كان لافتاً غياب إثيوبيا عن الجولة الأخيرة من مفاوضات سد النهضة برعاية أمريكية، التي كان من المقرر عقدها يومي 27 و82 من الشهر الماضي في واشنطن، مما طرح الكثير من التساؤلات والتكهنات حول دوافع هذه الخطوة وما سيترتب عليها من عواقب.

في بيان صادر عن وزارة المياه والري والكهرباء الإثيوبية في 27 من فبراير الماضي بينت أن الحاجة إلى مزيد من الوقت لاستكمال مشاورات داخلية حول الملف هي السبب وراء قرار التغيب، وهو ما يوضحه ديجاني يماني ميسلي المحاضر في القانون الدولي بجامعة وللو بإثيوبيا قائلاً: "أديس أبابا بحاجة إلى إعداد نسختها الخاصة من الاتفاقية بشأن الملء الأول والتشغيل السنوي للسد".

بين المشاورات والانتخابات

في حديثه لـTRT عربي، يؤكد المحاضر في القانون الدولي ديجاني يماني أنّ حاجة أديس أبابا لنسخةٍ خاصّة من الاتفاقية يرجع إلى حقيقة أن مسوَّدة الصفقة التي أُرسِلَت من الولايات المتحدة "كانت غير متوازنة وضدّ مصالح إثيوبيا".

وكان ميسلي اعتبر في مقال بصحيفة أديس ستاندرد أن لجوء مصر إلى مناشدة الولايات المتحدة والبنك الدولي التدخل كان تصعيداً متعمَّداً أدَّى إلى تعقيد عملية التفاوض، ومحاولة لتحقيق مصالح مصر عن طريق ضغط خارجي، في حين أن موضوع النزاع كان من الممكن حله عن طريق التفاوض بين الدول المعنية لو توافر حسن النية، وَفْقاً لميسلي.

في المقابل يرى بدر الشافعي دكتور العلوم السياسية المختص في الشؤون الإفريقية، أن التأجيل كان لكسب الوقت، موضحاً في إفادته لـTRT عربي أن "إثيوبيا بعد الانقلاب في مصر أصرّت على مبدأ أن المفاوضات لن توقف بناء السد، في حين أن مصر طلبت وقتذاك حل القضايا العالقة أولاً وإجراء الدراسات المطلوبة من اللجنة الدولية قبل البناء، لكن أديس أبابا اشترطت هذا الأمر والقاهرة للأسف وافقت عليه".

يرجع طلب التأجيل الإثيوبي جزئيّاً إلى وجود ضغط سياسي كبير على حكومة إثيوبيا حتى لا توقع على صفقة يُنظَر إليها على أنها تتعارض مع المصالح الوطنية.

وليام ديفسون، مختصّ في الشأن الإثيوبي

وليام ديفسون المختصّ في الشأن الإثيوبي والباحث المتقدم بمجموعة الأزمات الدولية، في إفادة لـTRT عربي، يرجع طلب التأجيل الإثيوبي "جزئيّاً إلى وجود ضغط سياسي كبير على حكومة إثيوبيا حتى لا توقع على صفقة يُنظَر إليها على أنها تتعارض مع المصالح الوطنية، وهذا مصدر قلق لرئيس الوزراء في ضوء الانتخابات المقبلة".

في سياق مقابل يرى الدكتور الشافعي أن الانتخابات هي مناورة وحجة للتأجيل، ويضيف: "كان من المفترَض أن يعلنه الطرف الإثيوبي من البداية لو كان صادقاً"، مضيفاً أنه سواء كسب آبي أحمد أم لا فالمشروع مشروع قومي لا يمكن أن يفرط الفائز، من وجهة نظرهم، في تقديم أي تنازلات لمصر بخصوصه".

