الفلسطينيون للمجتمِعين في ورشة المنامة: السلام ليس بالمال بل بالعدل.

غزة ـــ في زحمة الحديثِ والضجيج عن ورشة المنامة الاقتصادية، وتحت ستار الوعود والمغريات المادية والمالية، يخرج الفلسطينيون ليؤكدوا من جديد، ومرارًا، تمسكهم الراسخ بأرضهم، وثباتهم في ديارهم، فعلى الرغم من كل مآسيهم لم تنلْ مثل تلك المحاولات من عزيمتهم، ولم تهنْ ضمائرهم لها، فلم يطمعوا بثروات طائلة عُرضت عليهم، ولا بمِنَح وتزكيات وهِباتٍ لطالما أغرقت مسامعهم.

لقد اعتاد فلسطينيو المناطق المحتلة في الضفة الغربية، على وجه الخصوص، ومنذ عقودٍ مضت، نفس تلك الوعود التي يحاول (أصحاب اليد العليا) في العالم تمريرها من خلال أولى خطوات صفقة القرن متمثلة بورشة المنامة الاقتصادية، فلطالما حاول الإسرائيليون، والمستوطنون، وبعض أياديهم المتغلغلة والمتنفذة إغراء الفلسطينيين لترك أراضيهم، أو بيعها، مقابل ملايين من الدولارات، أو جمٍّ من الهدايا والعطايا و(فرص العمر).

الأرض.. الميراث الخالد

لكن الغالبية العظمى من هذه المآرب كان مصيرها -الحتمي- الفشل الذريع، ولا يزال الفلسطينيّ يتمسك بأرضه، ميراثه الخالد الذي يتوارثه الأبناء عن أجدادهم كما يرثون اسم آبائهم، وكل ما يملكونه.

وحينما كان المستوطنون يفشلون في تمرير مخططاتهم، تبدأ رحلة من الممارسات والجنح والجرائم اللا إنسانية، وغير القانونية في حق كل من يرفض الخنوع لهم.

هَنا جميل راتب أبو هيكل... سيدةٌ فلسطينية من سكان تل رميدة في مدينة الخليل بالضفة الغربية المُحتلة والمحاصرة بعشرات المستوطنات، تعيش السيدة في بيت يشبه -إلى حدّ كبير- من يعيش في حقل ألغام، كُتب عليها وعلى أسرتها العيش مُتأهبين لأي اعتداء من المستوطنين، والعيش كسنديان صامد ومقاومة محاولات الاقتلاع والغزو.

تعيش هَنا حيث حياة حُبلى بالمعاناة، سببها بطش المستوطنين الذين دأبوا على السعي لقهر كل ما هو فلسطيني وترويع أمنه
تعيش هَنا حيث حياة حُبلى بالمعاناة، سببها بطش المستوطنين الذين دأبوا على السعي لقهر كل ما هو فلسطيني وترويع أمنه (TRT Arabi)

عقب احتلال إسرائيل بعض المناطق في مدينة الخليل بقي بعض العائلات الفلسطينية في بيوتها ورفضت إخلاءها وأصرت على البقاء فيها، ومع الوقت باتت بيوت هذه العائلات تحيط بها المستوطنات الإسرائيلية التي أقيمت بعد اتفاق أوسلو عام 1992، وحاول المستوطنون إخلاء هذه العائلات بكل الطرق، بدءًا من الترغيب بالمال والهجرة وصولًا إلى الترهيب بالقمع والاعتداءات اليومية، هذه العائلات أرادت أن توصّل رسالتها إلى المجتمِعين في المنامة، أن السلام لا يكون بالمال بل بالعدل.

تفتتح هَنا كلامها وعيناها تقدحان الشرر غضبًا وحزنًا، حول الممارسات اليومية، والمحاولات الدائمة، منذ سنين، لتهجيرهم من ديارهم، من خلال ترهيب المستعربين والمستوطنين لهم، تقول "ما نتعرض له هو سكين تلمة، وإذا مش عاجبكم ارحلوا، وإن الحجر والبشر والشجر يشكون من العربدة التي يقوم بها المستوطنون، والتي ازدادت في الآونة الأخيرة، بعد أن انسحب المراقبون الأمميون من مدينة الخليل في البلدية القديمة".

تعيش هَنا حيث حياة حُبلى بالمعاناة، سببها بطش المستوطنين الذين دأبوا على السعى لقهر كل ما هو فلسطيني وترويع أمنه، وبلغت معاناتهم حد منع المستوطنين سيارات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني والحيلولة دون نقلها إلى المشفى، عقب وعكة صحية ألمّت بها وهي داخل بيتها، كأنما أراد المستوطنون قتلها عبر حجب العلاج عنها.

لكن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى هَنا ليست متعلقة بالمستوطنين وبطشهم الدائم لهم، فهي تملك الجرأة والقوة لتتفوق على هؤلاء القطعان، ووضع حد لهم، لكن المشكلة الأساسية تكمن في الجيش الإسرائيلي الذي يوفّر الحماية والسلاح للمستوطنين، والانحياز الكامل لهم، كما يساهم في تمرير مخططاتهم لتهجير الفلسطينيين، فقبل أسابيع اعتقل الجيش الإسرائيلي ابن أخيها لأنه وقف في وجه المستوطنين الذين رجموا بيوتهم بالحجارة.

