هي التظاهرة السياسية الأكبر في تاريخ لبنان الحديث، وضمّت، حسب الإحصائيات، ما يقارب الـ 300 والـ 340 ألف لبناني. فما هي مميزات الحراك اللبناني؟

منذ السابع عشر من تشرين الأوّل، يشهد لبنان تحوّلاً جذرياً عمّا كان سائداً عليه منذ سبعينيات القرن الماضي. فجأة بين ليلة وضحاها، تغيّر المشهد واستيقظ اللبنانيون من سبات عميق دام على مدار أجيال. هي لحظة نشوة لن تتكرر، أوقات سحرية وحلم لا يكاد حتى اللبناني نفسه أن يصدقه.

كيف لا وهي التظاهرة السياسية الأكبر في تاريخ لبنان الحديث التي ضمّت، حسب عالم الإحصاء ربيع الهبر، ما يقارب الـ 300 والـ 340 ألف لبناني؟ وُلد هذا الحراك من رحم التفرقة والحروب والقهر والذلّ. وهنا جمالية المشهد: يعانق الفقر والغضب والعوز الفنّ والرقي والابتكار في شارع واحد أحد، شارع كسر حاجز الخوف متحدياً أركان سلطة طائفية كانت سبباً في اندلاع الحرب الأهلية التي تُستحضر أرواحها وأشباحها في كلّ حين لإجهاض الحراك.

ولعلّ التقسيمات الطائفية التي فُرضت على اللبناني منذ عقود وتجلّت في فرص العمل والخدمات الاجتماعية والصحية، بالإضافة إلى المنافع الاقتصادية والمالية التي يستفيد منها السياسيون على حساب الشعب الذي أنهكه الفساد المستشري في أركان الدولة، وتفشى السرطان في بدنه بسبب أزمة النفايات والتلوّث، وأثقله الفقر والعوز والحرمان، من أبرز الأسباب التي أدّت إلى اندلاع هذا الحراك "غير التقليدي"، لأنه لا يخضع لسطوة النظام السياسي الحاكم، فأصبح المواطن رمزه.

حراك 17 تشرين الأوّل هي احتجاجات مطلبية متميّزة بالشكل والمضمون
حراك 17 تشرين الأوّل هي احتجاجات مطلبية متميّزة بالشكل والمضمون (Reuters)

في هذا السياق، يتحدّث رئيس قسم المحليّات في صحيفة "نداء الوطن" ومتخصص في الشأن السياسي محمد نمر لموقع TRT عربي عن مزايا هذا الحراك الذي يصفه بالمطلبي"، فيقول: "شهد لبنان ثورة الأرز في تاريخه الحديث التي تمّ إدارتها من قبل أحزاب 14 آذار وكذلك عدداً من التحركات في تاريخه القديم. إلاّ أنّ حراك 17 تشرين الأوّل هي احتجاجات مطلبية متميّزة بالشكل والمضمون، لا يمكن مقارنتها بأيٍّ من الاحتجاجات السابقة. إنّما من الممكن مقارنتها بالحراك الذي حصل عام 2015 وكانت أسبابه متعلّقة بأزمة النفايات، ولكن سرعان ما انتهى بسبب تضارب المطالب وتطويق الطبقة السياسية لهذا الحراك".

وتميّز هذا الحراك بكونه:

حراك بدأ من "الواتس آب"

اندلعت شرارة الاحتجاجات مع انتشار تسريبات عن فرض ضريبة مرتقبة على تطبيق "واتس آب"، بحوالي 6 دولارات شهرياً مع زيادة القيمة المضافة من 11 إلى 14%، ممّا أدى إلى احتجاج المواطنين في جميع الشوارع اللبنانية. فأقدموا على إغلاق الطرقات وحرق الإطارات رفضاً للضرائب في حين يعانون سوءَ الأوضاع الاقتصادية.

حراك افتراضي

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً بارزاً في تحريك الرأي العام، إذ تحولت إلى منبر للتعبير عن رفض اللبنانيين للنظام والثورة عليه وتحقيق المطالب. فسرعان ما تحوّلت صفحات اللبنانيين على وسائل التواصل الاجتماعي إلى ما يعرف بـ "صحافة المواطن"، حيث يعمدون إلى تحليل المواقف السياسية وتبادل المعلومات والصور والفيديوهات وكلّ ما تتجنّب وسائل الإعلام التقليدية نقله.

