بين أقبية سجن بوسليم الرهيب انطلقت شرارة الثورة الليبية، بعد أن لقي المئات من السجناء حتفهم سنة 1996 في مذبحة هي الكبرى من نوعها في تاريخ حكم معمر القذافي.

بعد مرور نحو 25 عاماً على ارتكابها، لم تندمل جراح المئات من عائلات الضحايا الذين تمت تصفيتهم في مجزرة سجن بوسليم الفظيعة. والتي لا تزال وقائعها وبعض تفاصيلها غائبة إلى اليوم.

وأدت المماطلة في الكشف عن ملابسات الجريمة الإنسانية في بوسليم، والكشف عن جميع المتورطين فيها إلى احتقان شديد، رغم تمويه السلطات الليبية حينها بالعمل على التسوية وتعويض العائلات، وذلك بضغط من المنظمات الحقوقية الدولية التي أثارت القضية. فأصبحت حادثة بوسليم مثل القنبلة الموقوتة، إلى جانب سجل طويل من الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها نظام القذافي، وأججتها عوامل التدهور السياسي والاقتصادي في البلاد حينها، لتنفجر أخيراً، وتندلع الثورة التي أطاحت بنظام حكم القذافي.

تصفية.. وإخفاء وتعتيم

يعتبر سجن بوسليم أحد أكثر السجون الليبية رعباً وعنفاً، وتم إنشاؤه سنة 1984 جنوب غرب العاصمة الليبية طرابلس. وكان في البداية مجرد معسكر للشرطة العسكرية، ومركز إيقاف للسجناء العسكريين أطلق عليه حينها اسم "الحصان الأسود".

إلا أنه بعد فترة تحول إلى معتقل لسجناء الرأي، وذلك تحت إشراف الأمن الداخلي الليبي، في حين أن قانون الجنايات الليبي يفرض إشراف وزارة العدل على السجون.

وضم المعتقل عدداً كبيراً من السجناء الذين تم إيقافهم في ظروف مزرية ولا تخضع لأي من مقومات الشروط الإنسانية التي يحق للسجين التمتع بها. إذ يتعرض المعتقلون بشكل مستمر للتعذيب والعنف الوحشي ويحرمون من عرضهم على القضاء لمحاكمتهم، ويمنعون من زيارات ذويهم منذ دخولهم السجن.

ومع ازدياد وتيرة الانتهاكات خلف القضبان، طالب السجناء بتحسين ظروفهم وقاموا بالعديد من الإضرابات والاحتجاجات طيلة سنوات دون جدوى، كان آخرها قيامهم باعتقال حارسين بالسجن يحملان إليهم الطعام مساء 28 يونيو/حزيران عام 1996، وذلك خلال احتجاج كبير قاموا به لمحاولة إخضاع السلطة، حسب ما نقل بعد ذلك شهود عيان في أثناء جلسات الاستماع. وعلى إثر مقتل أحد الحارسين المسجونين، قام حراس السجن بإطلاق الرصاص على السجناء فلقي 6 أشخاص حتفهم وأصيب 20 آخرون.

إلا أن المواجهات لم تثن السجناء عن مواصلحة احتجاجهم ومطالبتهم بالتفاوض مع المسؤولين على ضرورة تحسين ظروفهم بسجن بوسليم.

وكان على رأس الوفد المفاوض الذي أرسله معمر القذافي حينها، رئيس المخابرات عبد الله السنوسي، الذي وعد عقب لقائه ببعض السجناء بالاستجابة لمطالبهم شريطة الإفراج عن الحارس.

إلا أنه وبعد الإفراج عن الحارس، تم نقل المئات من السجناء صبيحة اليوم التالي أي يوم 29 يونيو/حزيران من عام 1996، إلى باحات السجن ليُفاجأ الجميع بفتح نيران الأسلحة الرشاشة على السجناء، ودام إطلاق الرصاص لساعات، في جريمة بشعة، بإشراف صهر القذافي ورئيس المخابرات عبد الله السنوسي.

