في وقت تستعدّ فيه القوات العسكرية الأمريكية لمغادرة أفغانستان والإشراف على عمليات الإجلاء، شنّ تنظيم "خراسان" هجوماً انتحارياً في مطار كابل، أسفر عن سقوط عشرات القتلى بينهم عناصر الجيش الأمريكي، مثيراً بذلك ضجّة وتنديداً عالمياً.

هز العاصمة الأفغانية انفجار ضخم بمطار كابل يوم الخميس 26 أغسطس/آب الجاري، اعتبر الأعنف من نوعه منذ عام 2011، حين قُتل 30 جندياً أمريكياً في إسقاط طائرة هليكوبتر في أغسطس/آب من نفس السنة.

وراح ضحية الهجوم، العشرات من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين الأفغان وعناصر من الجيش الأمريكي وعناصر من حركة طالبان.

وفي وقت لاحق، تبنى تنظيم "ولاية خراسان" التابع لتنظيم داعش الإرهابي الهجوم، الذي وفق ما أشارت إليه تقارير ومصادر رسمية، بلغ عدد الجنود الأمريكيين الذين قتلوا 13 جندياً.

أثارت الحادثة غضباً أمريكياً حاداً وتنديداً دولياً، ليعتبرها بذلك مراقبون ومحللون أحلك مراحل حكم الرئيس الأمريكي جو بايدن. وطالب في الأثناء سياسيون ومسؤولون سابقون بالكونغرس الرئيس الأمريكي بتقديم استقالته، نتيجة فشله في إدارة الملف، وفق تقييمهم.

هل تستمر عمليات الانسحاب؟

بعد أن دامت لعقدين متواصلين، قرر الرئيس الأمريكي جو بايدن إنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، كانت قد استنزفت قوات بشرية وموارد مالية ضخمة، وفاقمت في قيمة الديون التي سترهق الأجيال القادمة بتبعاتها.

وبينما بدأ الانسحاب من القواعد العسكرية على مراحل وفق اتفاق الانسحاب المبرم مع طالبان في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، تقدّمت حركة طالبان بسرعة واجتاحت المدن الأفغانية وأعلنت استعادتها الحكم من جديد بعد دخولها العاصمة الأفغانية كابل.

أثارت التطورات الميدانية صدمة لدى المجتمع الدولي، الذي اعتبر أنّ عودة طالبان إلى الحكم وتقلّدها زمام الأمور من جديد، سيشكل خطراً إقليميا وقد يكون منفذاً لعودة الإرهاب وزعزة أمن المنطقة، على حسب تعبيرهم.

إلا أنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن كان يدرك تماماً منذ البداية المؤشرات التي ترجح إمكانية أن تستعيد طالبان سيطرتها على أفغانستان في فترة قصيرة، وذلك عقب المحادثات التي أجراها مع الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، خلال آخر لقاء جمعهما.

وبينما يحمّل الكثيرون الإدارة الأمريكية وعلى رأسها بايدن، المسؤولية في فشل المهمة القتالية وتأزم الأوضاع السياسية والأمنية، وتسارع القوات الأجنبية والأمريكية إلى إجلاء رعاياها وحلفائها قبل الموعد المتفق عليه في 31 أغسطس/آب، شنّ تنظيم خرسان الإرهابي هجوماً دموياً أسفر عن سقوط عديد القتلى والجرحى ومن بينهم أعضاء في الخدمة العسكرية الأمريكية. وتعليقاً على ذلك قال الجنرال في مشاة البحرية الأمريكية كينيث ماكنزي جونيور، إنهم كانوا على يقين أن ذلك سيحدث عاجلاً أم آجلا.

اعتقد مراقبون ومحللون، أنّ هذا الهجوم الإرهابي قد يغيّر المعادلة، ويدفع بالإدارة الأمريكية وحلفائها الأطلسين إلى التراجع عن خطوة الانسحاب، ومعاضدة القوات العسكرية على الأراضي الأفغانية بقوات أخرى لضمان الأمن ومجابهة الجماعات المسلحة، خاصة وأنّ طالبان وفق ما صرح به محللون أثبتت هذه المرة عدم قدرتها على الحفاظ على الأمن، ولا يمكن على الولايات المتحدة الاعتماد عليها في ذلك.

