاحتشاد العسكري وتعزيز القوات على الجانبين تواصلت على مدى الأيام التالية له، الأمر الذي يدفع للتساؤل حول مصير التوتر الحالي، وما إذا كان قد انتهى، وهل سنشهد تصعيداً جديداً؟

انفجار بيروت
انفجار بيروت (Reuters)

لم تكن خسارة حزب الله اللبناني أحد أعضائه في قصف جوي إسرائيلي على محيط مطار دمشق الدولي الأولى خلال السنوات الماضية، لكن خسارته المحدودة في هذا القصف الأخير ترتبت عليها اشتباكات وتوتر أمني على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية كادت تنزلق إلى حرب بين الطرفين. وجاء تفجير بيروت الضخم ليضع إشارات استفهام حول هشاشة الوضع الأمني وعلاقته بالمواجهات الأخيرة.

منذ عام 2013، تمكنت إسرائيل من فرض قواعد اشتباك جديدة تسمح لها بأن تتحرك بصورة مكثفة في سوريا، وتستهدف عناصر موالية لإيران من جنسيات مختلفة من دون تلقِّي ردود داخل أراضيها أو أجوائها، وهو حال لم يكن ليعجب حزب الله الذي طالما حاول إعادة قواعد اللعبة إلى سابق عهدها من دون جدوى.

أعلنت إسرائيل في 27 يوليو/تموز الماضي، أنها أحبطت عملية تسلل لمقاتلين من حزب الله وأطلقت النار عليهم بعدما عبروا "الخط الأزرق" الذي يفصل بين لبنان وإسرائيل، قبل أن يعودوا إلى الجانب اللبناني، وترافقت العملية مع قصف إسرائيلي بالمدفعية على تلال كفر شوبا اللبنانية.

وبعد ورود معلومات مستقاة من مصادر مقربة من الحزب بداية تفيد بتنفيذ الأخير عملية انتقامية على الحدود، نفى حزب الله أي تحرُّك له في المنطقة. وكان نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في مقابلة مع قناة الميادين الشهر الماضي، إنّ "معادلة الردع قائمة مع إسرائيل، ولسنا بوارد تعديل هذه المعادلة، ولا تغيير في قواعد الاشتباك".

وأعلنت الأمم المتحدة في اليوم التالي عودة الهدوء "إلى منطقة عمليات القوة الأممية المؤقتة (يونيفيل) في لبنان"، مشيرة إلى أن القوة الأممية "بدأت تحقيقاً لتحديد وقائع ملابسات الحادث الذي وقع في منطقة عملياتها مؤخراً".

وفي إشارة إلى استمرار التوتر على الرغم من التصريحات الأممية، قالت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية مساء اليوم نفسه، إن تل أبيب تخشى "هجوماً" من قبل حزب الله اللبناني خلال الـ48 ساعة المقبلة.

اقرأ أيضاً:

انفجار بيروت.. الأسباب والتداعيات

وقالت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، إن الجيش الإسرائيلي أطلق رصاصات باتجاه الأراضي اللبنانية، على إثر اشتباه بتحرك قرب السياج الحدودي. وفي 31 يوليو/تموز، قالت صحيفة إسرائيل إن "وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس أوعز إلى الجيش بقصف البنية التحتية اللبنانية، إذا أضر حزب الله بالجنود أو المدنيين الإسرائيليين"، في أخطر تهديد تطلقه تل أبيب في خضم هذه المواجهة.

وعلى الرغم من محدودية المواجهات الأخيرة على الحدود وتضارب الروايات حولها فإن حالة الاحتشاد العسكري وتعزيز القوات على الجانبين تواصلت على مدى الأيام التالية له، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل حول مصير التوتر الحالي، وما إذا كان قد انتهى، وهل سنشهد تصعيداً جديداً؟

لكل طرف حساباته

الصحفي اللبناني ومدير إذاعة الفجر وائل نجم يقول لـTRT عربي، إن "الحديث هنا في بيروت يجري عن محاولة إسرائيلية لتغيير قواعد الاشتباك لصالحها، في حين يحاول حزب الله أن يحافظ على توازن الردع مع الاحتلال".

وأوضح "نجم" أن لكل طرف حساباته الخاصة، فالاحتلال الإسرائيلي يريد تغيير قواعد الاشتباك حتى تكون له حرية تامة في التحرك داخل سوريا وضرب الأهداف التي يريد.

في المقابل، حسب الصحفي اللبناني، لا تريد إيران ومعها حزب الله تغيير هذه القواعد القائمة على الردع المتبادل حالياً، وبالتالي فإن كلاً من الطرفين يريد أن يدخل مع الطرف الآخر باشتباك محدود يؤمِّن لكل منهما ما يريد.

