سعت إسرائيل جاهدة لإفشال البرنامج النووي الباكستاني. (Akhtar Soomro/Reuters)
تابعنا

"إذا بنت الهند القنبلة فإننا سنقتات الأعشاب والأوراق، بل ونعاني حتى آلام الجوع، ولكننا سنحصل على قنبلة من صنع أيدينا، ليس لدينا بديل" هكذا نطق الرئيس الباكستاني السابق، ذو الفقار علي بوتو، سنة 1965 معلناً إطلاق بلاده برنامجها النووي الذي سيتكلل بالنجاح، وستكون أول دولة إسلامية تحوز القنبلة الذرية في 28 مايو/ أيار 1998.

وبين التاريخين عاشت إسلام آباد ضغطاً غربياً منقطع النظير، لعبت فيه إسرائيل الدور الأكبر معلنة الحرب الدبلوماسية والاستخباراتية للحيلولة دون تقدم باكستان في برنامجها. هذا ما تكشف تقارير دولية أخيرة، إذ تفضح تورط الموساد في تنفيذ تفجيرات استهدفت شركات كانت توفر لباكستان موارد لإنجاز مخططها النووي.

الموساد تفجر شركات سويسرية وألمانية؟

في تقرير نشرته مؤخراً صحيفة صحفية "نويه تسورشر تسايتونغ" السويسرية، لوَّحت باحتمال ضلوع الموساد الإسرائيلي في تفجير ثلاث شركات ألمانية وسويسرية، كانت تدعم عملية تطوير باكستان برنامجها النووي. فتعرَّض كل من منزل مسؤول مهم في شركة " Cora Engineering Chur" السويسرية، ومصنع شركة "Wälischmiller" والمكتب الهندسي لشركة Heinz Mebus الألمانيين، لتفجيرات متفرقة أواسط سنة 1981.

وقالت الصحيفة: "احتمال أن تصبح باكستان أول دولة إسلامية تمتلك قنبلة ذرية، كان يشكل تهديداً وجودياً لدولة إسرائيل". فيما خيط الرابط بين التفجيرات الثلاثة أنها استهدفت مؤسسات وشخصيات كانت على علاقة بالراحل عبد القادر خان، أبي البرنامج النووي الباكستاني.

ودأب عبد القادر خان خلال ثمانينيات القرن الماضي على القيام بجولات أوروبية من أجل تأمين التكنولوجيا والمخططات لتطوير برنامج بلاده النووي، وتعامل مع الشركات المستهدفة بالتفجير. حيث تذكر الصحيفة السويسرية أن خان كان "التقى بالمهندسيْن الألمانيّيْن، جوتهارد ليرش وهاينز ميبوس، رفقة الوفد الإيراني في سويسرا، وعقدت اجتماعات أخرى بين الفرقاء الثلاثة في دبي".

وتعزز "نويه تسورشر تسايتونغ" اتهامها للموساد بالضلوع في تفجير الشركات الثلاثة، بأنها كانت موضوع مساعٍ حثيثة للحكومة الأمريكية، حليفة إسرائيل، بدفع نظيرتها السويسرية للتدخل وثني تلك الشركات عن التعامل مع باكستان. وبعد شهر من تأكد فشل تلك الجهود عرفت تلك الشركات انفجارات استهدفت مقراتها ومسؤوليها.

معالم رعب إسرائيلي!

أن تحصل باكستان على قنبلة نووية، كأول دولة إسلامية من "العالم الثالث" تحقق ذلك الإنجاز بخبرات محلية وقدرات ذاتية، كان ذلك بكل بساطة "كابوس إسرائيل". هذا ما عبر عنه حكامها منذ وقت مبكر للبرنامج الباكستاني، فكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، سنة 1979، لنظيرته البريطانية مارغريت تاتشر، معبراً عن مخاوفه من "الخطر الوجودي الذي يمكن أن تمثله حيازة باكستان قنبلة ذرية".

ولم يكن فقط خوفاً من استخدام باكستان سلاحها ضد إسرائيل هو ما يقلق حكامها، فبالأساس كان الهدف الأول لبرنامج إسلام آباد النووي هو تحقيق التوازن الاستراتيجي مع جارتها الشرقية وعدوتها الأكبر، الهند. بل ما كان يرعبهم هو وصول السلاح النووي لأيدي دول أخرى معادية لإسرائيل، أو نجاح تلك الدول في تصنيع قنابلها الخاصة بمساعدة الخبرات الباكستانية.

على رأس مصادر التهديد الإسرائيلي تلك كانت ليبيا معمر القذافي، الذي كان على علاقة وطيدة بالرئيس الباكستاني وقتها، الجنرال ضياء الحق. هكذا نجد بيغن يشكو في رسالته لتاتشر: "ما يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط ، وخاصة للرجال والنساء والأطفال في إسرائيل إذا سقطت أسلحة القتل الجماعي والدمار الفتاكة في أي وقت في أيدي حاكم مطلق مثل العقيد القذافي".

فيما كانت إسرائيل، ومنذ ذلك الوقت، تتخوف من حيازة إيران لسلاح نووي خصوصاً بعد لقاء عبد القادر خان بوفد من منظمة الطاقة الذرية الإيرانية عام 1987 في زيوريخ السويسرية. كما بعد الإشارة التي بعثها وزير الخارجية الإيراني، كمال خرازي، من إسلام أباد في أعقاب اختباراتها النووية سنو 1998، فأشاد بنجاح باكستان في إيجاد "توازن في المنطقة" لمواجهة إسرائيل، وقال: إن "جميع المسلمين يشعرون الآن بمزيد من الأمان".

هجوم عسكري يوم التكبير

استمرت المخاوف الإسرائيلية إلى أن أجرت باكستان أولى تجاربها النووية في 28 مايو/ أيار 1998، فيما بات يخلد بعدها من قبل الشعب الباكستاني باسم "يوم التكبير". وبين ذلك سعت إسرائيل في أكثر من مرة إلى تهديد إسلام آباد بهجوم عسكري أو ضربات جوية تستهدف منشآتها النووية.

وفي يوم التجربة احتجت باكستان لدى الأمم المتحدة من تهديد إسرائيل بتنفيذ ضربة جوية ضدها، من أجل نسف مخططها النووي. ما دفع الأمم المتحدة وواشنطن للتحرك من أجل طمأنة الجانب الباكستاني بعدم وجود سيناريو لهجومات تستهدفها. ذلك لم يمنع من رصد طائرتين من طراز F-16، قالت إسلام آباد أنهما تنتميان لسلاح الجو الإسرائيلي، تحلقان في الأجواء الباكستانية عشية التجربة النووية.

بالمقابل سعت تل أبيب منذ بداية الثمانينات إلى توطيد علاقاتها الدفاعية مع الهند. وأوردت تقارير دولية أنها عملت في أكثر من محاولة إلى شد انتباه الهند لتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة لتحييد القدرات النووية الصاعدة لباكستان. إضافة إلى هوسها بتجميع معلومات وصور أقمار صناعية من جاسوس لها بواشنطن، ترصد تطور البرنامج النووي الباكستاني إعداداً لنيتها شن هجوم عليه.

TRT عربي