بدأ التغيير يعصف بحياة الأسرة منذ ظهور الحاسوب الشخصي والإنترنت بشكل خاص ثم تسارع وفق حجم انتشار تكنولوجيا المعلومات وما صاحب ذلك من تسريع وتيرة العولمة، وحصل تغيير عميق في نمط حياة الأسرة أدى إلى مواجهة تهديدات جوهرية في بنيتها وهويتها ورفاه أفرادها

على مدى عشرين سنة ماضية أدى انفجار ثورة المعلومات والاتصالات إلى العصر الرقمي، فأصبحت الإنسانية تعيش في فضاء واحد، وتغير نمط حياة الأسرة والمجتمع في العمق، وطال التعلم والتعليم والعمل والتعامل وشبكة العلاقات الاجتماعية، وأصيبت الأسرة في هويتها ومكوناتها الأساسية في عملية انفتاح غير مدروسة وغير مهيأ لها، تصدق عليها نبوءة ابن خلدون في مقدمته أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه وسائر أحواله وعوائده.

بدأ التغيير يعصف بحياة الأسرة منذ ظهور الحاسوب الشخصي والإنترنت بشكل خاص، ثم تسارع وفق حجم انتشار تكنولوجيا المعلومات، وما صاحب ذلك من تسريع وتيرة العولمة، وحصل تغيير عميق في نمط حياة الأسرة أدى إلى مواجهة تهديدات جوهرية في بنيتها وهويتها ورفاه أفرادها، لعل أهم تجليات ذلك الخلط الذي حصل بين أوقات العمل التي اتسعت لتطول ساعات متأخرة من الليل، وهيمنت على أوقات الفراغ، وتقلص الوقت النوعي مع العائلة إلى الحد الأدنى.

اقرأ للكاتبة أيضا:
مراجعة مفهوم البيوت بعد جائحة كورونا

ويتفاوت حجم التغيير في المجتمعات بحسب درجة الاستعمال ومستوى الرقمنة، والحال أننا ما زلنا في أسفل الهرم مقارنة بالمجتمع الأمريكي مثلاً حيث وصلت إلى 97%، في حين لا يزال متوسط الدول النامية بين 20 و30%، ممَّا يجعلنا نتحدث عن مستقبل هو الآن واقع في بقية أنحاء العالم، ورغم ذلك تأثرت العلاقات الأسرية بما في ذلك العلاقة الزوجية، وعلاقة الآباء بالأبناء.

وفرت الرقمنة خدمات وتسهيلات واسعة وفعالة للأسرة، ممَّا أتاح فرصاً غير مسبوقة للمشاركة والاندماج والتواصل، وتمكنت الأسر في أنحاء العالم من التواصل والاستفادة من برامج التعليم والخدمات والرعاية عن بعد، مثل سهولة التحويلات المالية والمدفوعات الإلكترونية وبنوك المعلومات، واستخدام الخدمات الحكومية السريعة والخدمات الطبية التي حققت قفزة نوعية في معالجة الذين يعانون أمراضاً مزمنة، واستفادت الأسرة من الأساليب الجديدة والمريحة في العمل مثل العمل من البيوت، واستعمال التقنيات الأحدث.

تداعيات سرعة الرقمنة ومخاوف حقيقية

وفي حين جمعت وسائل التواصل الاجتماعي الناس وقربت المسافات وانكمش العالم أمام الإمكانيات الجديدة وفرص التواصل مع أفراد الأسرة في كل مكان، فإن كيفية تفاعل الآباء مع الأبناء ومع أفراد الأسرة الممتدة تغيرت في كل الأسر وفي جميع مستويات الدخل، فالذين يملكون كل وسائل التكنولوجيا تتمثل تحدياتهم في كيفية التعامل معها وتكييفها والاستفادة منها، والذين لا يملكونها يعانون من الحرمان وفقر مضاعف لأنهم ليس لهم سبيل إلى الخدمات الكثيرة، وأهمها فرص التعليم والعمل.

وبدأ الاقتصاد الرقمي يصبح واقعاً في نمط حياة الأسرة، ويعتمد بشكل أساسي على التجارة الإلكترونية والتشغيل الإلكتروني لأبسط الأعمال والمعاملات، حيث يتم تداول معظم الأنشطة التجارية على مدار الساعة دون قيود ساعات العمل وبشكل سريع جداً.

يمكنك قراءة أيضا:
هل سيُخرج فيروس كورونا شبكة الإنترنت من الخدمة؟

ويتعين على الأسر مواكبة هذا التطور السريع الذي دخل عالمنا النامي دون جاهزية أو تأمين للبنى التحتية وأمن البيانات والمعلومات، أو تحديث للقوانين التجارية لتتماشى مع المتغيرات السريعة من أجل حماية الأسر، ولكي تكون هذه الخدمات في متناول أفرادها.

