تابعنا
تراجعت شعبية الولايات المتحدة حول العالم، هذا ما أفادت به تقارير أخيرة، مُرجعة ذلك إلى الدعم الكبير الذي تقدمه إدارة بايدن لإسرائيل منذ إطلاقها حرب الإبادة على الفلسطينيين في غزة، وهو ما يهدد الدور الديبلوماسي الأمريكي في العالم.

في تصريحات أخيرة له، يوم الأحد، طالب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إسرائيل بـ"فعل كل ما يمكن فعله لإنهاء الحرب"، بما في ذلك "قصف غزّة بقنابل نووية". جاء ذلك في معرض مقارنته ما يقوم به الاحتلال من حرب إبادة في غزة بقتال بلاده ضد اليابان وألمانيا النازية في الأربعينيات من القرن الماضي.

يأتي هذا بعد أيام قليلة، من تحذير أعضاء جمهوريين بمجلس الشيوخ الأمريكي، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، من إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخرين. قائلين في رسالة وجهوها إلى المحكمة يوم 6 مايو/ أيار: "إذا آذيتم إسرائيل، سنؤذيكم!".

فيما لم يقتصر هذا الدعم للإبادة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في غزة على النواب الجمهوريين، بل شمل بعض الديموقراطيين أيضاً، كما كانت تلك السياسة التي اتبعتها إدارة بايدن منذ اندلاع الحرب في الـ7 من أكتوبر، وعبّرت عنها سواء بمساعدتها عسكرياً الجيش الإسرائيلي، أو معارضتها سياسياً قرارات وقف إطلاق النار في مجلس الأمن، وقمعها الطلاب المتضامنين مع فلسطين في الجامعات.

ويؤثر هذا الموقف الأمريكي على شعبية البلاد في العالم، دافعاً إياها نحو التقهقر، حسب ما كشفت تقارير ودراسات حديثة. وهو الواقع الذي حذّر فيه عدد من الديبلوماسيين الأمريكين، من ضرر قد يقع بالدور الديبلوماسي الذي تلعبه واشنطن في عدد من القضايا الدولية، في وقت تزداد فيه منافستها من روسيا والصين.

أمريكا تفقد شعبيتها حول العالم

في تقريره لعام 2024، الذي نشر يوم الأربعاء 8 مايو/أيار، كشف "مؤشر إدراك الديموقراطية" عن أن شعبية الولايات المتحدة آخذة في التراجع في جميع أنحاء العالم، لا سيما في الشرق الأوسط والدول ذات الأغلبية المسلمة، بسبب موقفها الداعم لإسرائيل في الحرب على قطاع غزة.

ولأجل صياغة نتائج المؤشر، جرى سبر أراء نحو 63 ألف شخص من 53 دولة حول العالم. وانخفضت شعبية الولايات المتحدة من 27% عام 2023 إلى 22% عام 2024. كما أضاف المؤشر أن شعبية الصين وروسيا شهدت ارتفاعاً في العديد من الدول.

وذكرت مجلّة بوليتيكو الأمريكية، أن شعبية أمريكا المتعثرة، إلى جانب تحسن ترتيب روسيا والصين، يعني أن الأخيرة يُنظر إليها الآن بشكل إيجابي مثل الولايات المتحدة في معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا التي شملها الاستطلاع.

وحسب المؤشر أيضاً، انضمت شعوب عدد من الدول الغربية إلى فريق أصحاب المشاعر السلبية تجاه واشنطن، وهو ما يعد سابقة أفضت إليها حرب غزة. وحسب فريدريك ديفو، كبير الباحثين في المركز الذي سهر على إنجاز المؤشر، فإنه: "للمرة الأولى منذ بداية إدارة بايدن، مالت الآراء في العديد من دول أوروبا الغربية إلى التصورات السلبية تجاه الولايات المتحدة. وهو ما يمثل إشارة فريدة، بشكل خاص في ألمانيا والنمسا".

وقالت المجلة الأمريكية، إنه في حين تظل الولايات المتحدة على نطاق واسع هي القوة الأولى في نظر عامة الناس على الساحة العالمية، فقد بدأت التصدعات تظهر بين شعوب الدول الحليفة القوية في أوروبا الغربية ذات يوم، في حين تكتسب روسيا والصين شعبية في مناطق أخرى.

تفقد شعبيتها حتى في الداخل!

هذا الشعور السلبي بشأن قرارات واشنطن إزاء الحرب في غزة ليس خارجياً فقط، بل إنه يستشري في الداخل الأمريكي أيضاً. وأشارت استطلاعات رأي أجرتها جريدة نيويورك تايمز، إلى أن شعبية الرئيس بايدن انحدرت بسبب طريقة إدارته ملف الحرب.

