تعاني البلدان العربية من واقع سياسي متأزّم، عماده أنظمة ديكتاتورية قمعية، لا تتهاون في كبت الحريات وتكميم الأفواه واعتقال المعارضين، لكن المشكلة لا تقف عند هذا الحدّ، بل تبدأ منه فقط.

لعلّ أسوأ ما تمارسه هذه الأنظمة لضمان استمرار هيمنتها على السلطة والمجتمع هو الاعتقال التعسُّفي، وما يتبعه من وسائل لقهر المعتقلين السياسيين، وبينها التعذيب الممنهج، بقصد الإجهاز على نوازع المعارضة والتمرد السلمي على السلطة القائمة.

ولا يكاد تقرير لمنظمة حقوقية إقليمية أو دولية يخلو من فضح لممارسات هذه الأنظمة في ما يتعلق باعتقال قادة الرأي والناشطين السلميين وتعذيبهم بأساليب مختلفة ومتنوعة تنمّ عن امتهان للكرامة البشرية والغرق في مستنقع التوحش المنظَّم.

وعلى الرغم من أن أعداد المعتقلين السياسيين في كل دولة من الدول المحكومة بنظام قمعي تتراوح بين مئات وآلاف، وأحياناً عشرات الآلاف، فإنه عند استعراض بضعة نماذج من هؤلاء المعتقلين، بخاصة من باتوا حديث وسائل الإعلام، ويحظى بعضهم بشعبية كبيرة، سنستنتج حجم المأساة التي تقبع خلف قضبان السجون العربية، وفلسفة احتقار الإنسان والحرب على المجتمع التي تقطر من سياط زبانية التعذيب.

نماذج بارزة

ففي مصر نماذج عديدة لا يمكن حصرها في تقرير واحد، إذ يقبع في سجونها عشرات الآلاف من المعارضين والناشطين، تَعرَّض أغلبهم للتعذيب وسوء المعاملة، وجرى توثيق وفاة مئات منهم نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي، لكننا سنركز على مثال واحد هو المدون والمبرمج والناشط الحقوقي المصري علاء عبد الفتاح.

اعتُقل عبد الفتاح في عهد مبارك، وكذلك في عهد المجلس العسكري الذي تولى زمام السلطة بعد الإطاحة بالرئيس حسني مبارك عام 2011، لكن الاعتقال الأهمّ وقع له في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وذلك في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، بتهمة التحريض على التظاهر، وحُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات لم ينجُ فيها من سوء المعاملة.

بعد اعتقاله، تَعرَّض المصري عبد الفتاح لعصب عينيه وتجريده من ملابسه على أيدي ضباط السجن الذين انهالوا عليه ضرباً وركلاً
بعد اعتقاله، تَعرَّض المصري عبد الفتاح لعصب عينيه وتجريده من ملابسه على أيدي ضباط السجن الذين انهالوا عليه ضرباً وركلاً (AFP)

وبعد أشهر من الإفراج عنه في مارس/آذار الماضي 2019، واشتراط تسليم نفسه كل يوم مساء لقسم الشرطة للمبيت فيه 12 ساعة، أعادت قوات الأمن اعتقاله في أيلول/سبتمبر، حيث نقل إلى سجن "طرة شديد الحراسة 2"، وهو سجن سيِّئ السمعة في مصر، ويُعرف أيضاً باسم "سجن العقرب 2". وهناك تَعرَّض عبد الفتاح لعصب عينيه وتجريده من ملابسه على أيدي ضباط السجن الذين انهالوا عليه ضرباً وركلاً، كما وجهوا إليه تهديدات وشتائم، وقال له أحد الضباط إنه سيبقى في السجن بقية عمره، كما هدّده ضابط آخر بأنه سيتعرض لمزيد من التعذيب إذا ما أبلغ عن الإيذاء الذي لاقاه.

أما في السعودية، ففي غمرة الاعتقالات التي شنّتها السلطات ضدّ علماء ونشطاء ومثقفين، لم تتوانَ عن اعتقال الشيخ سلمان العودة في سبتمبر/أيلول دون تهمة واضحة، لتوجّه إليه النيابة العامة لائحة طويلة من الاتهامات التي رأى مراقبون وحقوقيون أنها ملفَّقة.

