تسعى إسرائيل بشكل أحادي الجانب إلى ضم أراض من الضفة الغربية وغور الأردن في خطوة مخالفة بشكل صريح للقانون الدولي ولمبادئ الشرعية الدولية.

أكد رئيس وزراء دولة الاحتلال الاسرائيلي بنيامين نتنياهو سعيه لضم حوالي 30% من أراضٍ فلسطينية بالضفة الغربية وغور الأردن في أكثر من مناسبة، مما يهدد فكرة حل الدولتين ويعزل حدود أي كيان فلسطيني في الضفة جغرافيا عن الأردن.

وقد أخذ هذا المسار منحى جدياً بعد إعلان الرئيس الأمريكي خطة التسوية المعروفة باسم صفقة القرن في 28 يناير/كانون الثاني الماضي. وقد زاد الاهتمام بهذه القضية بعد انتهاء أزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية التي استمرت 18 شهراً حيث اتفق نتنياهو مع زعيم حزب "أبيض أزرق" بيني جانتس، وقد ازدادت الاحتمالات مع تأكيد نتنياهو أن بدء عملية الضم ستكون في شهر يوليو/تموز المقبل.

وإزاء هذا الأمر أعلنت السلطة الفلسطينية التي رفضت التعاطي مع صفقة القرن أنها في حلّ من الاتفاقيات والتفاهمات مع "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية ذلك أن هذه الخطط تنهي حلم الدولة الفلسطينية القائمة على فكرة حل الدولتين والتي تأسست السلطة عليها.

إزاء هذه التطورات يتابع المراقبون تبلور المواقف الدولية والإقليمية عموماً وإمكانية تأثيرها في السلوك الإسرائيلي، حيث يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استغلال عدة فرص لتحقيق إنجازات غير مسبوقة منها علاقته مع إدارة دونالد ترامب، والانشغال الدولي بأزمة كورونا فضلاً عن التراجع العربي الكبير عن شرط حل القضية الفلسطينية قبل التطبيع مع دولة الاحتلال في ظل رؤية دول الخليج لإيران على أنها كتهديد يتربع على قائمة أولويات التهديد. 

وهو الأمر الذي أكده آرون ميللر وهو الذي عمل مفاوضاً عن الجانب الأمريكي لعملية السلام في الشرق الأوسط في مقال له في موقع"بوليتكو" في 27 مايو/أيار 2020 حيث وصف التقارب الحاصل في ظل توجهات نتنياهو بأنه "تقارب مدهش". وفي عبارته " "التقارب المدهش بين إسرائيل ودول عربية يجري تحت سمع وبصر رئيس وزراء متطرف (بنيامين نتنياهو) لا يؤمن بحل الدولتين، بل ويعمل كل ما بوسعه لمنع ظهور دولة (فلسطينية) من خلال ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وكل القدس".

على مستوى منطقة الشرق الأوسط تعيش بلدان المنطقة أوضاعاً مأساوية سواء في اليمن أو في العراق أو في ليبيا أو في سوريا أو في السودان.

وعند النظر إلى مواقف الدول التي تشهد استقراراً نسبياً من عملية الضم المحتملة فإن هناك العديد من الدول وخاصة بعض دول الخليج ومصر تعلن رسمياً عن دعم الموقف الفلسطيني لكنها مستمرة في الحفاظ على علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع دولة الاحتلال، وهو ما يؤكده الباحث الفلسطيني في مركز رؤية فراس القواسمي في تصريح خاص لموقع TRT عربي بأن " دول الخليج العربية لن تكون عقبة أمام تطبيق عملية الضم ولكنها لن تكون داعماً علنياً".

أما الأردن وهي الدولة المجاورة التي تتأثر بشكل رئيسي بعملية ضم الأغوار حيث تحدث العملية تغييرات جذرية من قبيل تغيير الطرف المقابل على الحدود وإنهاء فكرة حل الدولتين، وبالرغم من وجود اتفاقية سلام رسمية بينها وبين دولة الاحتلال، إلا أن الأردن يبدو أحد أكثر المتضررين من فكرة الضم.

فمن وجهة نظر الأردن فعملية الضم تقضي على حل الدولتين مما يعني بروز فكرة الوطن البديل للاجئين الفلسطينيين في الأردن من جديد، كما أن التصعيد في الضفة الغربية يمكن أن يمتد إلى الأردن. وقد قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي "لن يمر الضم دون رد، ذلك أن تنفيذ الضم سيفجر صراعاً أشرس، سيجعل خيار الدولتين مستحيلاً وسيجعل مأسسة التمييز العنصري حتمية، وسيدمر كل فرص تحقيق السلام الشامل".

