لم تكن الزيارة السرية التي أجراها رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية عباس كامل إلى دمشق ولقاؤه رئيس مكتب الأمن الوطني للنظام السوري علي مملوك، حدثاً عابراً في قطار التطبيع بين نظام الأسد والمحور الثلاثي المناهض للربيع العربي الإمارات والسعودية ومصر.

الزيارة التي أجراها رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية عباس كامل إلى دمشق، مطلع الشهر الحالي، ولقاؤه برئيس مكتب الأمن الوطني للنظام السوري علي مملوك، كانت بمثابة رسالة سياسية وأمنية إلى تركيا بالأساس. فما مضمون هذه الرسالة؟ وكيف سيكون الجواب التركي عليها؟

الزيارة التي جرت في 2 مارس/آذار، في ذروة الاشتباكات بين قوات الأسد والمليشيات الموالية له وبين القوات التركية في إدلب، ظلت سرية حتى قرر النظام السوري الاثنين الماضي، الكشف عنها، أي بعد أيام من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في الشمال السوري، وذلك عبر صحيفة الوطن المقربة منه التي قالت إن المسؤول المصري التقى عدداً من المسؤولين السوريين أيضاً، وبحث معهم "تطورات الحرب على الإرهاب في سوريا ومستجدات الأوضاع في المنطقة".

هذا التحرك المصري نحو النظام السوري ليس الأول من نوعه، فقد كشفت القاهرة في أواخر عام 2018، عن لقاء غير معلن جمع أيضاً عباس كامل، وعلي المملوك الذي وفد إلى العاصمة المصرية بدعوة من الأخيرة.

لكن تتبُّع سياق زيارة المسؤول المصري لدمشق يكشف عما هو أكبر من مجرد جهد مصري للتطبيع مع الأسد. فالزيارة تزامنت مع الانخراط العسكري التركي الكبير في معارك إدلب ضد قوات النظام وفي إطار عملية "درع الربيع" بعد هجماتها التي استهدفت الجنود الأتراك في المنطقة، وهي العملية العسكرية التي أزعجت المحور الثلاثي واستنفرت إعلامه للدفاع عن الأسد بدلاً من الدفاع عن ضحاياه ومن يسعى لحمايتهم.

وبالتزامن مع الزيارة أيضاً قام النظام السوري بإعادة افتتاح السفارة الليبية بدمشق وتسليمها لحكومة موالية للضابط المتقاعد خليفة حفتر، الذي تدعمه أنظمة المحور الثلاثي، وتقدم له المال والسلاح في تمرده على حكومة الوفاق الشرعية المعترف بها دولياً.

كما جاءت الزيارة تتويجاً لجولة أجراها المسؤول الأمني المصري إلى عدد من الدول العربية في شمال أفريقيا، قالت تقارير إنها هدفت إلى إنشاء تحالف أمني استخباراتي بين هذه الدول ودول المحور المعادي للثورات لتطويق النفوذ والدور التركي في المنطقة.

تركيا الهدف

تندرج التحركات الأخيرة إذن ضمن مساعي المحور الثلاثي المعادي للربيع العربي لاستخدام النظام السوري في تقويض الدور التركي داخل سوريا. الباحث السياسي في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي، يعتقد أن زيارة عباس كامل تأتي لاستكمال خطوات التنسيق المشترك بين النظام السوري ومصر ضد تدخل تركيا في شمال البلاد، التي كان قد بدأها الطرفان في فبراير/شباط 2020.

ويرى عاصي في حديث مع TRT عربي، أن المحور الثلاثي "في دعمه للنظام السوري يسعى للتقرب من روسيا باعتبارها قوة مقبلة في المياه الدافئة والمنطقة، إضافة إلى رغبته في مواجهة تركيا عبر أي قوة معارضة لها في سوريا".

ويستدعي دعم الدول العربية الثلاثة للنظام مع كونها جزءاً من "المجموعة المصغرة لدعم سوريا" الهادفة إلى تقويض النظام السوري، مفارقة كبرى تطرح تساؤلات حول موقفها الحقيقي من النظام. ويوضح الباحث في مركز جسور للدراسات هذا الموقف بالقول: "تلك الدول تتحين الفرصة لفرض أمر واقع جديد يسهّل عليها إعادة التطبيع مع النظام والتخلص من الضغوط والعقوبات الغربية التي تحول دون ذلك".

من جهته، يرى الباحث السياسي صدام الجاسر، أن تحركات المحور الثلاثي هي "مجرد تكتيكات تتمنى منها الإمارات والسعودية ومصر أن تحدث تأثيراً في السياسة التركية وتسبب إرباكاً لها، وهي تقع ضمن الهامش الممنوح لهذه الدول من قبل الدول العظمى".