وصلت سلبيات تكنولوجيا المعلومات والرقمنة إلى العالم النامي سريعاً وتأخرت خدماتها المثلى، وكل هذه التحولات انتشرت مع التكنولوجيا وسرعة رقمنة الخدمات والمعاملات اليومية والتوسع الإداري في استخدامها، ممّا خلق فجوة بين الآباء كمسؤولين والأبناء المتمكنين من التكنولوجيا، وظهرت ظاهرة الأمية التكنولوجية وما صحبها من الشعور بالتهميش لدى الفئة المسنة والاعتماد الكلي على الشباب لأداء أبسط المعاملات، ممَّا يجعل البعض يحاول تعليم الوالدين أبجديات التكنولوجيا لأداء أبسط المعاملات، لكن يبدو ذلك صعباً على كبار السن لأن وتيرة الرقمنة سريعة ومن الصعب اللحاق بالركب.

وتشكل سلبيات التكنولوجيا تحدياً أكبر للأسر التي تعاني من البطالة وعدم الاستقرار إذ تتطلب أبسط الوظائف، ولو في مستويات منخفضة، التمكن من التكنولوجيا الرقمية، وطلبات التوظيف لا تتم إلا عبر الإنترنت، ويشكل الاعتماد المتزايد على التقنيات الرقمية ضغوطاً قاسية على العائلات الفقيرة إلى درجة حرمان أفرادها من عالم من الموارد والفرص المتاحة.

احتكار نظم البيانات وأمن المعلومات

وبعيداً عن المخاوف التقليدية تنتج الرقمنة أشكالاً جديدة من التميز الآلي القائم على احتكار نظم البيانات الرقمية، ممَّا يشكل تهديدات حقيقية وجديدة للأمن المالي للعديد من الأسر من خلال الهيمنة على المعلومات وجعلها أكثر عرضة للمراقبة والتمييز في السوق، مثل استهداف الكثير من المؤسسات للأفراد واستخدام شركات التأمين والبنوك أنظمة قرارات الكمبيوتر الآلية للتحكم أوتوماتيكياً في قرارات الأسر، أو حرمانها من خدمات أو قروض لعدم قدرتها على الدفع أو تأخرها في دفع الأقساط المتراكمة.

والأدهى من ذلك حيازة معلومات شديدة الخصوصية ممَّا يجعل شركات التأمين والبنوك والبرمجيات التعليمية وغيرها تتحكم في مصير الطلاب والمتعلمين مدى الحياة، لأنها تعتمد على البيانات الشخصية المخزنة عن سلوك المستخدم وقدراته وميوله وظروفه الصحية والاجتماعية للسيطرة على المحتوى الإعلامي والتعليمي، وعرض نوعية الفرص حتى نوعية الإعلانات التجارية، وربط المستخدمين بخيارات اجتماعية معينة ومحتوى تقرره سلفاً بنوك المعلومات، وغالباً ما يتم ذلك كله دون علم المستخدم ولا توقعاته أو تطلعاته أو اعتبار لمصلحته، بل إن قرارات ومصائر الأفراد والمجتمعات متجهة بسرعة نحو الآلية وقريباً ستكون خارج السيطرة.

لذلك هناك من يرى هذه التداعيات والمؤشرات دليلاً على أن الرقمنة جائحة تكنولوجية تهدد كل ما هو إنساني، ويناقش علماء الاجتماع موضوعاً مستحدثاً تتزايد أهميته يومياً، وهو الهوية الإلكترونية وأثرها على المواطنة والأخلاق والتدين.

كما يتوقع أن تصبح بطاقات الهوية شرائح إلكترونية تزرع تحت الجلد عمَّا قريب، وهناك من يحذر من فقدان التحكم في الخيارات الشخصية ومصير الأسرة وخياراتها، وربما انحلال أو زوال القيم والأخلاق والحريات وتهديد الأمن القومي للدول.

ولذلك نحن في حاجة إلى تصور علمي شامل عن مستقبل الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات، خاصة أن البحث قد أثبت أن لتقنيات الرقمنة القدرة على التحكم في العلاقات الاجتماعية بشكل كبير، والولوج بالإنسانية في عوالم غير حقيقية لا علاقة لها بواقعنا ولا بظروف مجتمعاتنا وبيئاتنا وأسرنا فضلاً عن قيمنا الدينية وخياراتنا الفردية.

