لا تزال تداعيات الحرب في سوريا  تحتل جزءاً كبيراً من الصورة الحياتية لسكان الشمال السوري على وجه الخصوص، وتتراوح معاناتهم ما بين قلة الدعم وغلاء الأسعار، وعدم الاستقرار الأمني، وهو ما انعكس على حياتهم بشكل كبير وأدى إلى زيادة نسب البطالة بشكل ملحوظ.

نسبة كبيرة من السكان كانت تعتمد على مدخول الأراضي الزراعية، وهم سكان الريف الذين وجدوا صعوبة في نقل المهنة والعمل فيها بمناطق تختلف طبيعتها الجغرافية عن طبيعة مناطقهم، إضافة إلى ارتفاع أجور المحلات التجارية التي تحتاج إليها معظم المهن، في ظل ارتفاع الأسعار وقلة المدخول.

لذلك تعددت أسباب بطالة النازحين والسكان الأصليين، واختلفت من مدينة إلى أخرى.

معاناة السكان ضاقت ذرعاً بسبب البطالة

يقول لؤي الحاس (24 عاماً)، ناشط ميداني في مدينة إدلب في حديثه مع TRT عربي، ازدادت معاناة سكان ريف حماة الشمالي بعد أن خسروا مناطقهم التي سيطرت عليها قوات النظام مؤخراً، وهجّروا قسراً إلى الشمال، موضحاً أن السكان في تلك المناطق يعتمدون على الزراعة، التي كانت العمود الفقري للاقتصاد في الشمال، وبعد النزوح وخسارة الأراضي باتت فرص العمل قليلة جداً.

كان معظم السكان يعتمدون على الزراعة، ومع النزوح قلَت فرص العمل أمام المزارعين، الذين وضعوا جميع أموالهم في الموسم الزراعي الذي أحرقته أو احتلته قوات النظام.

ويتابع الحاس قوله بأن البطالة تتركز في ريف حلب الشمالي ومدينة إعزاز والباب، وفي المخيمات الكثيرة التي تبدأ من عفرين حتى جرابلس، مشيراً إلى كثرة عدد النازحين، فمعظمهم قادم من حمص ودمشق ودرعا، وعفرين وريفها يسكن فيها أكثر من مليون نسمة.

ارتفاع حاد بسبب النزوح

بعد هجرة أصحاب رؤوس الأموال التي غادرت باتجاه أوروبا وتركيا، ازداد نقص فرص العمل بالنسبة إلى الشباب وبلغت نسبة العاطلين عن العمل من الذكور بحسب إحصائيات منسقي استجابة سوريا 55%، وارتفعت نسبتها بين النساء إلى 86%، بينما تصل نسبة العاطلين عن العمل من المهجرين إلى 81%، وتتجاوزها بين النساء المهجرات إلى 96% من عدد السكان الذين تجاوز عددهم قرابة 4 ملايين بين نازح ومهجر، وكانت نسبتها قبل العمليات العسكرية نحو 60%وسطياً.

بدائل مؤقتة… هل تكفي؟

في ظل أزمة البطالة لا بد من وجود بديل يسد حاجات الناس، لمحاولة مقاومة الظروف الصعبة وتحمل ضغط الحاجة والعوز. في هذا الصدد يقول الحاس إن الناس في الشمال باتوا يتدبرون أمورهم من السلل الغذائية، لا سيما سكان المخيمات، وبعضهم يبيع السلة التي يقدر ثمنها بما يقارب 150 ليرة تركية.

أعمال بسيطة يلجأ إليها السكان والنازحون كزراعة الزيتون بسبب قلة المشاريع الاستثمارية، إذ لا يوجد عمل مستمر، باستثناء الذين يعملون في المنظمات.

ظروف صعبة تعيشها المناطق المحررة

يروي آزاد عثمان عضو المجلس المحلي ومدير مكتب رابطة المستقلين الأكراد السوريين بعفرين، في ريف حلب، خلال حديثه مع TRT عربي، أن المناطق المحررة تعيش ظروفاً صعبة لعدة أسباب أهمها النزوح الكبير من مناطق النظام باتجاه مناطق سيطرة المعارضة، أكبر نسبة نزوح كانت من ريف دمشق والقلمون، ثم يليها ريف حماة وحمص انتهاء بريف حلب والباب، إذ إن عدد حملات النزوح ليس بقليل وبإمكانه أن يشكل أزمة لأي دولة تعيش ظروفاً اعتيادية، لكن كيف ستكون نتائج هذا النزوح بالنسبة إلى هذه المناطق، ووقع أثرها اقتصادياً على السكان والنازحين

بحسب مصفوفة المراقبة المتكاملة لتجمعات النازحين التي نشرت على موقع "humanitarianrespon" في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، والتي يتم إصدارها بشكل دوري عبر قطاع إدارة وتنسيق المخيمات التابع لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "الأوتشا".

