بعد تعيين اللواء سعيد شنقريحة خلفاً للقايد صالح، هل سيكون هناك تأثيرٌ على السلطة السياسية المتمثلة في رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون؟

تسير الجزائر في طريق لا تزال تتلمس ملامحه، فبعد انتخابات أثارت كثيراً من الجدل، وأسالت حبراً ليس بقليل، مسفرة عن فوز عبد المجيد تبون كأول رئيس للجمهورية بعد حراك الثاني والعشرين من فبراير، تلا ذلك بأيام وفاة قايد أركان الجيش الجنرال أحمد قايد صالح، ليخلط -على الأقل- أوراق متابعي الشأن السياسي الجزائري ومراقبيه، في حين لم تطرأ تغيرات كبرى -إلى الآن- في هرم السلطة السياسية والعسكرية.

دفعت الأحداث الجسيمة التي تعاقبت على الجزائر كثيرين إلى التساؤل عمَّا بعد وفاة القايد صالح، وما الذي سيتغير، بما أن الرجل كان القايد الأوحد والأكثر ظهوراً وتأثيراً طوال الأشهر العشرة الماضية، بخطاباته ذات اللهجة المتصاعدة تجاه المظاهرات الأسبوعية في عديد من المحافظات.

هل لا يزال الجيش هو الحاكم الفعلي في الجزائر؟

لم يشكّل تعيين اللواء سعيد شنقريحة خلفاً للقايد صالح، مفاجأة ولا تغييراً كبيراً في خارطة الجيش الجزائري، ولم يظهر له تأثيرٌ بَعدُ على السلطة السياسية المتمثلة في تبون، إذ يرى المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر عبد العالي رزاقي أن الخارطة السياسية في الجزائر لا تزال على حالها، ومن تجليات ذلك خطاب رئيس الأركان الجديد شنقريحة الذي لا يختلف تماماً عن خطابات القايد صالح، بالإضافة إلى التعامل الأمني المعتاد مع المتظاهرين كل يوم جمعة، الذي يتسم بالعنف والاعتقال التعسفي، في حين تظل وسائل الإعلام الرسمية والخاصة محافظة على نفس الخط الموالي لقيادة الجيش وللرئاسة الذي التزمته قبل وفاة القايد صالح وقبل الانتخابات.

لم يشكّل تعيين اللواء سعيد شنقريحة خلفاً للقايد صالح مفاجأة ولا تغييراً كبيراً في خارطة الجيش الجزائري ولم يظهر له تأثيرٌ بَعدُ على السلطة السياسية المتمثلة في تبون.

هذه الظروف الحالية سواء على مستوى الحكم أو ما أحاط به، تقف حجر عثرة أمام تغيير شامل وملموس في طبيعة الحياة السياسية في الجزائر -حسب رزاقي- رغم أن الرئيس تبون يمتلك -وَفْقاً للدستور الجزائري- صلاحيات واسعة تمكنه من اتخاذ قرارات تمس جميع مفاصل الدولة بما في ذلك "الجيش" دون أي عائق، لكن حقيقة الأمر حسب رزاقي، أن قيادة أركان الجيش هي الحاكم الفعلي، وآخر مؤشر واضح على ذلك هو اجتماعها لتعيين وزير أول، وذلك قبل 24 ساعة من وفاة القايد صالح، مؤكداً أن قبضة الجيش على الحكم الفعلي لن تزول قريباً، إلا بخطوات تغييرية جذرية، والطريق نحو ذلك واضح وبيِّن.

وفي ذات الصدد يرى سفيان جيلالي رئيس حزب جيل جديد، أن الجيش الجزائري كانت له يد طولى في الحكم منذ الاستقلال ولا تزال إلى يومنا هذا، رغم تغير الأشخاص والظروف، فقيادة الجيش هي المسؤولة الأولى عن صناعة جل رؤساء الجزائر، على غرار عديد من دول العالَم، لكن الفارق الوحيد والأبرز هو أن الجيش يصنع اليوم للجزائر رئيساً من "موادَّ مُرسْكَلة"، ومهما حاول الرئيس الجديد أن يمسك بزمام الحكم ويظهر في الواجهة باعتباره الحاكم الفعلي، فإن الجيش يبقى دوماً هو المؤثر.