وأكّد عبد الله العودة نجل الداعية السعودي أن والده يتعرض في السجون لمعاملة تُصنَّف دوليّاً على أنها تعذيب، وأكّد أن العودة محروم من أبسط حقوقه الإنسانية، كحقه في العلاج وحتى حقه في النوم، إذ كان يُحَقَّق معه لأيام طويلة متواصلة دون أن يغمض له جفن، كما أنه كان يتم تقييد يديه وقدميه ويُلقى داخل زنزانة العزل الانفرادي مغمض العينين، ثم يُرمى له الطعام في أكياس صغيرة وهو ما زال مقيَّداً، فيُضطرّ إلى فتحها بفمه حتى تَجرَّحَت أسنانه.

أكّد عبد الله العودة نجل الداعية السعودي أن والده يتعرض في السجون لمعاملة تُصنَّف دوليّاً على أنها تعذيب
أكّد عبد الله العودة نجل الداعية السعودي أن والده يتعرض في السجون لمعاملة تُصنَّف دوليّاً على أنها تعذيب (AA)

وكذلك في الإمارات، التي تشتهر سجونها بتعذيب المعارضين على نطاق واسع وممنهج، توُفّيَت المعتقلة الإماراتية علياء عبد النور العام الماضي، التي عُرفت بتقديم المساعدة للمحتاجين من اللاجئين والنازحين السوريين، وبذل جهود الخير والإحسان وجمع التبرعات لهذا الهدف، بعد صراع مع المرض داخل السجن، ورفض سلطات أبو ظبي إطلاق سراحها للعلاج، فيما قال نشطاء إنها توُفّيَت جراء التعذيب.

ورغم اعتقال جهاز أمن الدولة عبد النور منذ 2015 وإدانة المحكمة لها بتهم تتعلق بالإرهاب، فإنه أبقى عليها في مقرّ احتجاز سري تحت التعذيب وسوء المعاملة. وتَسرَّب في شهر مايو/أيار 2018 تسجيل لعبد النور، تُفِيد فيه بتعرُّضها للتعذيب والتخويف، وحرمانها من العلاج والأدوية المناسبة، إذ اكتشف الأطباء إصابتها مجدداً بمرض السرطان الذي شُفيت منه في 2008، وعاد لها في ظل ظروف اعتقالها المأساوية ودون علاج طبي كافٍ، ليستشري السرطان في كامل جسمها، مما تسبب في وفاتها في المستشفى وهي مقيَّدة في سريرها وتحت حراسة مشدَّدة.

أغراض التعذيب

بعد عرض تلك النماذج، يلاحَظ أن الأنظمة العربية القمعية لم تتوانَ عن ممارسة الإهانة والتعذيب والمعاملة السيئة مع المعتقلين السياسيين لديها، بغضّ النظر عن مكانتهم أو شعبيتهم، مما يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لتعذيب المعتقلين، والإصرار على إذلالهم وعدم الاكتفاء أحياناً بإدانتهم في محاكمات شكلية.

عمر الشغري، معتقل سوري سابق في سجن صيدنايا سيئ الصيت قرب دمشق، ليس المعتقل السوري الوحيد الذي تعرض لتعذيب ممنهج في معتقلات بشار الأسد في السنوات الأخيرة، فهو واحد من مئات الآلاف، إلا أنه بعد إطلاق سراحه عقد العزم على كشف الستار عن حقيقة ما يجري وراء القضبان وفي الأقبية المظلمة، ليقدم شهادات مخيفة، حظيت بتغطية إعلامية واسعة حول العالم، واستضافه عديد من المؤسسات، منها البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي، بوصفه ناشطاً في الدفاع عن المعتقلين وقضيتهم السامية.