اندلعت شرارة الاحتجاجات مع انتشار تسريبات عن فرض ضريبة مرتقبة على تطبيق
اندلعت شرارة الاحتجاجات مع انتشار تسريبات عن فرض ضريبة مرتقبة على تطبيق "واتس آب (AFP)

حتى أنّه قد تمّ إنشاء صفحة "الإعلام البديل" على فيسبوك لنقل أخبار الحراك تصدياً للتعتيم الإعلامي الذي تتعرّض له من وقت لآخر. يوضح نمر أنّ "مواقع التواصل الاجتماعي هي المنصة الأساسية للتعبير عن تنظيم الحراك والدعوة إلى التجمع في الساحات. إذ يحمي الإعلام البديل هذا الحراك لأنه لكلّ لبناني هاتفه الخاص الذي يمكّنه من التوثيق وكشف التعديات عليه أو على الآخرين. أمّا وسائل الإعلام فكانت أيضاً ركناً أساسياً يضمن استمرار الحراك لأنها استخدمت كل قدراتها لنقل صوت الناس".

إلغاء الطائفية السياسية

تمكنت هذه الاحتجاجات من تأسيس أرضيّة وطنية وحّدت الطوائف الثمانية عشرة في لبنان حول مطالب معيشية، مما جعلها تتحد بوجه المنظومة السياسية لبناء الوطن. يضيف نمر "يتميز هذا الحراك بالوحدة الوطنية لأنها تضم كل الطوائف، فكل من شارك فيه نزع عنه العباءة الحزبية والطائفية وارتدى ثوب الوطن المتمثل بالعلم اللبناني، وهذا ما لم نشهده في التحركات السابقة التي رُفعت خلالها الأعلام الحزبية".

حراك لا مركزي

لم تُنظم هذه الاحتجاجات لتقوم في بيروت فقط، مهد الحريات والتحركات السلمية منذ سنوات، إنّما هي مبعثرة، لأنها لا تخضع للتنظيم، تتفجر في جميع المناطق اللبنانية، من أقصى الشمال في العبدة في عكار وطرابلس "عرين السنة" وعاصمة الشمال، إلى صور والنبطية في الجنوب والبقاع حيث الثقل الشيعي. وهنا يتحدّث نمر عن "لامركزية التحركات من طرابلس إلى الجنوب. وهذه المرّة الأولى التي نشهد فيها على اعتراض واضح في المناطق الشيعية، فيمكننا القول بالتالي إنّ هذه الاحتجاجات أدت إلى كسر حاجز الصمت والخوف. لم يعد اللبناني يشعر بالخوف من الطبقة السياسية أو من غيرة دينية أو سلاح حزبي".

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عبارات
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عبارات "أنا مموّل الثورة" و"أنا قائد الثورة" (Reuters)

"#أنا_قائد_الثورة"

في حين تعمدت أحزاب السلطة، ولا سيّما حزب الله، التشكيك في نوايا الحراك متسائلين عن مصدر تمويله، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عبارات "أنا مموّل الثورة" و"أنا قائد الثورة" رداً عليهم. والحقيقة هي أن الشعب هو من يقود هذه الاحتجاجات. "تتميّز احتجاجات 17 تشرين الأول بغياب أي قيادات لها، هي احتجاجات عشوائية ليس لها من قائد واعتمدت في عملية توسعها وتحديد مساراتها وتعيين مواقع الاعتصام على مواقع التواصل الاجتماعي". حسب نمر.

أمّا بالنسبة للمتخصص في الشأن السياسي أليكساندر خشاشو، فيقول: "تكمن قوّة هذه الاحتجاجات في غياب القيادة عنها وكونها من صنع الشعب؛ إذ اندلعت من منطلق شخصي، بحيث قام كلّ مواطن في التفكير بنفسه وبمشاكله وقرر النزول إلى الشارع، إلى أن أصبح لهذه الاحتجاجات مطالب سياسية واقتصادية. أظنّ أنّ الحراك غير قادر حالياً على تعيين قادة بسبب كبر حجمه وترسبات ثلاثين سنة"، مضيفاً أنّ "الضغط على المحتجين ومحاولة حشرهم لتشكيل قادة يؤدي إلى فرط الثورة وشرذمتها، إذ تكمن قوتها في مطالبها السياسية والاقتصادية التي توحد اللبنانيين مع بعضهم البعض. إلاّ أنه بعد إسقاط المجلس النيابي ورئيس الجمهورية، يصبح من الضروري تشكيل قيادة للاحتجاجات، أمّا في الوقت الحالي، ليس على السلطة سوى الاستجابة للمطالب".

