مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بدأت منذ سنوات طويلة  (AA)

على مدار العقود الماضية سلكت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي طريق المصالح المشتركة، ومنذ تقديم أنقرة طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لأول مرة عام 1959 حظيت المساعي التركية بجدل واسع بين أطراف دول الاتحاد الأوروبي، وتجزأت الدول الأعضاء إلى قسمين: قسم يدعم انضمام أنقرة كونها أحد الركائز المهمة في مجابة المعسكر الشرقي المتمثل بالاتحاد السوفييتي آنذاك، وقسم آخر يرفض الانضمام لأسباب عرقية ودينية مستلهماً بذلك قضايا التاريخ الفائتة.

وشهدت مساعي انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي زخماً كبيراً عند بدئها بشكل رسمي عام 2005، إذ بوشر فتح الفصول اللازمة لاستكمال عملية انضمام أنقرة البالغ عددها 35 فصلاً، إلا أنه مع مرور الوقت حاول بعض الدول وضع العصي في عجلة المفاوضات من أجل إبطاء سيرها أو حتى وقفها، إلى أن جمدت بعد عملية الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016، وتحديداً بعد أن طالبت دول الاتحاد بعدم معاقبة المشاركين بالانقلاب من منظمة غولن الإرهابية، متخذين من ملف حقوق الإنسان ذريعة لهم.

ومع عودة ملف الهجرة إلى طاولة اجتماعات قادة الاتحاد الأوروبي مؤخراً، الملف الذي تلعب به تركيا دوراً حاسماً منذ اشتعال الأزمة السورية إذ تستضيف قرابة 3.7 مليون لاجئ، نشطت مساعي زعماء الاتحاد لتحسين العلاقات مع أنقرة، معلنين استعدادهم لبدء مفاوضات تتعلق بتحسين اتفاقية الاتحاد الجمركي بين تركيا ودول الاتحاد، فضلاً عن إرسال إشارات تتعلق بنيتهم العودة إلى طاولة المفاوضات المتعلقة بانضمام تركيا للاتحاد بعد توقفها عام 2016 ومناقشة ملف السماح للأتراك بالسفر عبر أوروبا من دون الحاجة إلى الحصول على تأشيرة دخول.

المحاولات الأولى

بعد تأسيس الجمهورية التركية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1923 اتخذت تركيا من العلمانية ونمط الحياة الغربية هوية جديدة لها، واستطاعت النأي بنفسها عن المشاركة بالحرب العالمية الثانية، إلى أن انضمت إلى قوات الحلفاء عام 1945 وشاركت في مشروع مارشال الاقتصادي الهادف إلى إعادة إعمار أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى أن أصبحت عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1952 ولعبها لاحقاً دوراً محورياً في الحرب الباردة إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لصد التوسع السوفييتي.

ويرجع تاريخ أولى المساعي التركية من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى عام 1959، لتتوج لاحقاً بما يعرف باتفاقية أنقرة الموقعة عام 1963 التي أسست لعضوية تركيا في الاتحاد الجمركي الأوروبي بشكل تدريجي ودخولها حيز التنفيذ في الأول من يناير/كانون الأول 1996.

وفي 14 أبريل/نيسان 1987 قدمت تركيا طلباً للانضمام إلى ما كان يسمى الجماعة الاقتصادية الأوروبية، إلا أن المفوضية طالبت تركيا وقتها بتأجيل طلب الانضمام إلى وقت أنسب مؤكدة أن تركيا ستحصل على العضوية لاحقاً، متذرعة بأن الأجواء الاقتصادية والسياسية في تركيا غير مواتية بعد، فضلاً عن الخلاف الدائر بين أنقرة وأثينا بسبب جزيرة قبرص.

فيما شهدت فترة تسعينيات القرن الماضي توطد العلاقات بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، إذ جرى تفعيل عضوية تركيا في الاتحاد الجمركي الأوروبي، فضلاً عن تصنيفها ضمن البلدان المرشحة للانضمام إلى الاتحاد خلال اجتماعات هلسنكي عام 1999، إلا أن مفاوضات الانضمام لم تبدأ فعلياً حتى عام 2005.

