بعد أن لعبوا دوراً هاماً في المملكة العربية السعودية في توجيه حياة الكثيرين وإصدار الفتاوي يواجه رجال الدين في عهد ولي العهد محمد بن سلمان قرارات صارمة وتغييرات جذرية قيدت من سلطتهم على نحو كبير.

لفتت مؤخراً القرارات التي أصدرها ولي العهد محمد بن سلمان انتباه وسائل الإعلام الأجنبية. فيبدو من الواضح أنه ينوي جاهداً احتكار السلطة في المملكة على عدة مستويات، ولعل الدين باعتباره رمزية أولى للمملكة يعد الجانب الأهم لبسط سيطرته.

وإن كان الكثيرون يظنون أن مرحلة جديدة من تاريخ المملكة قد تبدأ مع ولي العهد بالإصلاحات الليبرالية التي نفذها فإن العديد يقر في الوقت ذاته بأن بن سلمان قد قلص من السلطة الدينية ونجح بتحجيم رجال الدين وإلقاء القبض على كثير ممن يعارضونه في إجراءاته.

اعتقالات واستبعاد لرجال الدين

لطالما مثلت طبقة العلماء والدعاة في السعودية ركيزة أساسية للنظام وأدت أدواراً مختلفة وهامة. إلا أنه منذ صعود ولي العهد بن سلمان سنة 2017 تمكن من تطويعهم واستخدامهم في توجيه الرأي العام بعدة ملفات وقضايا حاسمة، واعتقل المخالفين والمعارضين منهم.

وفي هذا السياق أشار العديد من التقارير إلى أنه يقبع اليوم في السجون السعودية اليوم نحو 400 شيخ وعالم من بينهم سلمان العودة وعائض القرني وغيرهم، زُج بهم في السجون بظروف سيئة لمعارضتهم توجهات المملكة في عهد بن سلمان.

وبدأ نفوذ الدعاة والشيوخ يتآكل رويداً رويداً في وزارات العدل والشؤون الإسلامية والتعليم، وكبحت في الوقت ذاته سلطة هيأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجردت من صلاحياتها بعد أن كانت تتدخل في شؤون الناس وفي سلوكهم ولباسهم.

فأصبح بإمكان النساء اليوم قيادة السيارات بعد أن كان محظوراً في السابق بموجب فتوى شرعية، وأصبح بإمكانهم ارتياد المطاعم والملاعب وغيرها. وفي هذا السياق أجريت العديد من المراجعات على الكتب الدينية والإسلامية.

وعلى الصعيد ذاته بعد أن كانت وزارة العدل تعتبر المجال الأول الذي أرسى فيه الزعماء الدينيون قواعد للحياة اليومية من تفسير القرآن والأحاديث النبوية تغير الأمر في عام 2017 وسُحِبَت سلطات قضائية كبيرة من الوزارة ووُضِعَت في يد هيئةٍ أُنشئت حديثاً تتبع الملك سلمان مباشرة.

ولم يكن بإمكان طبقة رجال الدين المحافظين الاعتراض أو حتى التغريد على مواقع التواصل الاجتماعي لنقد التغييرات والإجراءات لأن مصيرهم الإسكات والسجن وسحب الصلاحيات الممنوحة. إذ أوضحت السلطات السعودية أن رجال الدين من جميع المدارس الفكرية سيجري استهدافهم ما لم يلتزموا خط الحكومة.

رجال الدين.. بين الصمت والمسايرة

لم يكن أمام وزارة الشؤون الإسلامية إلا خيار الوقوف وراء الخط الحكومي الجديد لولي العهد بن سلمان والتزمت الصمت عندما جرى اعتقال رجال الدين وغيرهم من الوجهاء ونفذت قرارات تضع المعارضة جانباً. ولم تكن الوزارة من المستثنين من التعديلات الأخيرة فحلت محلها هيئة أخرى تولت مسؤولية الأنشطة الإسلامية في الخارج، وهي رابطة العالم الإسلامي.

أما عن بقية رجال الدين السعوديين فكثير منهم اختار مسايرة التغييرات الجديدة وعدم مواجهة السلطة والتكيف مع القرارات.

وفي سياق متصل أشار تقرير سابق إلى صحيفة لومند دبلوماتيك بأن "محاولات التقليل من شأن السلطة الدينية أو حتى تهميشها ليست وليدة اليوم في التاريخ السياسي والديني المضطرب للنظام السعودي. ومع ذلك فإن رجال الدين استطاعوا دائماً أن يتجنبوا التهميش بفضل استراتيجيتهم التكييفية التي تجمع بين الانصياع والمماطلة والضغط".

TRT عربي