قامت السلطات العليا بالجزائر باستحداث سلطة مستقلة خاصة بالانتخابات من أجل تنظيم المجال الانتخابي ومراقبة العملية الانتخابية والإشراف عليها.

استحدثت مؤخَّراً السلطات العليا في الجزائر سلطة وطنية مستقلة للانتخابات بقانون عضوي صدّق عليه نواب البرلمان بغرفتيه كان باقتراح من الحكومة بهدف رَجْع الكلمة للشعب لاختيار رئيسه، كما صرّح وزير العدل بلقاسم زغماتي.

وبموجب القانون تتحول كل صلاحيات السلطات العمومية، أي الإدارية، في المجال الانتخابي إلى السُّلْطة المستقلة المكلَّفة الانتخابات، زيادة على تمتيعها بالشخصيَّة المعنوية والاستقلالية المالية والإدارية.

وأُسنِدَ إليها، حسب ما نصّ عليه القانون، مهمَّة تنظيم العملية الانتخابية ومراقبتها والإشراف عليها في جميع مراحلها بداية من استدعاء الهيئة الناخبة إلى غاية إعلان النتائج الأولية للانتخابات.

ويخوّل القانون أيضاً إلى السُّلْطة مسك البطاقة الوطنية للهيئة الناخبة والقوائم الانتخابية بالبلديات والمراكز الدبلوماسية والقنصليات بالخارج، بالإضافة إلى استقبال والفصل في ملفات الترشُّح ومراقبة تمويل الحملة الانتخابية وإعلان نتائجها.

وزكّى أعضاء السُّلْطة الوطنية المستقلة للانتخابات وزير العدل الأسبق محمد شرفي، المترشح الوحيد، بالأغلبية، وقال في تصريح لوسائل الإعلام إن الآلية المستحدثة هي من ثمار الحراك الشعبي وبفضلها سيتمكن الجزائريون من اختيار رئيسهم بكل حرية وشفافية.

هل الإجراءات سليمة؟

وتماهياً مع رغبة الجيش، استدعى رئيس الدولة عبد القادر بن صالح الهيئة الناخبة للانتخابات الرئاسية محدِّداً تاريخ تنظيمها في 12 ديسمبر المقبل من العام الجاري.

ومنذ إعلان المؤسَّسة العسكرية على لسان نائب وزير الدفاع رغبتها في تعجيل الانتخابات الرئاسية باقتراحها تاريخاً محدَّداً لاستدعاء الهيئة الناخبة، تسارعت الأحداث باتجاه تعبيد الطريق نحو تحقيق هذه الرغبة.

فكانت البداية باجتماع الحكومة الأسبوع المنصرم وتنزيل مقترح قانون عضوي يتعلق بالسُّلْطة الوطنية المستقلة للانتخابات مروراً بالتئام أعضاء البرلمان لغرض دراسته والتصديق عليه وصولاً إلى توقيعه من طرف رئيس الدولة.

وكان رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، وقّع على القانون العضوي المتعلق بالسُّلْطة الوطنية المستقلة للانتخابات، والقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، حسب بيان صادر صباح الأحد من رئاسة الجمهورية.

وعن مدى سلامة الإجراءات القانونية المتبعة في استحداث هذه الآلية الجديدة، يشير المحامي عبد الغني بادي إلى أن القانون ينصّ على الانتخاب بالتناظُر، وهذا لم يحدث في أثناء عملية تنصيب محمد شرفي على رأس الهيئة.

وقال لـTRT عربي إن الدستور لم يُعَدَّل واللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات ما زالت مدسترة، فضلاً عن أن الدستور لا ينصّ صراحةً على شيء اسمه سلطة وطنية لمراقبة الانتخابات.

وضمن المنوال ذاته علّق المحامي عبد الرحمن صالح قائلاً إنه "يُراد لنا أن نصدّق أن هيئة الحوار والوساطة برئاسة كريم يونس أعدّت المشروع بعد سلسلة لقاءات ومشاورات، لكن واضح أن الحكومة من أعَدّ المشروع".

وفي حديثه لـTRT عربي من الناحية الإجرائية، قال المحامي صالح إنها لم تكُن عادية وتميزت بالسرعة القصوى لأن مراحل تسجيل ومناقشة وتصديق وتوقيع قانون يأخذ في العادة 45 يوماً.

ردود متباينة

وإزاء هذا الوضع جاءت ردود الأحزاب متباينة بشأن استحداث هذه الآلية الجديدة، وتفاوتت المواقف بين يرى أن شروط نزاهة الانتخابات قد تحققت، ومشكّك في استقلالية اللجنة.