فترة العدالة والتنمية

مع مجيء حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا بداية الألفية الجديدة شهدت مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي نقلات نوعية خلال السنة الأولى من المفاوضات، واعتبرت تركيا عام 2004 مستوفية لمعايير كوبنهاغن السياسية، فيما أوصت المفوضية الأوروبية ببدء المفاوضات في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2005، وفتحت فصول الانضمام تباعاً، إلا أن دولاً مثل فرنسا والنمسا حاولت إبطاء المفاوضات وهددت بإجراء استفتاءات داخلية حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي السياق ذاته شكلت قضية جزيرة قبرص عقبة حقيقية أمام استمرار مفاوضات الانضمام، وتذرع الأوروبيون ببطء عملية الإصلاحات التركية، الأمر الذي أدى إلى توقف المفاوضات أواخر عام 2006 وتجميد 8 فصول أساسية من فصول الانضمام التي يبلغ عددها 35، ومع عودة المفاوضات مجدداً في عام 2009 منعت جمهورية جنوب قبرص منع 6 فصول مهمة بحجة ضرورة تطبيع أنقرة للعلاقات معها.

فيما تحججت ألمانيا بمظاهرات ميدان تقسيم عام 2013 من أجل وقف مفاوضات الانضمام التي كانت مقررة، الأمر الذي اعتبرته أنقرة اعتداءً صارخاً على السيادة الوطنية قد يؤدي إلى قطع العلاقات السياسية مع الاتحاد الأوروبي، ومجدداً في عام 2016 جرى تجميد مفاوضات الانضمام بعدما طالبت دول الاتحاد بعدم معاقبة المشاركين بالانقلاب الفاشل، متخذين من ملف حقوق الإنسان ذريعة لهم، ورداً على ذلك صرح الرئيس أردوغان بنيته إجراء استفتاء شعبي حول استمرار عملية المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.

عثرات كبيرة

يشهد ملف مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي العديد من العثرات، أبرزها:

- التدخل بالسيادة التركية: رفضت الحكومات التركية المتتابعة بشكل قاطع جميع أشكال الوصاية التي طالب ويطالب الاتحاد الأوروبي أنقرة بتطبيقها، متحججاً بملفات حقوق الإنسان، فيما ترى تركيا أن من حقها مكافحة التنظيمات الإرهابية التي تستهدفها ومحاسبة أعضائها وقادتها المتخفين بغطاء السياسة والصحافة والعمل الإنساني.

- جزيرة قبرص: كان لحرب التحرير التي شنتها تركيا عام 1974 من أجل الدفاع عن الشعب التركي في الجزيرة الذي تعرض لعمليات ترهيب وقتل على مدار 10 سنوات أمام أنظار العالم الغربي، فضلاً عن دعم أنقرة قيام جمهورية قبرص بالشق الشمالي من الجزيرة، دوراً أساسياً بتعطل ملف المفاوضات أكثر من مرة.

- صراع شرق المتوسط: ردت أنقرة بشكل صارم على التحركات اليونانية الاستفزازية التي تسعى لمحاصرة تركيا داخل جرفها القاري، ومحاولاتها برفقة دول أوروبية إقصاء تركيا وسرقة حقوقها المتعلقة بملف البحث والتنقيب عن مصادر الطاقة الطبيعية شرق البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي أثار حفيظة دول الاتحاد الأوروبي خصوصاً بعد تزايد النفوذ التركي في ملف شرق المتوسط، بالإضافة إلى العديد من الملفات الإقليمية والدولية.

- أسباب ديمغرافية ودينية: ارتفع عدد سكان تركيا إلى نحو 84.3 مليون نسمة العام الماضي، لتحل في المرتبة الأولى قبل ألمانيا التي بلغ عدد سكانها قرابة 83.8 مليون نسمة، ما يجعلها فور قبول انضمامها أكبر عضو في الاتحاد من حيث عدد السكان، الأمر الذي يعني أنه يحق لتركيا أكبر عدد من المقاعد داخل البرلمان الأوروبي ويجعلها من الأعضاء الفاعلين فيه، علاوة على تخوُّف حكومات اليمين التي تسيطر على دول مفصلية داخل الاتحاد الأوروبي من أن تؤسلم أنقرة أوروبا من خلال طرحها للقضايا الإسلامية على طاولة الاجتماعات الأوروبية.

TRT عربي
الأكثر تداولاً