على إثر المواجهات التي اندلعت خلال الأيام القليلة الماضية، بين المحتجّين والقوات العسكرية الفرنسية، في بوركينا فاسو، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى، ناشدت باريس الرئيس البوركيني للتدخل ومنع المحتجين من اعتراض قوافلها العسكرية التي تضطلع بمهمة في الساحل.

مع تنامي مشاعر الغضب والاحتقان، ضدّ الوجود الفرنسي في إفريقيا، اشتعلت خلال الفترة الأخيرة، احتجاجات ومواجهات مسلحة، في عدة مناطق ودول إفريقية، طالب بعضها بانسحاب القوات العسكرية الفرنسية وإنهاء الاستعمار الذي بدأ يتّخذ فيها أشكالاً مختلفة، واستنزف ثرواتها طيلة عقود، وزاد في عمق أزماتها، ولم يوقف خطر الميليشيات المسلحة واعتداءاتها، الذي كان المبرر الرئيسي الذي ادعته باريس وراء وجودها في تلك المناطق.

ويبدو أنّ الخناق بدأ يضيق اليوم فعلاً على فرنسا، في منطقة نفوذها التقليدية، وباتت تواجه العديد من التحديات والمتاعب التي تحول دون نجاح مخططاتها الاستراتيجية في المنطقة.

وكانت آخر إرهاصاتها اعتراض الآلاف من المحتجين في بوركينا فاسو، القوافل العسكرية الفرنسية المتجهة نحو النيجر، لمنع وصولها.

"نريد خروج فرنسا".. احتجاجات بوركينا فاسو

مرددين شعار "نريد خروج فرنسا" و"كايا تقول للجيش الفرنسي: عُد إلى وطنك"، تجمهر آلاف المحتجين في شوارع مدينة كايا الواقعة شمالي بوركينا فاسو، منذ يوم الخميس 18 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، لمنع القافلة العسكرية الفرنسية الكبيرة القادمة من ساحل العاج، من الوصول إلى النيجر.

ووفق ما أشارت إليه مصادر إعلامية محلية، فإن المحتجين قد زعموا أن القافلة تخطط لإيصال معدات عسكرية إلى الميليشيات المسلحة التي تقف وراء الأعمال الإرهابية في المنطقة وتدّعي محاربتها.

وبينما اعتصم الأهالي ومَن ساندهم من المدنيين الوافدين من المناطق والقرى المجاورة، في مداخل المدينة ومفترقات الطرق، لحراستها وضمان عدم تقدّم القافلة، شكّلت قوات الجيش البوركيني والشرطة العسكرية حواجز بين المدنيين والقوات الفرنسية لمنع أي اشتباك محتمل، فيما تدخّلت السلطة المحلية لمنع المتظاهرين من اعتراض طريق القافلة، إلا أنّ الجهود جميعها باءت بالفشل.

وأكدت في الأثناء العديد من المصادر الإعلامية، أنّ الشاحنات التي تُقلّ على متنها إمدادات الوقود والغذاء للجيش الفرنسي، قد عادت أدراجها، بينما بقيت المدرعات والدبابات مكانها في انتظار فتح الطريق لها.

ومن جانبه، ناشد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، السلطات البوركينية الوساطة لدى لمنع المحتجّين من تعطيل المهمة العسكرية الفرنسية في الساحل، قائلاً في تصريح إعلامي: "إنّ محرّضين يُثيرون المشاعر المناوئة لفرنسا، وقد أوضحنا للرئيس روك كابوريه أننا نودّ أن يجد حلاً للوضع القائم في كايا وأعتقد أنه سيجد الحل".

واستمرت المناوشات والاحتجاجات طيلة أيام متواصلة، ومع محاولة المحتجين مساء يوم السبت 20 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، الاقتراب من القافلة، أطلقت القوات الفرنسية وقوات الشرطة البوركينية طلقات تحذيرية، وتزعم العديد من المصادر أن الطلقات أسفرت عن إصابة 4 أشخاص من المدنيين، فيما نفى الجانب الفرنسي ذلك.

وازداد الوضع سوءاً، بعد الهجوم المسلّح الذي شنّته الميلشيات المسلحة يوم الأحد 21 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، والذي أسفر عن مقتل نحو 19 عنصراً من "كتيبة للدرك" في إيناتا، بالقرب من منجم للذهب، ومدني، كحصيلة أولية للهجوم، وفق ما أعلنه وزير الأمن البوركيني، ماكسيم كون، حيث قال في تصريح رسمي: "تعرّضت مفرزة من قوات الأمن لهجوم خسيس وهمجي هذا الصباح. صمدوا في موقعهم، وعُثر أيضاً على 22 عنصراً على قيد الحياة". فيما أكدت العديد من المصادر الأمنية في وقت لاحق أن عدد القتلى ارتفع إلى نحو 30.

تراجع للدور الفرنسي في الساحل

بعد أن قررت هيئة الأركان العامة الفرنسية، الصيف الماضي، خفض عدد قواتها العسكرية الموجودة في الساحل الإفريقي، تراجعت عن ذلك لاحقاً وقررت إعادة نشر قواتها من مالي إلى النيجر، منذ 16 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، خاصة وأنّها أصبحا تواجه تهديداً حقيقيا مع دخول موسكو إلى جانب عدة قوى أخرى على الخط، كلاعب إقليمي منافس لها.

ولم يلقَ القرار الفرنسي ترحيباً من غالبية الأفارقة المعارضين للدور الفرنسي في إفريقيا، وتقدّمت بذلك القوافل العسكرية الفرنسية على أرض من حِمم الغضب الشعبي المتنامي. خاصة وأنّ فرنسا، التي أطلقت حملتها العسكرية في الساحل الإفريقي منذ عام 2014، لمحاربة التنظيمات الإرهابية، قد فشلت في ذلك وعمّقت الأزمة الأمنية والسياسية لهذه الدول، علاوة على الاستنزاف المستمر لما تزخر به من ثروات وموارد.

وبدأ في الأثناء الدور الفرنسي يتآكل تدريجياً، خاصة مع التحفّظات الأمريكية على التدخل الفرنسي في إفريقيا، وعدم منح مجلس الأمن التفويض المطلق للعمليات العسكرية في القارة السمراء.

وباتت فرنسا تتأرجح بين إعادة تنظيم القوات وخفض عددها وفقاً لاستراتيجية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي أعلنها خلال يونيو/حزيران الماضي، أو بالحفاظ على موطئ قدمها التقليدي في هذه المنطقة التي بدأت تنازعهه فيها روسيا.

TRT عربي