ويتابع خشاشو "مشاركة الطلاب وحدها ثورة، إذ هم عصب احتجاجات تشرين الأوّل، خصوصاً وأنّ السلطة قد حاولت أكلهم منذ التسعينيات عبر حصر تحرّكاتهم ضمن أحزابها؛ فنحن لم نشهد مظاهرات في باحات الجامعات منذ زمن".

مهرجان الكرامة

من المعروف عن اللبناني أنه محب للحياة والفكاهة والمرح، فهو بإمكانه أن ينبت من الحزن فرحاً يتجلّى في اللوحات الفنية التي رُسمت على جدران المدن والابتكارات في الساحات التي كانت ترقص على أنغام الموسيقى اللبنانية والعالمية وأشهر الأغاني مطلقة الشعارات المنددة بالتغيير وإسقاط النظام.

في غضون شهر، تمكنت الاحتجاجات من تحقيق إنجازات عديدة، أوّلها رفض ورقة الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة المستقيلة
في غضون شهر، تمكنت الاحتجاجات من تحقيق إنجازات عديدة، أوّلها رفض ورقة الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة المستقيلة (AFP)

يقول نمر "تتميّز هذه الاحتجاجات بطريقة التعبير؛ فبدلاً من أن تقتصر الأمور على قطع الطرقات والتجمع في الساحات والصرخات المطلبية، تعدتها إلى مشاركة اللبنانيين بأسلوبهم الخاص، فمنهم من اتجه إلى الغناء وآخرون إلى بيع منتوجاتهم وغيرهم إلى الرسم على الجدران فيما عبر الفنانون والممثلون على طريقتهم الخاصة".

يوضح خشاشو، في هذا الإطار، أنه تاريخياً، "ثمّة ثورات ناعمة وأخرى عنيفة. الحراك اللبناني عبارة عن ثورة ناعمة، إذ عبّر الشعب عن رأيه بحسب إمكانياته. قد يكون هناك أخطاء، ولكن ما يجمّل هذه الاحتجاجات هو اعتمادها على أسلوب الفرح للتعبير عن الوجع عبر الضحك والرقص والتصفيق، وهذا من أروع أشكال الاحتجاجات في العالم. وأنا أعتقد أنّ اللبناني يوجه بهذا الأسلوب رسالة وهي أنّه شعب يحبّ الحياة ولكنه لا يمكنه ذلك".

حصاد الاحتجاجات

في غضون شهر، تمكنت الاحتجاجات من تحقيق إنجازات عديدة، أوّلها رفض ورقة الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة المستقيلة، إقالة الحكومة، إسقاط الجلسة التشريعية الأولى، إسقاط تسمية الوزير محمد الصفدي لرئاسة الحكومة، إسقاط مرشحي الأحزاب في نقابة المحامين والفوز بمركز النقيب، إسقاط مشروع سد بسري وانسحاب آليات المتعهد، ومؤخراً إسقاط الجلسة التشريعية الثانية.

في هذا الإطار يفيدنا خشاشو أنّ الاحتجاجات "توشك على إزالة دعائم النظام السياسي من بعد الطائف المبني على الزبائنية والمحاصصة. هذا واستطاعت الثورة كذلك أن تبني حصانة للقضاء اللبناني الذي بدأ بالتحرّك واستدعاء مسؤولين وفتح ملفات الفساد، إذ تمكن القضاء من كسر حاجز الخوف بفضل الحصانة الشعبية التي اكتسبها مع هذه الثورة. هذا بالإضافة إلى شرذمة الأحزاب السياسية التي لن تعود كما كانت عليه من قبل، لا سيّما مع التحرر من المنهج الفكري الذي فُرض منذ التسعينيات والتحرر من التبعية الطائفية والسياسية. كما أظهر الشعب قدرته على المحاسبة، فأصبح هو مصدر الخوف."

المصدر: TRT عربي