أهداف التعذيب للمعتقلين تشمل ضبطهم ومحاصرة آمالهم وتدمير الثقة بينهم
أهداف التعذيب للمعتقلين تشمل ضبطهم ومحاصرة آمالهم وتدمير الثقة بينهم ()

الشغري، الذي اعتُقل في سنّ 17 عاماً خلال مشاركته في مظاهرات بانياس السورية عام 2012 في البلاد، وخرج بعد ثلاث سنوات بوزن 35 كجم، تحدث لـTRT عربي عن أهداف الأنظمة العربية بشكل عامّ والنظام السوري بشكل خاصّ من تعذيب المعتقلين.

يقول الناشط السوري والمعتقل السابق: "أعتقد أن أهداف التعذيب للمعتقلين تشمل ضبطهم ومحاصرة آمالهم وتدمير الثقة بينهم". واستطرد قائلاً: "إحدى وسائل التعذيب هي التجويع، إلى درجة أن بعض المساجين يُضطرّ إلى قتل مساجين آخرين في سبيل النجاة، مما يجعل الجميع يفتقرون إلى الأمان والثقة بعضهم تجاه بعض، بما يزيد العذاب النفسي لهم وتحطيمهم من الداخل".

وأضاف: "كذلك يساهم الاغتصاب كوسيلة تعذيب بتدمير العلاقات بين المساجين، إذ إن الثقافة العربية تُهين المغتصَب بغضّ النظر عن الأسباب والظروف وتعزله، والعزلة في السجن هي موت محتَّم".

ومن ضمن قائمة الأهداف الكامنة خلف التعذيب الممنهج للمعتقلين السياسيين، حسب الشغري، تخويف الناس خارج السجون. ويشير إلى أنه "غالباً ما تلجأ الحكومات العربية إلى الإفراج عن بعض المعتقلين، لا لبراءتهم في نظر الحكومات، ولكن لأن خروجهم وروايتهم تفاصيل التعذيب الذي تَعرَّضوا له يزيد الرعب والخوف بين الناس، بما يؤدي إلى الصمت، لأن الأمان أهمّ من الحرية عند أغلب الناس".

ويتفق المحامي والحقوقي المصري حسين عمار مع الشغري، ويرى أن أبرز أهداف التعذيب في السجون العربية، لا سيما المصرية، هو "إذلالهم وكسر عزيمتهم وإرادتهم حتى يتركوا مساحات العمل العامّ"، وأيضاً "إجبارهم على الاعتراف بالاتهامات الموجَّهة إليهم".

لا حصانة لمعتقَل

وحول سبب عدم امتناع السلطات القمعية عن تعذيب المعتقلين الذين يتمتعون بشعبية ما أو مكانة تفوق أحياناً حدود البلد الذي ينتمون إليه، رأى عمار، وهو ناشط سياسي، في حديث معTRT عربي، أن "السلطات القمعية لا تنظر باهتمام إلى محبي معارضيها أو جمهورهم عندما يتجاوزون الحدود التي ترسمها هي لمثل هذه الشخصيات"، ويضيف: "هذه السلطات تتعامل في هذا الصدد من منطلق القوة وإحكام السيطرة على زمام الأمور داخل مؤسسات الدولة وخارجها".

من جهته يرى عمر الشغري، المعتقل السوري السابق والناشط الحقوقي، أن النظام "طبعاً سيعذر الأشخاص أصحاب الشعبية، لأنهم هم نواة الحَراك، فبتعذيب البعض يخاف البعض الآخر.

لكن ما موقف المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية المعنية بالدفاع عن حقوق المعتقلين، ولا سيما فئة معتقلي الرأي والمعارضين السياسيين؟ ولماذا لا يشكّل الموقف الدولي الذي يتبنى رسميّاً شرعة حقوق الإنسان ضغطاً، أو على الأقلّ يضع قيوداً على ممارسات الأنظمة بحق المعتقلين؟

يجيبنا الشغري بقوله: "الأنظمة العربية على علم بالضوء الأخضر المفتوح لها؛ تعلم هذه الحكومات أن لا دولة ولا مجتمعاً دوليّاً سيعاقبهم بشكل جدي على تعذيب معتقلين، بالإضافة إلى أنهم لا يسمحون للجان دولية بدخول معتقلاتهم الحقيقية".

المصدر: TRT عربي