المشكلة الأساسية بالنسبة لهَنا تكمن في الجيش الإسرائيلي الذي يوفّر الحماية والسلاح للمستوطنين، والانحياز الكامل لهم
المشكلة الأساسية بالنسبة لهَنا تكمن في الجيش الإسرائيلي الذي يوفّر الحماية والسلاح للمستوطنين، والانحياز الكامل لهم (TRT Arabi)

بالنسبة إليها، الحكومة الإسرائيلية شريكة في جرائم المستوطنين، التي وصلت إلى درجة أن محققًا في الشرطة الإسرائيلية طلب منها الرحيل بعد أن قدمت شكوى في الشرطة الإسرائيلية ضد المستوطنين، وممارساتهم الشنيعة بحقها.

هذا الإجرام والقمع المستمر لهم سبقه عرض خيالي بملايين الدولارات لوالدها مطلع عام 1990، رفضه، وتكرر هذا العرض عليها بشكل مباشر عقب وفاة والدها في عام 1996، تقول "دفعوا 20 مليون دولار لي في عام 1996 عبر إيرفن مسكوفيتش، ولكننا رفضنا ذلك، فاعتقلوا أبناءنا وتعرضنا للإذلال كي نرحل".

ثمن المقاومة غالٍ

أُجبرت هَنا على ترك عملها لحماية البيت من المستوطنين الذين يستميتون في استغلال الفرص لاقتحام البيت والاستيلاء عليه، فهم لن ينسوا تجربة جيرانهم عائلة البكري، إذ استولى عليه المستوطنون مستغلّين فترة غيابهم، ورفعت العائلة -البكري- عليهم قضية في محكمة العدل العليا الإسرائيلية، وأخذوا قرارًا بضرور إخلاء البيت لصالح العائلة، لكنهم رفضوا القرار، وهم يجلسون فيه، الآن، بحماية من الجيش.

بالنسبة إلى هذه العائلة، قرارهم هو الصمود والتمترس خلف جدران البيت وحمايته ولو كلفهم الأمر أرواحهم، تروي الحاجة هنا عهداً قطعته لأبيها للحفاظ على البيت، تقول "نحن نسير على درب أبي الذي توُفي نتيجة جلطة دماغية عقب اعتداء المستوطنين على البيت، وعلى الرغم من ذلك رفض أبي العلاج في المشفى والخروج من البيت، وأصر على البقاء فيه ولو مات، وبعد وفاته لم يسمحوا بإدخال سيارة الإسعاف لنقل جثته إلى الجنازة، ونحن عاهدنا الله قبل وفاته أننا لن نبرح الأرض".

ترى هذه العائلة وغيرها أن صفقة القرن وورشة المنامة، لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، وأن القرارات التي ستُتخذ فيها وفي مثلها لن تغير شيئًا على أرض الواقع بالنسبة إليهم، وتستمد هذه العائلات موقفها هذا من الموقف الجماعي الفلسطيني، وعلى رأسه موقف الحكومة الفلسطينية.

عبد الكريم الجعبري أحد سكان وادي الحصين في مدينة
عبد الكريم الجعبري أحد سكان وادي الحصين في مدينة "الخليل" يعيش حياة الحصار، والسجن الإلزامي (TRT Arabi)

وختمت هَنا حديثها بالقول "مهما سعت الدول العربية وأمريكا لمساعدة الإسرائيليين في ترحيلنا عن أرضنا، فلن أفرط في بيتي ولا أرضي، لا يمكن التفريط بالأرض لأنها كالعرض".

إذلال ومضايقات يومية

أما عبد الكريم الجعبري أحد سكان وادي الحصين في المدينة ذاتها "الخليل" فيعيش حياة الحصار، والسجن الإلزامي، بعد أن باتت المنطقة والسكان ينزوون بين مستوطنتين للاحتلال، بدأت معاناتهم عام 1998، ومنذ ذلك الحين يتعرض هو وأسرته للإذلال والمضايقات اليومية، ووصلت في كثير من الأوقات درجة التعرض للنساء إلى الاعتداء عليهن بالحجارة.

ما يتعرض له جميل في تل رميدة من محاولة لاستمالته عبر الوعود الرنانة، والمغريات المادية، التي بلغت حد الخيال مقابل إخلاء بيته، واجهه غيره، فقد عرض عليه المستوطن "بـروف بن حاس" مبالغ مالية ضخمة، ومغريات لمساعدته على الحصول على أي جنسية يرغب في الحصول عليها.

وما كان منه إلا أن رد عليهم بالقول "إحنا لن نخرج من بيوتنا إلا على جثثنا، لأننا لن نتخلى عن بيوتنا، وعلى الرغم من أنني مريض بالقلب وأجريت عملية قلب مفتوح، فلن أقف عاجزًا عن التصدي لكم".

عقود من الزمن لم تفتّ في عضد هذه العائلات، ولا حتى المغريات ولا الأموال. إن قرار الثبات على هذه الأرض والتمسك بها ليس نزهة، لكن بالتأكيد سيكون أهون بالنسبة إليهم من العيش في جنان بلا تاريخ وبلا ذاكرة، ولأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة كما قال درويش.

المصدر: TRT عربي