أظهرت الاكتشافات الأخيرة في حوض المشرق شرقي البحر المتوسط أنّ الجرف القاري للمنطقة، المُتنازع عليها بين الدول المتجاورة، يحتوي على احتياطيات غازٍ طبيعي ضخمة.

سفينة ياووز التركية تبدأ أولى أعمالها التنقيبية شرقي البحر المتوسط
سفينة ياووز التركية تبدأ أولى أعمالها التنقيبية شرقي البحر المتوسط (AA)

وربما كانت تلك الأخبار سعيدةً بالنسبة لكل الدول الساحلية، ومنها: تركيا، ومصر، وإسرائيل، ولبنان، وسوريا، وقبرص التي تمتلك إدارتين منفصلين منذ عام 1974، يقود إحداهما القبارصة الأتراك في الجزء الشمالي من الجزيرة، في حين يُسيطر القبارصة اليونانيون على الجزء الجنوبي منها.

لكن احتياطيات الغاز المكتشفة حديثاً تقع داخل مناطق متنازع عليها بين تركيا والإدارة القبرصية الرومية، ومناطق أخرى متنازع عليها بين إسرائيل ولبنان.

وبخلاف النزاعات البحرية بين تلك الدول، يُهدد الاكتشاف بخلق مشكلاتٍ سياسية خطيرة، ما دفع الخبراء للاعتقاد بأنّ التنقيب عن الغاز قد يجعل الأمور أسوأ وليس أفضل.

وحين اعترضت تركيا على الانقلاب المصري عام 2013 ضد محمد مرسي، رئيس البلاد المنتخب ديمقراطياً، ساءت العلاقات بين تركيا ومصر نتيجةً لذلك.

وسيطرت التوترات السياسية على العلاقة بين إسرائيل ولبنان منذ عقود. إذ غزت إسرائيل الأراضي اللبنانية عدة مرات، ما أسفر عن آلاف الضحايا. في حين سقطت سوريا، جارة إسرائيل ولبنان، في فخ الحرب الداخلية منذ عام 2011.

وفي قبرص، الواقعة في قلب شرق البحر المتوسط، فشل سكان الجزيرة من الأتراك واليونانيين في التوصّل إلى اتفاقٍ مع بعضهم البعض منذ التدخُل التركي عام 1974. إذ كان التدخل يهدف إلى الحيلولة دون تغيير الوضع السياسي القائم داخل الجزيرة في أعقاب الانقلاب العسكري القبرصي اليوناني ضد حكومة جمهورية قبرص المعترف بها عالمياً.

ومع استئناف محادثات قبرص عام 2015، كانت هناك آمال بأن تُلهم احتياطيات الغاز المكتشفة حديثاً كلّاً من القبارصة الأتراك واليونانيين لعلاج حالة الجمود السياسي التي تعيشها الجزيرة.

لكن ذلك لم يحدث. ففي أعقاب فشل المحادثات التي رعتها الأمم المتحدة؛ أعلنت تركيا أنّ أنقرة سترد بحزمٍ على تنقيب القبارصة اليونانيين عن الغاز في المنطقة أُحادياً، وبدأت جهودها التنقيبية الخاصة في أبريل/نيسان عام 2017.

وقال فاتح دونماز، وزير الطاقة التركي، أمس في ما يتعلّق بجهود أنقرة التنقيبية: "هدفنا هو فتح بئري حفرٍ بمعدل عامٍ واحد في المتوسط، باستخدام سفينة الفاتح".

ما المخاطر في شرق البحر المتوسط؟

حتى وقتٍ قريب، كانت دول شرق البحر المتوسط تعتمد على واردات الغاز لتلبية احتياجات الطاقة. ولكن اكتشافات الغاز البحرية الجديدة جعلت من حلم الاكتفاء الذاتي واقعاً يمكن تحقيقه للدول الساحلية، مع خيار تصدير ذلك الغاز إلى الأسواق العالمية، وأهمها السوق الأوروبي.