لعب في الوقت الضائع

إلا أنه يستدرك بالقول: "الأمريكان والروس بحاجة إلى تركيا في الملف السوري، ولذلك فإن أي محاولة من الحلف الثلاثي (المصري-السعودي-الإماراتي) للتسبب بمشاكل للأتراك سيكتب لها الفشل، وستكون مجرد فقاعات آنية لن تكون لها نتائج مؤثرة على الوضع التركي الداخلي والخارجي".

ويصف الجاسر تلك المحاولات بأنها "لعب في الوقت الضائع"، فقد فقدت هذه الدول تأثيرها في الملف السوري حين تخلت عن الفصائل التي كانت تدعمها واتجهت نحو محاولة تأهيل النظام السوري، مضيفاً أنها لا تستطيع المراهنة على نظام الأسد "الذي أصبح مرهوناً بشكل كامل للقرارات الروسية.

وأشار الجاسر إلى أن الإمارات حاولت قبل حوالي عام أن تعيد تأهيل النظام السوري وكذلك السعودية من خلال محاولة فتح السفارات، إلا أنه تبين أن "الأمر أكبر منهما وأن على هذا الأمر فيتو أمريكي".

وخلص الباحث السياسي إلى القول بأن الثلاثي العربي "يراهن فقط على أمور لحظية وظروف عابرة لا يمكن لها أن تؤثر بشكل حقيقي في استراتيجيات الدول"، لافتاً إلى أن واشنطن صرحت أكثر من مرة أنها لم تعد بحاجة إلى نفط الخليج، وهذا الأمر يعني وفقاً له أن الامريكيين غير مستعدين للدخول في أزمة لصالح دول الخليج مع دولة مؤثرة في حلف الناتو مثل تركيا. أما روسيا فهي تعلم أن مساندتها لهذه الدول ستنعكس بشكل سلبي على موقفها في سوريا، وقد تتسبب لها بمتاعب هي في غنى عنها، ولذلك فإن الروس كما يرى الجاسر، لا يرغبون في التورط في ملف آخر ضد تركيا.

واعتبر أن مراهنة هذه الدول على النظام السوري أو "دعم قوات سوريا الديمقراطية" الإرهابية ستؤدي إلى دخولهم في مأزق جديد، بخاصة مع قرب تطبيق قانون سيزر الذي سيؤدي إلى فرض عقوبات على كل دولة أو كيان أو شخص يقدم أي مساعدة للنظام السوري.

لكن ماذا عن موقف أنقرة من تحركات الثلاثي السعودي-المصري-الإماراتي؟ وهل تتخوف بالفعل من التنسيق أو التحالف سواء كان معلناً أو سرياً، بين هذه الدول ونظام الأسد ضدها؟

فات الأوان

يقول الصحفي والباحث التركي مصطفى كيريكجي أوغلو: "لا أعتقد أن تركيا تهتم كثيراً في هذه المرحلة بتحركات هذه الدول، إذ ليس لها أي تأثير في التطورات على أرض الواقع. وبالأساس فات الأوان بالنسبة إليهم على الدخول في حرب بالوكالة".

ويضيف في حديث مع TRT عربي: "توجد عمليات تجري شرقي الفرات بالتوافق بين تركيا والولايات المتحدة، وغربيه بالتوافق بين تركيا وروسيا، وذلك بعيداً عن أولئك اللاعبين وتحركاتهم".

وحول فرص نجاح نظام الأسد في إلحاق الضرر بتركيا بالتنسيق مع الثلاثي العربي، يرى كيريكجي أوغلو أن النظام "يتكئ على جيش يعتمد أساساً على قوات شبه عسكرية غير محترفة بأغلبها وغير متحدة فيما بينهما على هدف مشترك أو قيادة عسكرية واحدة وتتوزع على ما بين 5 و6 أجزاء منفصلة، فيما تمسك روسيا بشكل عام بزمام هذه القوات".

ويضيف: "من دون القوة الجوية الروسية والمجموعات التي تستخدمها إيران برياً فإن قوة النظام العسكرية في الميدان محدودة، بل لا تصل حتى إلى مستوى مواجهة المعارضة بمفرده". وذكّر بما "شاهدناه بالفعل من الدمار الذي لحق قوات النظام في الميدان خلال الشهر الماضي بفعل هجمات المسيرات التركية".

وينبه الصحفي التركي إلى أنه "على الرغم مما يبدو أنه نصر للنظام بفضل مساعدة داعميه على الأرض، فإننا في الواقع أمام جيش مُنتهٍ تماماً وبلد مدمر بالكامل، وبالتالي ليس من الوارد أن يشكل تهديداً من أي نوع لتركيا".

المصدر: TRT عربي