جدير بالذكر أن القاهرة وقّعَت بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق الذي طرحته الولايات المتحدة الأمريكية، معلنة في بيان للخارجية المصرية أن ذلك تأكيد لجديتها في تحقيق أهداف هذا الاتفاق ومقاصده، داعية كلّاً من السودان وإثيوبيا إلى التوقيع عليه باعتباره اتفاقاً عادلاً ومتوازناً ويحقّق المصالح المشتركة للدول المعنية.

من جهته رفض السودان التوقيع مُبدِياً التزامه العملية التفاوضية للوصول إلى اتفاق شامل لملء وتشغيل سدّ النهضة الإثيوبي بما يحفظ مصالح الدول الثلاث.

ما بعد الغياب

أعقب انتهاء جولة المفاوضات في واشنطن بيان لوزير الخزانة الأمريكية ستيف منوتشين شدّد فيه على أنه لا ينبغي البدء بملء الخزان "دون إبرام اتفاق"، وهو ما ردّت عليه أديس أبابا ببيان مشترك لوزارات الخارجية والطاقة والمياه الإثيوبية أكّد أن الملء الأولي لخزان سدّ النهضة سيبدأ بالتوازي مع عمليات البناء، مستندة إلى حقّها في الاستخدام العادل والمنصف لموارد النيل، وفي حين يتوقع أن يبدأ الملء الأولي في يوليو/تموز القادم، أعلن مجلس الوزراء الإثيوبي رفضه المشاركة في أي مفاوضات تضرّ بمصالح البلاد العليا، وفق قوله.

"هذا أحد مظاهر التأثر الفوري بالغياب الإثيوبي"، يقول المحاضر الإثيوبي ميسلي، مبيّناً أن الرد الإثيوبي كان معبّراً عن خيبة أمل أديس أبابا، وأن المفاوضات لم تصل إلى ختامها بعد، مضيفاً أن المسودة التي وقّعَتها مصر والحال هكذا هي صفقة أمريكية أكثر من كونها نتيجة تفاوض الدول الثلاث المعنية.

ووَفْقاً لميسلي فإن الدول المتصارعة ستدخل في مرحلة أخرى من النزاعات، مؤكداً اعتقاده أن إثيوبيا لن توقع على الصفقة مهما كانت الضغوط الدبلوماسية.

من جهته يرى وليام ديفسون أن القرار الإثيوبي رغم تعكيره أجواء التفاوض، فإن استئناف المحادثات قريباً هو الخيار الأرجح، مضيفاً أن ضغوطاً تقع على المفاوضين الإثيوبيين لتأجيل مزيد من المحادثات إلى ما بعد الانتخابات.

الرد الإثيوبي كان معبّراً عن خيبة أمل أديس أبابا والمفاوضات لم تصل إلى ختامها بعد.

ديجاني يماني ميسلي، محاضر في القانون الدولي بجامعة وللو بإثيوبيا

ويُعَدّ سد النهضة أو سد الألفية الذي وَضَع حجرَ أساسه رئيس الوزراء الأسبق مليس زيناوي عام 2011، أحد المشروعات القومية التي تَحظَى بإجماع القوى الإثيوبية في بلد شديد التنوع عرقيّاً وسياسيّاً، كما يتوقع أن يكون رافعة اقتصادية للبلاد، إذ سيصبح أكبر سدّ كهرمائي في إفريقيا.

وتُعَدّ الفترة الزمنية المطلوبة لملء خزان السد العملاق من أهمّ نقاط الخلاف بين أطراف المفاوضات، إذ سيحتاج ذلك إلى كميات كبيرة من مياه النيل الأزرق الواصلة إلى السودان ثم مصر، ممَّا قد يؤدي بشكل ملحوظ إلى أن تقلّ حصة البلدين من تدفُّق النيل خلال تلك الفترة، وهو ما يثير مخاوف القاهرة بشكل كبير.