ويفضِّل البعض إطلاق اسم "المؤسسة العكسرية" على الجيش باعتباره محافظاً على نفوذه وعلى سطوته، وغير مرتبط بالأشخاص، إذ عرف الجيش قادة بارزين ومثيرين للجدل في كل عقد من الزمن، وآخرهم القايد صالح، لكن في نهاية الأمر فإن نفوذ القيادات لا يؤثر بشكل أو بآخر في التركيبة الأساسية للجيش، ولا في دوره العميق في السلطة، لكن المرفوض حسب الدكتور رضا دغبار الأستاذ في القانون الدستوري، هو أن يحل قرار الجيش محل القرار الشعبي، في اختيار من يحكمه، في أن المطلوب منه ممارسة أدواره المحددة له في الدستور دون أن يتعداها.

فهل تشهد الجزائر تغييراً جوهريّاً من هذا القبيل؟ أم إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد أمنيات؟

الرئيس الجديد وخيارات التغيير

بعد أن تولى عبد المجيد تبون رسميّاً رئاسة الجمهورية الجزائرية، وعد الجزائريين في أولى خرجاته الإعلامية بالمرور بهم نحو "جمهورية ثانية" وذلك من خلال تغيير الدستور وقانون الانتخابات، وإفساح المجال للشباب للمشاركة في بناء دولة ديمقراطية.

بعد أن تولى عبد المجيد تبون رسميّاً رئاسة الجمهورية الجزائرية وعد الجزائريين في أولى خرجاته الإعلامية بالمرور بهم نحو "جمهورية ثانية".

أول قرارات تبون كان تكليف الأكاديمي عبد العزيز جراد تشكيل الحكومة الجديدة، التي لم تتضح ملامحها إلى الآن، وفي هذا الإطار يرى الدكتور رضا دغبار الأستاذ في القانون الدستوري، أن كلام رئيس الجمهورية لا يعدو أن يكون مجرد "وعود سياسية" لتسويق نفسه، إلا إذا أتبع ذلك بتغيير لرؤيته نحو الحراك باعتباره أداة يمكن بواسطتها إيجاد حل لما اعتبره "أزمة سياسية" لا باعتباره عدوّاً وجب القضاء عليه.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن على السلطة أن تمتلك الشجاعة لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، من خلال إلغاء هيمنة السلطة التنفيذية (المتمثلة في رئيس الجمهورية والحكومة) على السلطتين التشريعية والقضائية، بالإضافة إلى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وإقرار قوانين ونظم رقابية على أدائه وعلى أداء الحكومة، وكذا منح الاستقلالية التامة للمجلس الدستوري ليتمكن من ممارسة الرقابة الفعلية على باقي السلطات، وهو مالم يكُن موجوداً طوال عقدين من حكم بوتفليقة.

وفي الطريق نحو اتخاذ قرارات مصيرية وجوهرية تغير من شكل الحكم في الجزائر، يؤكّد سفيان جيلالي رئيس حزب جيل جديد أن على الرئيس تبون أن يسعى لإلغاء تعدُّد مراكز السلطة واتخاذ القرار، وهو النمط الذي ميَّز السنوات الأخيرة من حكم بوتفليقة.

ما دور الحراك في التغيير السياسي الموعود؟

كشفت أرقام الهيئة المستقلة للانتخابات في الجزائر بشأن نتائج التصويت في الانتخابات الرئاسية السابقة عن مشاركة ضئيلة، ونصيبُ الرئيس الجديد من الأصوات كان أربعة ملايين من مجموع 24 مليون ناخب مسجَّل، وهو ما يجعله في مواجهة الملايين من رافضيه ورافضي العملية الانتخابية بالأساس، إذ تَوجَّهَت إليهم الأنظار، وكثرت التساؤلات حول موقف الحراك من السلطة الجديدة.

وقد اعتبر متابعون أن دعوة الرئيس الجديد الحراك "للحوار" قنبلة من شأنها أن تقسمه، وتضعف من أثره، في حين يؤكّد الدكتور رضا دغبار الأستاذ في القانون الدستوري وأحد وجوه الحراك البارزة، أن الأحزاب والحركات المنبثقة من الحراك وجب أن تحمل مطالبه وتدافع عنها، مع تأكيد عدم تحويله إلى تكتُّل سياسي ووجوب الحفاظ على تنوُّعه وزخمه، ليظل الطرف الرقابي والضاغط الأوحد سواء على ممارسات السلطة أو على نشاط الأحزاب المتحدثة باسمه، وهو ما يؤهِّل الشعب الجزائري مستقبَلاً (في حالة فتح المجال السياسي أمام كل التيارات) لوجود تعدُّديه سياسية حقيقية وانتخابات نزيهة تقوده نحو تغيير جذري للنظام.

المصدر: TRT عربي