وجاء في بيان لحزب طلائع الحريات أن الشروط المؤسَّساتية والقانونية لإجراء اقتراع رئاسي شفاف وصحيح وغير مطعون عليه قد تحققت عموماً، ولكن يبقى شرط توفير الشروط السياسية الملائمة وخلق المناخ الهادئ.

أما القيادي في حركة مجتمع السلم ناصر حمدادوش فيرى أن العبرة في الإرادة السياسية التي ستُمنح لهذه السُّلْطة الانتخابية، فهي هبة فوقية ولم تنتج عن توافق حقيقي وحوار جادّ بين السُّلْطة والمعارضة.

وأشار حمدادوش في حديثه لـTRT عربي إلى أن العبرة في الأفعال لا في مجرد الأشخاص، وفي الاستقلالية الحقيقية والسيادة الكاملة لعمل هذه السُّلْطة الانتخابية.

من جهته، اعتبر القيادي في حزب الجيل الجديد حبيب براهمية أن الذهاب إلى انتخابات في أحسن الظروف استُبدل به انتخابات في أقرب الآجال والحوار مع كل أطياف المجتمع استُبدل به حوار أحاديّ لم تسمع فيه كلمة الحراك.

وعلى هذا الأساس خلص براهمية في حديثه لـTRT عربي إلى أن الهيئة المستقلة جاءت معيَّنة ولا استقلالية لها، وهذا ما نرفضه تماماً، لأن الجزائر تعيش أزمة ثقة، ولن تستردّ هذه الثقة بمواصلة نفس مناورات النِّظام السابق.

سبب للتصعيد أم خطوة نحو الاستقرار؟

كانت ولادة السُّلْطة المستقلة للانتخابات في ظرف سياسي مضطرب يشهد حالة من الانسداد، بعدما اتسعت الهوة بين تصورات المؤسَّسة العسكرية لحل الأزمة، والمطالب الشعبية الحريصة على افتكاك ضمانات جدية قبل الذهاب نحو الانتخابات.

وفي أعقاب إعلان الحكومة عن استحداث هذه اللجنة، انتقل النقاش إلى مواقع التواصل الاجتماعي بين رواده من الجزائريين، واختلفت مواقفهم بشأنها بين من يرى أنها مكسب للحراك ومشكّك في نية السُّلْطة.

في السياق ذاته ينظر أستاذ بكلية الإعلام والعلوم السياسية سمير رزيق إلى السُّلْطة المستحدثة على أنها ليست صدقة أو مزّية من أحد، وإنما هي مكسب ديمقراطي من مكاسب الحراك، كغيرها من المكاسب، مثل عزل بوتفليقة وسجن العصابة.

ويعتقد رزيق أن حجم المسؤولية الملقاة على عاتق اللجنة ورئيسها كبيرة وأنه لا بديل للجزائر من انتخابات رئاسية لاستقرار البلد ومواصلة النضال في كنف الأمن والاستقرار.

وأكَّد رزيق في تصريح لـTRT عربي أن السُّلْطة الوطنية المستقلة للانتخابات استبعدت وجوه النِّظام السابق، تفادياً للتزوير، لهذا يرى أنه من حقّ أي مواطن رفض الانتخاب، لكن ليس من حقه التهجم على من يريد الانتخاب.

لكن أستاذ العلوم السياسية إسماعيل معراف كان له رأي مخالف، إذ قال عن اللجنة إنها نتاج فكر "العصابة الحاكمة المتمثلة في العسكر"، مدعومة من قوى خارجية لا تريد للشعب أن يصل بثورته السلمية إلى دولة الحقّ والقانون.

وقال لـTRT عربي إن هؤلاء يراهنون على انتخابات محسومة مُسبَقاً ومصحوبة بكثير من المخاطر، منها إصرار الحراك على عدم التوقف، حتى إنه الممكن أن يصبح راديكاليّاً وينتقل إلى التصعيد بالإضراب العامّ والعصيان المدني.

وحسب قوله، فإن واشنطن أمهلت قائد أركان الجيش3 أشهر، فإن لم يُحسَم الأمر فستتدخل وتجبره على الرحيل والدخول في مرحلة انتقالية كخطوة مطمْئِنة للحراك، ومنه التحكُّم في مساره ضماناً لمصالحها ومصالح الدول الحليفة مثل فرنسا وروسيا.

المصدر: TRT عربي