تشهد منطقة شرق المتوسط تنافساً محموماً لتقاسم ما تحتويه مياهها من مخزونات هائلة من الغاز الطبيعي وسط غياب اتفاقيات منصفة تمنع تفاقم الأزمة.

سفينة حربية تابعة للبحرية التركية كانت تقوم بدورية بجوار سفينة الحفر التركية
سفينة حربية تابعة للبحرية التركية كانت تقوم بدورية بجوار سفينة الحفر التركية "فاتح" (AFP)

يتميز الكنز المكنون في شرق المتوسط بأهمية اقتصادية كبرى للدول المتنافسة عليه، إلى جوار الأهمية الجيوسياسية بطبيعة الحال التي يقتضيها مجرد مرور الغاز داخل أنابيب تمر بالأراضي أو بالمياه الاقتصادية لإحدى تلك الدول.

وبالإضافة إلى العائدات الاقتصادية لهذا المرور، تتزايد الأهمية الاقتصادية لكل دولة من الدول المتنافسة في ظل الظروف الاقتصادية الداخلية التي تمر بها كل منهم على حدة.

كميات هائلة من الغاز

تشير البيانات الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى احتمالية وجود ما يقرب من 122 تريليون متر مكعَّب من احتياطي الغاز في حوض شرق المتوسط، بالإضافة إلى ما يقارب 107 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج.

فيما تشير مصادر أخرى إلى أن الاحتياطيات من هذه الثروات تفوق كثيراً الأرقام المعلنة والمقدَّرة. وتقدِّر هذه المصادر قيمة تلك الاحتياطيات بنحو 240 مليار دولار على الاقل.

الدول المتنازعة وواقعها الاقتصادي الصعب

مصر

يشير التفحص الاقتصادي لكل دولة من الدول المتنازعة إلى المشكلات التي تعانيها كل منها، ففي الحالة المصرية يعاني النظام من عجز مزمن في الموازنة العامة للدولة بلغ ما يقارب 445.1 مليار جنيه، إضافة إلى اختلالات اقتصادية هيكلية مزمنة، مثل عجز الميزان التجاري الذي تزايد إلى ما يقارب 45 مليار دولار تقريباً.

الأمر الذي دفع السلطة إلى الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج اقتصادي للحصول على قرض بمبلغ 12 مليار دولار، كما اضطُرّت إلى تعويم العملة المحلية التي فقدت بذلك أكثر من 100% من قيمتها خلال الفترة الماضية.

كما انتهجت السلطة المصرية سياسة الاستدانة الخارجية والداخلية لمواجهة أزماتها، مما أدَّى إلى بلوغ الدين المحلي 4.3 ترليون جنيه (ما يقارب 260 مليار دولار) بنهاية عام 2019، في مقابل تريليونين فقط عام 2014، كما تزايد الدين الخارجي ليتجاوز 110 مليارات دولار بنهاية 2019 في مقابل أقل من 40 مليار دولار بنهاية عام 2013.

ورغم كل تلك القروض يقبع أكثر من 32% من المصريين تحت خط الفقر، إضافة إلى 30% آخرين عرضة له على حد تعبير البنك الدولي. وهذا ما يوضح الدوافع الاقتصادية للسلطة المصرية من هذا النزاع، إذ يسعى النظام وراء عائدات الغاز التي ربما تشكّل طوق النجاة لسلطة أفلست كل مشروعاتها الظاهرة، ولم يتبقَّ إلا أن تبحث في الموارد الباطنة.

اليونان

أما الاقتصاد اليوناني فقد مرّ في السنوات العشر الماضية بأزمة قاسية بعد اندلاع أزمة الديون اليونانية عام 2010 في أعقاب الأزمة المالية العالَمية عام 2008. ووصلت حينها البلاد إلى حدّ الإفلاس، إذ خسر الناتج المحلي الإجمالي 20% من قيمته منذ عام 2008، ليتناقص من 250 مليار يورو إلى 196 ملياراً فقط، مما استوجب تنفيذ خطط تقشف قاسية للحصول على مساعدات بلغت 289 مليار يورو كقروض من صندوق النقد الدولي وشركائها في منطقة اليورو.