تم تسجيل أكثر من 1293 مخيماً في الشمال السوري تؤوي نحو 290 ألف عائلة، أي ما يقارب مليوناً ونصف مليون شخص.

يؤكد عثمان، في معرض حديثه عن الأزمة التي يخلفها النزوح على البطالة، أن ضعف وسائل الإنتاج وقلتها تعد من أبرز أسباب البطالة، إذ لا توجد معامل أو شركات كبيرة يمكن أن تقدم فرص عمل للمواطنين، وأغلب الوظائف التي كانت موجودة أيام النظام كانت وظائف إدارية من تعليم وشرطة وقضاء وغيرها.

ويشير عثمان إلى أن العمل الإنتاجي كان متمثلاً في الزراعة وبعض الورش الإنتاجية كالخياطة والنجارة والأحذية وملحقاتها، أما الآن فقد توقفت هذه الورش، وانتقلت إلى مناطق النظام أو إلى الخارج ومنها ما تعرض للسرقة والنهب.

ضعف الإنتاج يعصف في المناطق المحررة

بالنسبة إلى العمل الزراعي فإنه يعاني من صعوبات جمّة تتمثل في الكساد وارتفاع الكلفة بسبب فقدان سوق تصريف المنتج، لأن السوق المحلي في المناطق المحررة يعيش حالة شبه اكتفاء. أما فيما يخص الإنتاج الحيواني فهو أيضاً يعيش حالة من الضعف نتيجة تدني القدرة الشرائية للمواطن، وفقدان سوق تصريف خارج المناطق المحررة. هذا ويبلغ عدد رؤوس المواشي نحو 500000، بينما تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة نحو 80% في شمال غرب سوريا.

تابع عثمان أن النظام عمد إلى مركزة القوة الاقتصادية في المدن الكبرى وإضعاف الريف باقتصاده لمصلحة المدينة، على الرغم من أن المناطق المحررة لا تعاني من أزمة فقدان مواد و سلع، لأن الحدود مع تركيا تتيح استيراد المستلزمات الأساسية.

البحث في الحلول والحملات المضادة

يرى عثمان أن الحلول تبدأ بمنع تدخل الفصائل المسلحة في الحياة الاقتصادية للمنتج الزراعي والصناعي والتجاري، وكف يدها عن فرض مزيد من الضرائب، والابتعاد عن مشاركتها أرزاق الناس أو الهيمنة على متاجرهم ومنشآتهم بما يشبه البلطجة.

وفي السياق ذاته يرى عثمان أنه "وبالنسبة إلى المعابر التي تقع تحت سيطرة بعض الفصائل تتولد بعض الصعوبات أو العراقيل تتعلق بتيسير عمليات التصدير أو ارتفاع تكلفتها على الناس، في أحيان أخرى".

ويؤكد عثمان أن المعابر يكمن دورها في تسهيل تصدير واستيراد المواد الأولية والإنتاج من وإلى المحرر لتأمين استمرارية عملية الإنتاج.

أخيراً أشار عثمان إلى المجالس المحلية التي يجب أن تتلقى الدعم وتسهيل استفادتها من عائدات المعابر بدل الفصائل، لتعود منفعتها على المواطنين من خلال الخدمات والإنجازات وإتاحة فرص العمل للجميع، لخلق جو آمن للاستثمار ليتسنى عودة مصانع كانت موجودة أصلاً بعفرين، وبإمكان هذه المصانع إتاحة فرص عمل لأكثر من 15 الف عائلة، وهذا رقم ليس بقليل.

المنظمات الدولية توزع المساعدات بشكل عشوائي

عبد اللطيف مهجر من مدينة حلب يقطن حالياً في مدينة عفرين وهو متطوع في إحدى الجمعيات الخيرية، يقول إن المساعدات التي تصل غير كافية وموزعة بشكل عشوائي، من قبل المنظمات منها منظمة بنفسج، وإحسان ، ومرام، وشفق، ورحمة بلا حدود، وسيريا ريليف وIYD إضافة إلى بهار، باستثناء المشاريع الفردية الخاصة التي تقدم دعماً ومنحاً للأشخاص المتميزين أصحاب المشاريع كمنظمة قدرة، لكن بالمقابل لا توجد أراضٍ خصبة يمكنها احتضان أي مشروع ولو كان صغيراً، وأغلب سكان المناطق المحررة هم مهجرون من مختلف المدن السورية، ويعانون من قلة الأمان والفوضى وأعمال النهب والخطف.

TRT عربي