هل كان الغياب بتنسيق مع واشنطن؟

طرح التغيُّب المفاجئ لإثيوبيا عن جولة المفاوضات التساؤلات حول تنسيق بين الجانبين في هذا المجال، ولا سيما في ظلّ الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي لأديس أبابا يوم 18 فبراير الماضي، وهو ما يرفضه الدكتور بدر الشافعي، مضيفاً أن الولايات المتحدة "كانت في وضع صعب نتيجة تغيب أديس أبابا".

من جهته يؤكّد المحاضر القانوني ديجاني ميسلي أن الولايات المتحدة والبنك الدولي كانا على علم بغياب إثيوبيا، مضيفاً: "أخبرني مطّلعون أن إثيوبيا أرسلت خطاباً إلى وزارة الخزانة الأمريكية تطلب عدم إعداد وإرسال المسودة النهائية للاتفاقية"، وتابع قائلاً: "لكن الوزارة أرسلتها على الرغم من الإخطار الإثيوبي المسبق".

مما يؤشّر إلى رغبة أمريكية بمشاركة إثيوبيا في الجولة النهائية المذكورة، وهو ما يتّسق مع تحليل للدبلوماسي الإريتري السابق في أديس أبابا محمد إدريس جاوج الذي ذهب إلى أن مفاعيل مفاوضات السد ليست فقط في انتخابات إثيوبيا، بل كذلك في أمريكا حيث يخوض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سباقاً تنافسيّاً محموماً مع مايكل بلومبيرغ، وأن الوصول إلى اتفاق نهائي بين الأطراف المعنية بموضوع السد سيُعَدّ انتصاراً للدبلوماسية الخارجية تصبّ مكاسبه في حملة ترمب للفوز بالفترة الثانية له في البيت الأبيض.

عواقب الغياب

بعد كل ما سبق كثرت التكهنات حول مصير المفاوضات الثلاثية وإن كانت قد وصلت فعلاً إلى نهايتها، ورافق ذلك كثير من علامات الاستفهام حول طبيعة ردّ الفعل الأمريكي لإنقاذ وساطته من الفشل.

موقف واشنطن والبنك الدولي هو مجرد منسّق ولم تصدر عنهما أي ضغوط ولعلّ هذا ما يجعل إثيوبيا تتعامل بأريحية.

بدر الشافعي، دكتور العلوم السياسية مختصّ في الشؤون الإفريقية

وفي هذا السياق يتوقع المحاضر القانوني ديجاني ميسلي أن الحكومة الأمريكية ستمارس ضغوطاً على نظيرتها الإثيوبية بما قد يؤدِّي في النهاية إلى رفض الوساطة الأمريكية، وأن هذا سينتج عنه في النهاية قطع واشنطن والبنك الدولي مساعداتهما لإثيوبيا، مضيفاً أنه لن تُتّخَذ خطوات أبعد من هذا.

في حين يرى الدكتور الشافعي أن موقف واشنطن والبنك الدولي هو مجرد منسّق، ولم تصدر عنهما أي ضغوط، ولعلّ هذا ما يجعل إثيوبيا تتعامل بأريحية، مضيفاً أن "أمريكا والبنك الدولي لو كانا ضغطا في هذا الإطار كان لا بد لإثيوبيا من أن تستجيب".

وتابع الشافعي بأن من الواضح أن العلاقات بين واشنطن وأديس أبابا أقوى من موضوع سد النهضة، وأن الولايات المتحدة لن تخسر إثيوبيا من أجل سد النهضة، ووَفْقاً للشافعي فإن الأخيرة تؤدِّي دوراً كبيراً لمصلحة واشنطن في منطقة القرن الإفريقي وتهدئة الصراعات في هذه البقعة الحيوية.

من جهته يتوقع ديفسون أن تشجع الولايات المتحدة والبنك الدولي إثيوبيا على محاولة الإسراع بوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية التعبئة والتشغيل مع مراعاة بعض المخاوف الإثيوبية.

المصدر: TRT عربي