صُدم الكثير من المتابعين وهم يشاهدون الصحفية والمقدمة إيميلي ميتليس في برنامجها “نيوزنايت”على قناة “بي بي سي” وهي تسعى جاهدة لافتكاك ولو شبه إدانة لما أسمته بـ"هجمات حماس بالصواريخ" على لسان ضيفها، حسام زملط السفير الفلسطيني في المملكة المتحدة.

بحثت ايميلي عبثاً بكل أساليب المراوغة والضغط، ضاربة عرض الحائط الحقيقة الصماء التي تنقل مباشرة عبر كل شاشات العالم، والتي تعري ما يقترفه المحتل الإسرائيلي في حق العائلات والأطفال ابتداء من القدس والأراضي المحتلة وصولاً إلى غزة... وبآذان صماء، لم تهتم بردود ضيفها الذي واجهها بحقيقة "ازدواجية المعايير" التي تنتهجها هذه الإعلامية والقناة التي تشغلها.

فايميلي ميتليس ليست استثناء، بل هي وجه من الوجوه التي تملأ وسائل الإعلام الغربية والتي تؤدي دورها المعتاد في تلميع صور المحتل الإسرائيلي.

وليست هذه المرة الأولى التي تتحيز فيها «هيئة الإذاعة البريطانية»، وهي واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية العمومية في العالم، إلي جانب الجلاد وتعتدي على الضحية، من خلال إنكار حقها في التعامل بمعايير أخلاقيات المهنة الصحفية وتحرم الفلسطينيين من أهم حقوقهم الإنسانية. وتتجاهل أن مقاومة الاحتلال هي حق بموجب القانون الدولي، وأن الاحتلال الإسرائيلي والحصار والعقاب الجماعي لغزة يتعارض مع هذه القوانين.

لم تختلف تغطية جريدة "لوموند" الفرنسية عن نفس قاعدة زميلتها البريطانية عندما تصف العدوان الإسرائيلي وما يحدث من جرائم حرب أنها "مواجهات"، فتساوي بين الجيش النظامي الذي يقصف البيوت بالأسلحة الفتاكة والمحرمة وصواريخ صواريخ المقاومة. على الرغم من التفاوت الهائل في الخسائر البشرية والدمار في غزة، ومناشدة معظم منظمات حقوق الإنسان لحماية المدنيين في غزة.

تبحث وسائل الإعلامية الغربية عن إبراز ألم الطرفين وكأنه متساو، وتقدم المحتل في ثوب الضحية الذي يضطر إلى «الرد» أو «الدفاع» عن نفسه. من خلال تسليط الأضواء على معاناة الأطفال والأمهات في الملاجئ الإسرائيلية، خوفاً من الصواريخ.

صحيفة نيويورك تايمز مثلاً فاقت في انحيازها إلى الكيان الصهيوني الصحافة الإسرائيلية. تُعنون في أحد مقالاتها حول ما حدث في باحات المسجد الأقصى بكونه نزاعاً قانونياً على الأرض بين المحكمة العليا لإسرائيل وسكان حي الشيخ جراح. وتتجاوز السردية الحقيقية والتهجير القسري وتقدم سردية مزورة. ثم تتحول إلى منصة إعلامية تتحدث بصوت الحربية الإسرائيلية عندما تجرد المواد الإعلامية من سياق الأحداث وتتناسى أسباب اندلاع الحرب على غزة وجريمة الانتزاع القسري للبيوت، بحيث يتكافأ الطرفان في الألم أولاً ثم في القوة والمطالبة. بل يتحول الجلاد إلى ضحية.

يؤدي الإعلام الدولي دوراً أساسياً في صياغة الرأي والخطاب العام الغربي تجاه ما يحدث في القدس وفي غزة وكامل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأصبح التعامل نمطياً أشبه بخط تحريري موحد يغطي كامل موضوعات حق الشعب الفلسطيني والحرب غير المتكافئة بين المقاومة والكيان الصهيوني.

أحياناً تفرض الصورة والواقع مشاهد إنسانية مؤلمة من الجانب الفلسطيني، تجد الإعلام الغربي يصنفها ضمن الأخبار الثانوية "كأحداث باحات الأقصى وحي الشيخ جراح"، وفي أغلب الأحيان لا تجري تغطيتها أصلاً.

وأما المشاهد الفظيعة وأشلاء القتلى التي تكشف بشاعة آلة الدمار الصهيوني تقدم كمعلومات "جافة"، وتعرض على أساس نتيجة للقصف المزدوج بين طرفي نزاع وحصيلة "مواجهة" كما تقول جريدة "لوموند" في ما تسميه "التدخّل الإسرائيلي".

يحاول الإعلام الدولي التحكم في مشاعر التعاطف التي يمكن أن تؤثر في المواطن الغربي في أوروبا وأمريكا لكي تبقى تحت السيطرة ولا تتعدى إلى البحث عن حقيقة ما يجري. ويبقى الرأي العام الغالب هو الذي يدافع عن إسرائيل "الضحية".

من الجانب الآخر يجري تسليط الضوء، بإخراج درامي على ضحايا الكيان الصهيوني. حيث يلعب الإعلام دوره من خلال تمرير مشاعر التعاطف مع من يصوره من ضحايا أبرياء ومدنيين عزل.

يلعب الإعلام دوراً أساسياً في صياغة الرأي العام الدولي والغربي خصوصاً تجاه ما يحدث على الميدان. وتجد الإدارة الأمريكية والفرنسية، مثل البريطانية، صدى لمواقفها في كبرى الصحف وأغلب التغطيات الإعلامية في القنوات التلفزيونية.

إن هذه التغطية نادراً ما تخالف السياسة العامة لبلدانها، بل تتجاهل المواد التي تشكّك في السياسة الحكومية الرسمية. عليكم إلقاء نظرة على تدوينة الرئيس الفرنسي إيمانويل مكرون، الأولى في غرة مايو/أيار حين عبر بكل وضوح عن مساندته "للشعب الإسرئيلي"، وتدوينة أخرى نُشرت منذ ساعات يدعو فيها الطرفين إلى وقف إطلاق النار في الفترة ذاتها يتحدث الإعلام الفرنسي عن وقوع أكثر من ألف قذيفة أطلقت من غزة تجاه "إسرائيل"، ثم يعود قبل يوم من الآن "لم تلتئم جروح الشرق الأوسط بعد"...

بالتزامن مع ذلك لعب الإعلام البديل في منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً لقلب المعادلة. تحول المدون الحر إلى "مراسل صحفي" ميداني لا يخضع لضغوط خط التحرير بل إلى ضميره الإنساني. حررت هذه الوسائل البديلة الصورة والتعليق من الاحتكار، وكشفت الفجوة بين الإعلام المنافق وحقيقة الأحداث. وكسرت موجات المساندة الإلكترونية احتكار المؤسسات الكبرى لصورة الحرب وخبرها ووصلت إلى حد إرباكها من خلال حملات الترول والتريند مثل هاشتاغ #gazaunderattack

وأجبرتها في بعض الأحيان على تناول الخبر بمنظار أقل تحيزاً.

TRT عربي
الأكثر تداولاً