وإجمالاً، يحتوي حوض شرق المتوسط على احتياطيات غازٍ طبيعي تصل إلى 3.45 تريليون متر مكعب، إلى جانب 1.7 مليار برميل من النفط، حسب زليخة خاشمان التي تعمل أستاذةً للعلاقات الدولية بجامعة الشرق الأدنى في جمهورية شمال قبرص.

وقالت زليخة في حديثها إلى شبكة TRT: "من المقدّر أنّ موارد الغاز الطبيعي المكتشفة حديثاً ستُمثّل موارد كبرى للمنطقة وأوروبا أيضاً".

وبيّنت أحدث الكشوفات أنّ حقلي غازٍ بالقرب من الحدود فلسطين المحتلة وهما ليفياثان وتمار، اللذين تسطير عليهما إسرائيل، يحتويان على كمياتٍ هائلة من احتياطيات الغاز الطبيعي التي تُقدّر بـ900 مليار متر مكعب على الأقل. وبإمكان حقل ليفياثان وحده أن يضمن "لإسرائيل" تلبية احتياجاتها من الغاز الطبيعي على مدار الأعوام الـ40 المُقبلة، حسب التقديرات.

لكن حقل غاز ظهر المصري يمتلك احتياطيات تصل إلى 850 مليار متر مكعب، أي ما يساوي احتياطيات حقلي غاز ليفياثان وتمار في شرق البحر المتوسط مجتمعين تقريباً.

ومقارنةً بمصر و"إسرائيل"؛ تمتلك جزيرة قبرص احتياطيات غازٍ أكثر تواضعاً تصل إلى 127 مليار متر مكعب في حقل أفرودايت بشرق البحر المتوسط، الذي يتبع الإدارة القبرصية الرومية. لكن تلك الاحتياطيات ستكفي لتلبية احتياجات الجزيرة من الطاقة لمدة أكثر من 100 عام وفقاً للخبراء.

ما مواطن النزاع الرئيسية حول حقول الغاز؟

يجب على الدول الساحلية في شرق البحر المتوسط أن تعثر على أرضيةٍ مشتركة لتقسيم احتياطيات الغاز بينها. ولفعل ذلك يجب أن تعثر تلك الدول على طريقةٍ لتحديد مناطقها الاقتصادية الخالصة.

لكن تحديد منطقةٍ اقتصاديةٍ خالصة ليس مهمةً سهلة في شرق البحر المتوسط، بسبب قضية قبرص التي لم تصل إلى حلٍ بعد.

إذ ترفض الدولتان الاعتراف ببعضهما على الجزيرة المُقسّمة. وبعد عقدٍ كامل تقريباً من الجمود السياسي، في عام 1983، أعلن القبارصة الأتراك دولتهم المستقلة: جمهورية شمال قبرص التركية، والتي لم تعترف بها حتى الآن سوى تركيا.

ومنذ عام 2003، وقّعت إدارة قبرص الرومية اتفاقياتٍ مع مصر ولبنان وإسرائيل لتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة لكلٍّ منها في شرق البحر المتوسط، حسب زليخة. لكن تركيا لا تعترف بتلك الاتفاقيات، لأنّ أنقرة ترى أنّ الإدارة اليونانية لا تُمثّل كل سكان الجزيرة.

وأوضحت زليخة: أن "موطن الخلاف الرئيسي بين الدول، التي تمتلك ساحلاً في شرق البحر المتوسط، هو الحالة غير الواضحة لمناطقها الاقتصادية الخالصة. ولا شك في أنّ استمرار قضية قبرص يزيد حدة الخلاف القائم".

وأردفت قائلةً: إنّ تركيا طالبت بوقف أنشطة التنقيب القبرصية الرومية حتى التوصُّل إلى حلٍ لقضية قبرص.

وأضافت: أنّه حين تبيّنت صعوبة حل القضية في المستقبل القريب؛ "طلبت أنقرة من إدارة قبرص الرومية تشكيل لجنةٍ مشتركة لتحديد كيفية إدارة حقول الغاز بين الدولتين". لكن إدارة قبرص الرومية رفضت المطالب التركية حتى الآن، "موضحةً أنّ أنشطة التنقيب هي جزءٌ من حقوقها السيادية".