إلا أنّ بايدن، أكد في خطابه عقب الأحداث وإثر اجتماع مطوّل في غرفة العمليات مع فريق الأمن القومي وفريق من البيت الأبيض، أنّ الولايات المتحدة ستستمر في خطوة سحب قواتها، التزاماً بالجدول الزمني للانسحاب خلال نهاية الشهر الجاري، وربما ستسرع هذه الأحداث في عمليات الإجلاء وقد تقترب من ساعة الصفر.

انتقادات ومطالبات بالاستقالة

ظهر الرئيس الأمريكي جو بايدن في خطابه باكياً وحزيناً، متوجهاً إلى الشعب الأمريكي وأسر الضحايا، معبّراً عن أسفه عن حجم الخسارة الثقيلة التي تسببت فيها الأحداث في أفغانستان، ومستذكراً في الوقت ذاته حادثة وفاة ابنه الذي خدم في العراق، مشيراً بذلك إلى أنه يشارك العائلات الأمريكية حزنهم، وإصرارهم على ضرورة مواصلة حربهم على الإرهاب، وفق تعبيره. وقال في هذا السياق: "نحن لن ننسى.. لن نسامح، سوف نجعلهم يدفعون الثمن".

ورغم هذا الخطاب العاطفي، لم تفِ كلمات بايدن بإيقاف غضب طيف واسع من الأمريكيين والساسة والمسؤولين، الذي طالبوا باستقالة الرئيس الأمريكي بعد الإقرار بفشله وهزيمته.

وفي السياق ذاته قالت المندوبة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي: “هل يجب أن يستقيل بايدن أو يُعزل بعد تعامله مع قضية أفغانستان؟ نعم. ولكن ذلك سيتركنا مع كامالا هاريس، وهذا سيكون أسوأ بكثير”.

وبدوره كتب عضو مجلس النواب الأمريكي عن الحزب الجمهوري روني جاكسون في تغريدة على حسابه الرسمي في تويتر: “هذا كان مخجلاً. من الواضح أنّ هناك مشكلة مع صحة بايدن العقلية، وكان من الصعب مشاهدة ذلك. وعليه ألا يبقى رئيساً ولو لأي ثانية أخرى. ونستحق أحسن من ذلك”.

فيما قال السناتور تيد كروز عن الحزب الجمهوري في تكساس: "إنّ ذلك مشهد محرج، إذلال دبلوماسي ، وكارثة للأمن القومي".

وتعددت وفق ذلك التعليقات والانتقادات التي ملأت عواميد الصحف الأمريكية والأجنبية، وأكد خبراء ومحللون أنّ هذا الهجوم والتطورات الأخيرة الميدانية قد وضعت بايدن في مأزق سياسي.

إلا أنّ مؤيدي السياسة الخارجية لبايدن أكدوا أنه: "لا توجد طريقة جيدة لخسارة الحرب.. صحيح أنّ جانبنا خسر الحرب في أفغانستان، لكن الحرب الأكبر، هي حرب الإرهابيين علينا، وهي لم تنته بعد، والعدو مصمم على الاستمرار في القتال، ولهذا يجب علينا أن نقاوم".

أما إدارة البيت الأبيض فقد اعتبرت أنّ هجوم كابل، ليس مبرراً لمطالبة الرئيس الأمريكي بالاستقالة، واعتبرت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي، أنّ هذه المطالب، لحظة استثمار وتوظيف سياسي، وحري بالجميع أن يتوقف في هذه الكارثة عن الألاعيب السياسية. ووجهت نداءاتها قائلة: "نتوقع من كل أمريكي، سواء أكان مسؤولاً منتخباً أم لا، أن يقف إلى جانبنا ويشاطرنا حزمنا على ملاحقة هؤلاء الإرهابيين ومحاربتهم والقضاء عليهم أينما كانوا”.

TRT عربي