وهو ما أكدته استطلاعات أخرى، والتي كشفت عن أن 40% من الأمريكيين فقط راضون عن الرئيس، وأن 70% من الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 34 عاماً معترضون على انحياز الإدارة الأمريكية إلى إسرائيل.

ونقلت الجريدة الأمريكية عن شاب يدعى كولين لونر، قوله: "لا أريد التصويت لشخص لا يتماشى مع قيمي الشخصية، وهو ما أظهره بايدن، أنه ليس كذلك عندما يتعلق الأمر بغزة". لكنه تساءل: "هل أصوت لبايدن أم لا أصوت على الإطلاق؟ هذا صعب حقاً، لأنني إن لم أصوّت لبايدن، فإنني أفتح احتمال فوز ترمب، وأنا حقاً لا أريد ذلك".

واختارت الإدارة الأمريكية أن تسير عكس إرادة شعبها وتعرقل قرارات وقف إطلاق النار في غزة، إذ تشير استطلاعات، إلى أن 68% من الناخبين الأمريكيين يؤيدون وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. كما انخفضت نسبة دعم الناخبين الأمريكيين لإسرائيل، بخاصة الديموقراطيون، إذ انتقلت من 31% عقب هجوم 7 أكتوبر، إلى 20.5% في الأسبوع الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، أي بانخفاض ناهز الـ10.5%.

وحسب موارا دانكن، الكاتبة المتخصصة في الشأن الأمريكي في صحيفة الغارديان البريطانية، فإنه "توجد دلائل متزايدة على أن الحزب الديمقراطي يتجه نحو ثورة بشأن هذه القضية (انحياز بايدن لإسرائيل)"، وأن "الناخبين الشباب ليسوا وحدهم الغاضبين، بل حتى الناخبون الأمريكيون العرب والمسلمين، مما يعرض فرص إعادة انتخاب بايدن للخطر في جميع أنحاء البلاد، ولكن بشكل خاص في ولاية ميشيغان الحاسمة، والتي تعد معقل كتلة ناخبة مسلمة كبيرة".

تحذيرات واستقالات في الخارجية الأمريكية

ومنذ اندلاع الحرب، شهدت وزارة الخارجية الأمريكية استقالات واسعة لمسؤولين، احتجاجاً على طريقة إدارتها من قبل ديبلوماسية واشنطن. وفي الـ26 من أبريل/نيسان، أعلنت المتحدثة الناطقة بالعربية باسم وزارة الخارجية الأمريكية هالة غريط، استقالتها من منصبها اعتراضاً على سياسة واشنطن تجاه الحرب الإسرائيلية في غزة.

وكتبت هالة على موقع التواصل الاجتماعي "لينكد إن": "استقلت في أبريل/نيسان 2024 بعد 18 عاماً من الخدمة المتميزة، اعتراضاً على سياسة الولايات المتحدة في غزة".

وتُعَدّ تلك ثالث استقالة على الأقلّ من الوزارة بسبب الحرب الإسرائيلية في غزة، وكانت أنيل شيلين، من مكتب حقوق الإنسان بوزارة الخارجية، أعلنت استقالتها قبل شهر، كما استقال المسؤول بوزارة الخارجية جوش بول في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وفي مذكرة احتجاجية وزّعها موظفو الخارجية الأمريكية عبر القنوات الداخلية للوزارة، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حذّروا من أن انحياز بلادهم لإسرائيل "يساهم في تكوين تصورات عامة إقليمية بأن الولايات المتحدة جهة متحيزة وغير نزيهة، وفي أفضل الأحوال لا تعمل على تعزيز المصالح الأمريكية في جميع أنحاء العالم، وفي أسوأ الأحوال تضر بها".

وحسب مذكرة لدبلوماسيين أمريكيين، فإن قوة الولايات المتحدة مبنية على نوعية ونطاق تحالفاتها الدولية، أو ما يسمى "درع الجمهورية". هذه الاستراتيجية التي أصبحت الآن مهددة في منطقة الشرق الأوسط، مع انزعاج عدد من الحكومات العربية من الانحياز الأمريكي لإسرائيل.

وسبق أن نقل موقع هافينغتون بوست، عن مسؤول دبلوماسي في الخارجية الأمريكية، قوله: "مسؤولو وزارة الخارجية تلقوا تحذيرات من نظرائهم في الحكومات العربية، والذين أبلغوهم أن الولايات المتحدة معرضة لخطر فقدان الدعم في المنطقة لجيل كامل".

TRT عربي