ورغم نجاح الحكومة اليونانية في تخطي الأزمات المتلاحقة والعودة إلى النمو الاقتصادي الموجب منذ عام 2017، وتوقع صندوق النقد الدولي نموّاً نسبته 2.4% في عام 2019، فإن الاقتصاد اليوناني لا يزال يعاني من تداعيات تلك الأزمات، ومنها استمرار أكثر من 35% من المواطنين تحت خط الفقر، واضطرارهم إلى قبول رواتب شهرية تقلّ عن 500 يورو، وفي بعض الأحوال 300 يورو فقط.

كما أن البطالة في اليونان لا تزال الأسوأ في أوروبا، على الرغم من انخفاضها إلى 18% في عام 2018 مقارنة بـ20.5% عام 2017، بعد أن بلغت 27.9% في عام 2013. وتأمل الحكومة والشعب اليوناني كثيراً في غاز شرق المتوسط لمساعدتها على الخروج من الأزمة الكبرى، التي من دونه قد تحتاج إلى عقد بأكمله للعودة إلى أوضاع الاقتصاد قبل عام 2008.

تركيا

وفيما يبدو أن الاقتصاد التركي يُعَدّ أفضل حالاً من سابقيه، فإنه مر بأزمات ألحقت به أضراراً، خصوصاً في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، التي تَرتَّبت عليها أزمة الليرة التركية التي مرت بواحدة من أسوأ فتراتها منذ أغسطس 2018، عندما فقدت 30% من قيمتها، وانعكس ذلك على مختلف مؤشرات الثقة بالاقتصاد.

ومن الجدير بالذكر أن تركيا تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها من الطاقة، وأن إجمالي فاتورة استيراد الوقود في تركيا يبلغ ما يزيد على 37 مليار دولار، مما يعني أن ملفّ غاز المتوسط هو المصدر التي ستعتمد عليه الطاقة الإنتاجية المحلية التي تصدر بما يقارب 160 مليار دولار سنويّاً، إضافة إلى إنعاشه العملة المحلية بعد موجة تراجعاتها المستمرة.

ليبيا

وتتشابه الأحوال في كل من ليبيا وسوريا حيث الحرب الطاحنة والمستمرة منذ عام 2011 حتى الآن، ولا سبيل لإعادة إعمار البلدين إلا من خلال عائدات الثروات الطبيعية، وإن كانت ليبيا لديها بالفعل ثروات بترولية، إلا أن غاز المتوسط سيدعم كثيراً عودة الاستقرار وإعادة التوطين للنازحين والمهجرين.

أما "إسرائيل" فقد ضمنت حصة من الغاز بترسيم مياهها الاقتصادية مع مصر، إلى جانب نهب الحقوق الفلسطينية، وربما بعض الحقوق المصرية كذلك، بالإضافة إلى توقيعها اتفاقية لتصدير الغاز إلى مصر بقيمة 19.5 مليار دولار، إضافة إلى اتفاقية أخرى مع الأردن، وهي تعبث الآن في المتوسط لتأمين ما استولت عليه، وتأمين طرق تصديره والاستفادة منه.

"إسرائيل"

أما "إسرائيل" فقد ضمنت حصة من الغاز بترسيم مياهها الاقتصادية مع مصر، إلى جانب نهب الحقوق الفلسطينية، وربما بعض الحقوق المصرية كذلك، بالإضافة إلى توقيعها اتفاقية لتصدير الغاز إلى مصر بقيمة 19.5 مليار دولار، إضافة إلى اتفاقية أخرى مع الأردن، وهي تعبث الآن في المتوسط لتأمين ما استولت عليه، وتأمين طرق تصديره والاستفادة منه.

تشير القراءة السابقة إلى الدور الرئيسي للدوافع الاقتصادية في النزاع حول ثروات شرق المتوسط، التي يؤمن كثير من الخبراء بأنه بات من مصلحة الجميع السير نحو التوافق بما يضمن حصة لكل الأطراف الشرعية تساعده على تخطي المشكلات الاقتصادية الداخلية، بدلا من إنفاقٍ قد يماثل الثروة أو يفوقها على نزاعات عسكرية.

المصدر: TRT عربي