وحول السيناريو المتوقع للتصعيد بين الطرفين، واحتمال انزلاق الأمور إلى معركة، رجح "نجم" ذهاب حزب الله إلى "مواجهة محدودة"، في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية القصوى التي تمارسها الإدارة الأمريكية على الحزب داخلياً وخارجياً.

وأوضح قائلاً: "توجد ضغوط وحصار وعقوبات اقتصادية على حزب الله من قبل الإدارة الأمريكية، وهي تمس أغلب الشعب اللبناني، وقد أعلن الحزب في وقت سابق أنه لن يقبل تجويع اللبنانيين، ويملك آليات لن يكشف عنها حالياً لإسقاط المخططات الأمريكية، وقد أشار بعد ذلك إلى امتلاك إحداثيات دقيقة لأبرز المواقع الإسرائيلية داخل فلسطين المحتلة".

وأضاف: "ربما كان ذلك يحمل رسالة قوية مفادها أنه يمكن أن يذهب إلى مواجهة محدودة ودقيقة لإسقاط المشاريع الأمريكية".

"لا حرب شاملة"

أما المحلل السياسي اللبناني مفيد مصطفى، فيوافق على تمسك حزب الله بقواعد الاشتباك القديمة، نظراً إلى انغماسه في الحرب إلى جانب قوات النظام السوري، وعجزه عن فتح جبهة أخرى. لكنه لفت إلى أن الحزب ليس بصدد الرد كما توعَّد في ظل الظروف التي يمر بها هو وداعموه في طهران.

ويرى مصطفى في حديث مع TRT عربي، أن "التوترات بين حزب الله وإسرائيل لن تتوقف، إلا أنه منذ حرب 2006 وتورط حزب الله بالحرب في سوريا إلى جانب النظام، أصبح كل هم الحزب هو حفظ ماء الوجه أمام جمهوره ومناصريه، وبالتالي أصبحت معادلته تقوم على ضربات خفيفة لا تستوجب رداً كبيراً من إسرائيل".

ويضيف أنه "على الرغم من اغتيال تل أبيب قيادات كبيرة للحزب أمثال عماد مغنية وسمير القنطار، وتوعد الأمين العام للحزب حسن نصرالله بالانتقام، فإن الردود كانت هزيلة جداً، حتى إن كلا الطرفين بات يدرك هذه المعادلة وإسرائيل باتت تتهيأ لها جيداً".

وخلص إلى أن حزب الله "قد لا يوفي بوعده للرد على مقتل أحد عناصره في سوريا، فقد سبق أن قتل له قيادات كبيرة ولم يكن الرد بالمستوى المطلوب".

وحول السيناريو الأكثر ترجيحاً للتوتر القائم، عبَّر المحلل السياسي اللبناني عن اعتقاده أن "كلا الطرفين في الوقت الحالي لا يريد التصعيد. فالحزب لا يريد حرباً بسبب تورطه بسوريا وعدم قدرته على فتح جبهتين، وبسبب النقمة العربية والمحلية عليه، ولأن إيران بوضع اقتصادي صعب في ظل العقوبات، وإسرائيل من جانبها لا تريد حرباً شاملة مع الحزب ما دامت قادرة على ضربه في سوريا واستهداف إمدادات أسلحته وإضعافه".

تفجير بيروت

وبعد اندلاع تفجير هائل في بيروت، نجَم حسب الرواية الرسمية عن انفجار مادة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار التي كانت مخزنة في ميناء العاصمة، وسط اتهامات من بعض الجهات لحزب الله بأن يكون الجهة المسؤولة عن تخزين هذه المادة، يطرح مراقبون تساؤلاً حول تأثير هذا التفجير على معادلة الصراع بين إسرائيل وحزب الله.

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية طارق شندب يرى أن تفجير بيروت قد يكون أحد تداعيات المحكمة الخاصة بلبنان التي كان موعد صدور حكمها في 7 أغسطس/آب الجاري، والتي تحاكم خمسة متهمين من عناصر حزب الله.

وتوقع شندب في حديث مع TRT عربي، أن التفجير قد يكون ناجماً عن "استهداف صاروخي لشحنة سلاح لحزب الله أدت إلى حصول ما حصل". وأضاف أن "إسرئيل لن تعترف بالضربة لأنها قتلت ألف لبناني، وحزب الله لن يقول إنه ضُرب لأنه تسبب بمقتل ألف لبناني".

وخلص الأكاديمي اللبناني إلى القول: "أعتقد بعد انفجار بيروت ستسود حالة هدوء بين حزب الله وإسرئيل، نظراً إلى المواقف الدولية المستنكرة للانفجار".

المصدر: TRT عربي