الرقمنة وثورة التكنولوجيا وإشكالية المحتوى

فرضت الرقمنة والثورة التكنولوجية محتوى غير مرحب به في الأسرة، وينتاب كثيراً من المربين والآباء قلق حيال ما ستحدثه الرقمنة من آثار على رفاه الأسرة والأطفال والتماسك الأسري والاجتماعي، وهناك قلق بشأن مستقبل تنمية الطفل وتنشئته الأولى، حيث يتعرض الأطفال في سن مبكرة جداً للإنترنت في عزلة الغرف وغياب الرقابة والمناخ العاطفي والذهني البديل لنمو الأطفال، بل صار مألوفاً جداً أن ينصرف انتباه الآباء عن أبنائهم والعكس صحيح والاستسلام للأجهزة بدل الانخراط في التفاعل الإيجابي بين أفراد الأسرة.

وللتعمق في أثر هذا التحول على مستقبل الأسرة وأفرادها لا بد من دراسات استشرافية استباقية معمقة عن تداعيات الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات على حياة الأسرة وأدوارها، والموضوع ليس مرتبطاً باتخاذ موقف سلبي أو إيجابي من الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات بقدر ما يعني فهم هذا الواقع الجديد والتكيف معه.

وفي هذا الصدد يذهب جعفر حسن جاسم إلى أن العصر الرقمي يقدم للأسرة أنماطاً من الحياة لا وجود لها فوق أرض الواقع العربي والإسلامي، حيث مظاهر الثراء الفاحش وعادات الأكل والشرب والأزياء والترفيه وأسلوب العمل، وتتربع القوة على رأس سلم القيم التي تمجد السلطة والجنس والإباحية والنزعة الفردية والتحرر اللامسؤول وتفوق الأقوى، وتبرز علاقات العنف والسيطرة السادية والتفكك العائلي والسلوك الانحرافي بطريقة تشويقية مثيرة كأنها دعوة ضمنية للأخذ بها، فيصعب على الأسرة وأفرادها تمييز مضمون هذه الرسالة بسهولة، ممَّا ينعكس سلباً على بنية الأسرة العربية وتوجهاتها.

بدأنا نرى تلك الآثار المدمرة منذ فترة، والجديد هو أن كثرة التعرض جعلت بعض المظاهر الغريبة عادية عند فئة الشباب.

الحلول الوقائية والبدائل

من جهة أخرى بدا واضحاً أن مخاطر تكنولوجيا المعلومات تتضاءل كلما زاد تعلم ووعي الآباء بالتكنولوجيا وحرصهم على التوجيه المبكر للأبناء، وينتقل الوعي من الآباء للأبناء، بل كانت الإفادة أكثر للأسرة، وكلما ارتفع معدل الوعي بالأهمية والأخطار كان في مصلحة الأسرة، وهذا يبين أهمية التحسيس ونشر الوعي على نطاق واسع، ورغم ذلك من غير الممكن في الوقت الراهن الحسم حول التأثيرات المفيدة أو الضارة للتقنيات الرقمية لأن هذه التقنيات تتطور باطراد،ويفيدنا موقف المقاطعة أو الحياد، ولا مناص من حلول مستدامة لضمان سلامة الأسرة.

نحن بصدد مجتمع معلومات عالمي وسيكون أفراد الأسرة تحت عبء معلومات أكثر ممَّا يستطيعون فهمه أو احتماله، وسنتعرض لاضطرابات اجتماعية وقيم وسلوكيات لا أصل لها في ثقافتنا الإسلامية في ظل سهولة تمرير وتبادل محتوى عن العنف والمخدرات والجنس، وسترسخ الرقمنة المزيد من العزلة الفردية والتفتت الاجتماعي.

وأمام هذا الخطر المحدق فإن الاستراتيجية الآمنة هي التدرج المدروس في رقمنة الخدمات والمعاملات بما يخدم الحياة الأسرية، وتشجيع البدائل كآلية وقائية للحاق بالركب ومواكبة التغيرات السريعة واتخاذ قرارات سريعة بشأن أنظمة الأمن والحماية، ووضع حد للإساءة والاتجار بالأطفال، وبالموازاة تشجيع الحلول المحلية المبدعة لتوفير بدائل وفضاءات آمنة للأسرة والشباب والأطفال، والإنفاق على التكنولوجيا في التعليم وحملات الوعي والتثقيف.

وأما فيما يتعلق بالسياسات والتشريعات الرقمية فلا بد أن يتصدر الأطفال والأسرة المركز الأول في سلم أولويات التشريعات الرقمية، وتعميق التعاون على المستوى العالمي للإفادة من التجارب والخبرات المتنوعة، والتنسيق مع منظمات الأسرة والطفولة والمجتمع المدني، ووضع آليات متابعة شفافة لإنفاذ القوانين ومواكبة التكنولوجيا.

المصدر: TRT عربي