وتشير تقارير نشرتها منظمة العفو الدولية، إلى أن المجزرة استمرت ليومين تقريباً لتصفية عدد من السجناء من بقية زنازين الاحتجاز باستخدام الأسلحة الفتاكة، لتتسبب في إعدام نحو 1269 من سجناء الرأي ومن بينهم ليبيون وفلسطينيون.

ولم تكتف السلطات بتصفية السجناء، بل تعمدت التعتيم على القضية وإخفاء الجثث في باحة السجن وفي مقابر جماعية. وحسب ما اعترف به متهمون في القضية، فإنه حتى إخفاء جثث الضحايا تم بمنتهى الوحشية. إذ تم إضرام النار في الجثث وسكب مواد كيميائية عليها، فيما ذكرت إفادات أخرى أنه تم استعمال البلدوزر الأصفر لدهس الجثث داخل الحفرة بباحة السجن لتتسع لعدد أكبر من الضحايا، وغيرها من الأساليب التي كشفت عن فظاعة ما ارتكبته السلطات وتشهد عليه الآن العديد من الأماكن في ليبيا.

وبعد أن تم التكتم والتعتيم على القضية وملابساتها ومصير السجناء طيلة سنوات، ومحاولة إخفاء معالم الجريمة وإنكارها، أمر القذافي بحلول سنة 2001 بإخبار عائلات الضحايا بوفاة ذويهم في السجن دون أي توضيح، فأدى ذلك إلى احتقان شديد، ومطالبات الأهالي بالتوضيحات وبتسلم الجثث. ولكن دون أي جدوى.

هل تلقى العدالة مجراها؟

رغم نجاح المسؤولين في فترة حكم القذافي في إخفاء تفاصيل أكبر مجزرة إنسانية حدثت خلف أقبية بوسليم، سجن الرعب الشهير، اعترف القذافي أخيراً بوقوع الحادثة وذلك عقب الضغط الذي تعرض له خلال المحادثات مع أعضاء منظمة العفو الدولية في فبراير/شباط عام 2004. وأمر على الفور بفتح تحقيق في ملابسات القضية ومحاكمة المتهمين وتقديم توضيحات لعائلات الضحايا.

ولم يكن القرار الذي قضى حينها بتمتيع عائلات الضحايا بتعويضات مالية، إلا دافعاً إضافياً قامت على إثره العائلات برفع دعوى قضائية للكشف عن ملابسات الجريمة وتسلم جثامين أبنائهم ومحاسبة المتورطين في ذلك.

وألهبت القضية مشاعر الليبين في ميادين الاحتجاج خلال ثورة 2011، وبنجاح الثورة وإسقاط نظام القذافي، تمت إثارة القضية من جديد مع إصرار متواصل من الأهالي على المحاسبة وإنصاف أبنائهم الذين لقوا حتفهم خلف قضبان سجن بوسليم.

لكن المحكمة العليا بليبيا قضت في ديسمبر/كانون الأول سنة 2019 بإسقاط التهم عن المتهمين بموجب انقضاء مدة الخصومة وتقادمها. فأثار ذلك سخط الأهالي ومخاوفهم من ضياع حق أبنائهم، إلا أنه خلال شهر مايو/أيار الماضي، أجبرت المحكمة على قبول الطعن ونقض حكمها وأحالت المتهمين إلى محكمة جنائية أخرى، وذلك تحت ضغط الرأي العام، وبالتالي سيتم إعادة النظر في القضية وإصدار حكم فيها.

وشأنها شأن كثير من الانتهاكات والجرائم الإنسانية التي كشفت عنها ثورة 2011، لا تزال قضية سجن بوسليم مفتوحة إلى اليوم، وسط غياب لحصر نهائي لعدد المتهمين المتورطين في المجزرة، واختفاء العديد من المعالم والتفاصيل للجريمة، وفرار المسؤولين عنها من المحاكمة وعلى رأسهم عبد الله السنوسي المحتجز حالياً في موريتانيا.

TRT عربي