وقد جاء التحذير أيضاً من أعلى مستوى في الأردن حيث قال ملك الأردن عبد الله الثاني في مقابلة مع مجلة دير شبيغل الألمانية "إنه إذا ضمت إسرائيل أجزاء من الضفة الغربية فإن ذلك سيؤدي إلى صدام كبير مع بلاده، مشدداً على أن الأردن يدرس جميع الخيارات إذا جرى الضم."، وأضاف أنه "لا يريد إطلاق التهديدات أو تهيئة الأجواء للخلاف والمشاحنات"، مضيفاً أن "حل الدولتين هو السبيل الوحيد الذي سيمكّـن من المضي قدماً".

يحاول الأردن المستاء من عملية الضم، وتحديداً لمنطقة الأغوار، أن يستند أيضاً إلى المواقف الرافضة لبعض القوى الدولية مثل تهديد الاتحاد الأوروبي بتشديد القيود على التجارة ولكن يبقى المحدد الأساسي لموقفه كما قال الباحث الفلسطيني القواسمي: "هو موقف السلطة الفلسطينية والمسار الذي ستسير عليه، ولكن بشكل عام الظروف الدولية والإقليمية الحالية تجعل وضع الأردن ضعيفاً".

ولهذا تبدو دولة الاحتلال غير آبهة بالتحذيرات الأردنية أو الأوروبية ومع ذلك تعمل على تخفيف قلقها. حيث إن قيام الأردن بإلغاء اتفاقية السلام غير وارد كما أن الأردن يعيش ظروفاً اقتصادية صعبة ولا يتحمل ضغوطاً خارجية جديدة.

في السياق ذاته، أعلنت تركيا من خلال أكثر من تصريح رسمي أنها رافضة لعملية الضم كان أبرزها تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 24 مايو/أيار الجاري، حيث قال أردوغان "خلال الأسبوع الماضي فقط، شهدنا قيام إسرائيل بتفعيل خطة احتلال وضم جديدة تتجاهل السيادة الفلسطينية والقانون الدولي". و"لن نغض الطرف إزاء منح الأراضي الفلسطينية لأحد، وأود التأكيد مرة أخرى أن القدس خط أحمر بالنسبة لمسلمي العالم".

تعمل تركيا على تثبيت حقوق الفلسطينيين في خطابها الدبلوماسي، ولكن تركيا لا يمكن أن تتحرك بمفردها كما أنها تعمل من خلال منظمة التعاون الإسلامي ومن خلال التنسيق مع عدد من الدول الأوروبية الرافضة، وتدخلها العملي مرتبط بتوزانات الأوضاع الإقليمية مع اعتبار أن تركيا تعمل حالياً على تحسين الأوضاع الاقتصادية في ظل أزمة كورونا واعتبار متابعتها الحثيثة للأوضاع والتطورات في ليبيا وسوريا وشرق المتوسط.

وقد قال الباحث التركي في الشأن الاستراتيجي فاتح موصلو لـTRT عربي إن " المسار يبدو بأنه يتجه نحو مضي إسرائيل في عملية الضم حتى مع حدوث بعض التأجيل بسبب الأوضاع الدولية إلا أنه سيتحقق في النهاية. لعدة أسباب منها أن جزءاً كبيراً من عملية الضم متحقق كأمر واقع على الأرض، وأن اسرائيل تتصرف بدون الخوف من الانتقادات الدولية". ومع ذلك ستدافع تركيا عن الحق الفلسطيني في المحافل المختلفة كالأمم المتحدة، وسيكون الموضوع الفلسطيني حاضراً وأساسياً في العلاقات التركية الإسرائيلية.

لا تبدو المنطقة في وضع متماسك لمواجهة عملية الضم، ولكن ستحاول العديد من الدول أن لا تسجل موقفاً رسمياً مؤيداً لعملية الضم، ستعمل الأردن على الاستناد لأي موقف رافض وستحاول الضغط بالرغم من قلة الخيارات، وسيكون الصوت الدبلوماسي لتركيا مسموعاً بلا تردد في رفض العملية ولكن التطور الحقيقي في مواقف بعض الدول سيكون منسجماً مع التطورات داخل فلسطين، وفي حال اتخذت السلطة خيارات دراماتيكية، وهو أمر غير مرجح، بتفعيل حقيقي للتحلل من الاتفاقات والسماح للشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال بشكل مباشر مفضلة ذلك على البقاء في الوضع الحالي أو الضغط لإعادة التفاوض برعاية غير أمريكية، فإن هذا يستدعي إعادة حساب المواقف الإقليمية والدولية.

المصدر: TRT عربي