لماذا تُعارض تركيا الأنشطة أحادية الجانب لقبرص اليونانية؟

تُعارض تركيا أنشطة التنقيب عن الغاز لقبرص اليونانية في شرق البحر المتوسط بناءً على نقطتين سياستين أساسيتين: حقوق تركيا القومية في الجرف القاري بالمنطقة، وحماية أنقرة لحقوق القبارصة الأتراك فيما يتعلّق بحصتهم في كل موارد الجزيرة الطبيعية.

فأولاً: تُجادل تركيا بأنّ كافة أنشطة التنقيب القبرصية الرومية في المنطقة المذكورة هي أنشطةٌ إشكالية، إذ تنتهك حقوق البلاد في الجرف القاري بطول ساحلها على البحر المتوسط.

وبعد أن أعلنت إدارة قبرص الرومية عن مزادٍ للشركات العالمية الشهر الجاري من أجل تنفيذ أعمال التنقيب عن الهيدروكربونات البحرية في المنطقة، التي تحمل اسم "المنطقة المرخصة رقم 7"؛ أدانت وزارة الخارجية التركية تلك الخطوة بأشد العبارات.

وقالت الوزارة في بيانها: "إنّ قطاعاً كبيراً من المنطقة المرخصة رقم 7 المزعومة يقع ضمن نطاق الحدود الخارجية للجرف القاري التركي في شرق البحر المتوسط، كما هو مسجّلٌ لدى الأمم المتحدة".

وثانياً: دافعت أنقرة كثيراً عن الحقوق الوطنية للقبارصة الأتراك في أراضيهم ضد كيان الدولة الذي يُهيمن عليه اليونانيون، وترى في أنشطة التنقيب القبرصية الرومية عن الغاز -التي جرت دون التشاور مع القبارصة الأتراك من "شركائهم" في الجزيرة، أو الحكومة التركية- تصرُّفاً غير مقبول.

وتركيا هي واحدةٌ من الدول الثلاث الضامنة، إلى جانب بريطانيا واليونان، منذ تأسيس جمهورية قبرص عام 1960.

وبعد انقلابٍ قبرصي يوناني، كان يهدف إلى توحيد الجزيرة مع اليونان في يوليو/تموز عام 1974، تدخّلت تركيا -بوصفها دولةً ضامنة- في الجزيرة للحيلولة دون تغيير الوضع السياسي لجمهورية قبرص.

وعلى الرغم من الجهود الدولية، تعثّرت محاولات الوصول إلى تسويةٍ بين القبارصة الأتراك واليونانيين. وقبيل المحادثات الأخيرة التي أُجريت عام 2015، كانت آخر جهودٍ ملموسة لكسر حالة الجمود وحل النزاع القبرصي هي "خطة عنان" التي أطلقها الراحل كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، من أجل تسهيل دخول قبرص المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004.

وفشلت تلك المبادرة أيضاً. فعلى الرغم من تصويت القبارصة الأتراك من أجل تطبيق الخطة، رفضها غالبية القبارصة اليونانيين. وعلى الرغم من رفضهم، نجحت إدارة قبرص الرومية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مع احتجاجات تركية شديدة. إذ ترى تركيا في ذلك انتهاكاً لحقوق القبارصة الأتراك وللنوايا الحسنة لتركيا.

وترى أنقرة في أنشطة التنقيب القبرصية الرومية عن الغاز مؤخراً، داخل منطقة شرق البحر المتوسط، انتهاكاً "للحقوق الثابتة" للقبارصة الأتراك ونواياهم الحسنة.

إذ أوضح بيان الخارجية التركية في وقتٍ مبكّر من الشهر الجاري: "لا شك أنّ الجانب القبرصي اليوناني برهن -بتصرفه- مرةً أخرى على أنّه لم يتخلَّ عن موقفه الذي تسبّب في إنهاء مؤتمر قبرص في يوليو/تموز عام 2017 (في إشارةٍ إلى فشل محادثات عام 2015) دون التوصّل إلى نتيجة، علاوةً على تجاهل حقيقة أنّ الجانب القبرصي التركي له الحق في المساواة السياسية والملكية المشتركة للجزيرة".

المصدر: TRT عربي