تتزايد الآراء اختلافاً في الجزائر بين سلطة ترى في مشروع التعديل الدستوري الحل المخلّص من الفوضى السياسية والفساد الذي عاشته البلاد خلال حكم بوتفليقة ومعارضة ترى أن الظروف التي حرر فيها المشروع وما احتوى عليه ما هي إلا استمرار لنظام لا يريد أن يتبدل.

قبل أقل من شهر ونصف عن موعد الاستفتاء على مشروع التعديل الدستوري المقرر في الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تتزايد الآراء اختلافاً في الجزائر بين سلطة ترى في هذه الوثيقة الحل المخلّص من الفوضى السياسية والفساد الذي عاشته البلاد خلال حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ومعارضة تعتقد أن الظروف التي حرر فيها هذا المشروع القانوني وما احتوى عليه ما هي إلا استمرار لنظام لا يريد أن يتبدل رغم خروج ملايين الجزائريين في حراك 22 فبراير/شباط 2019 إلى الشارع للمطالبة بالتغيير الجذري.

وبعد تصديق البرلمان بغرفتيه على مشروع تعديل الدستور دون نقاش من النواب كافة كما كانوا يأملون، نُشرت أخيراً الوثيقة النهائية للدستور المنتظر في الجريدة الرسمية، التي سيستفتى بشأنها الشعب غرة نوفمبر/تشرين الثاني المقبل المصادف لذكرى ثورة التحرير التي خاضها الشعب في 1954 ضد الاستعمار الفرنسي.

يحمل جديداً

لا يرفض أستاذ العلوم السياسية بـ"جامعة الجزائر 3" رضوان بوهيدل بعض الانتقادات التي وُجهت إلى مشروع تعديل الدستور، ويعتبرها موضوعية، إلا أنه في الوقت ذاته يعيب في حديثه مع TRT عربي على أصحاب هذه الانتقادات أنهم لا ينظرون إلى النصف المملوء من الكأس بشأن المشروع.

وحسب بوهيدل، فإن أهم نقطة تضمنها هذا المشروع هي الفصل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وتوضيح طبيعة نظام الحكم في الجزائر باعتماد النظام شبه الرئاسي، لأنه النظام الأنسب للجزائر التي لا تزال غير مستعدة لتطبيق النظام البرلماني، بالنظر إلى ضعف الأحزاب وفشل البرلمان في أداء الدور المنوط به المتمثل في التشريع خلال السنوات الماضية.

ويثمّن بوهيدل أيضاً تحديد مشروع تعديل الدستور المطروح للاستفتاء مهام كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الذي تمت توسيع صلاحياته،ودسترة عديد من الحريات وتأكيد ضرورة تمكين المواطنين منها.

وتضمنت الوثيقة على سبيل المثال الحرص على ضمان حرية الصحافة ومنع الرقابة القبلية عليها، وحرية العبادة دون تمييز، وغيرها من الجوانب المتعلقة بالحقوق الأساسية، مثلما جاء في الباب الثاني من الوثيقة الدستورية.

استجابة للحراك

بالنسبة إلى رؤوف معمري المكلف بالإعلام في جبهة المستقبل، أحد الأحزاب المشاركة في حكومة الوزير الأول عبد العزيز جراد، فقال إن أهم ما تضمنه مشروع تعديل الدستور هو تلبيته كثيرًا من مطالب حراك 22 فبراير/شباط 2019.

وأوضح معمري لـTRT عربي أن هذه الاستجابة تظهر بداية في دسترة هذا الحراك بإدراجه في ديباجة الدستور الجديد للجزائر، في حال تصويت الشعب عليه بـ"نعم".

وجاء في ديباجة الدستور أن "الشعب يعبر عن حرصه لترجمة طموحاته في هذا الدستور بإحداث تحولات اجتماعية وسياسية عميقة من أجل بناء جزائر جديدة، طالب بها سلمياً من خلال الحراك الشعبي الأصيل الذي انطلق في 22 فبراير/شباط 2019".

أما توفيق هيشور عضو حركة عزم الذي شارك في عدد من مسيرات الحراك، فيقول إن مشروع تعديل الدستور لم يكن في مستوى تطلعاته، موضحاً في حديثه مع TRT عربي أنه في حال ما صوت الشعب لصالح هذه الوثيقة "سيكون دستور 2020 هو الأخطر في تاريخ الجزائر لأنه يحمل تناقضات في مواده، ويُكرسُ الإثنية كالثنائية اللغوية، أو الثنائية في التسيير بنظام خاص لبعض المناطق دونَ غيرها".

وأضاف أنه سيكون "دستوراً ملغماً وباباً للتفرقة والتشرذم، لذلك لا يمكن بحال من الأحوال قبوله بتلك الحالة المشوهة والعرجاء، كما أنه مثقل بمواد هادمة لقيم المجتمع وطاعنة في ثوابته".

ووصف هيشور الدستور المنتظر بأنه "دستور برامج" في حين أن المطلوب أن يكون للبلاد دستور قوانين، بل اعتبره لا يخدم الجزائر الجديدة التي يسعى إليها الجميع، وسيضيع فرصة الإقلاع الحضاري، كما أنه "ينافي قيم بيان أول نوفمبر التاريخي".

لكن رغم هذه العيوب التي تحدث عنها هيشور، فإن حركة عزم التي وُلدت عقب حراك 22 فبراير/شباط لم تفصل بعد في قرار المشاركة في الاستفتاء من عدمها، لتكون الأيام المقبلة حاسمة في اتخاذ الموقف النهائي من تكتُّل شبابي لا يؤمن بمبدأ الكرسي الشاغر، وفق هيشور.

أما رؤوف معمري فيكشف أن جبهة المستقبل قد حسمت أمرها مسبقاً، وستكون من الداعين إلى المشاركة بقوة يوم الاستفتاء، لأن السلطة استجابت لكثير من مقترحاتها التي قدمتها، إضافة إلى أن المشروع يحمل بحق في مضمونه النظري على الأقل أسس المرور إلى "الجزائر الجديدة"، ويحقّق مطالب اللحظة التاريخية التي جاء بها حراك 22 فبراير/شباط.

استمرارية النظام

غير أن حالة التفاؤل التي يعيشها رؤوف معمري وتتحدث عنها السلطة لا تزال غير موجودة عند قطب المعارضة، وفي مقدمتها قوى البديل الديمقراطي التي تضم عدة أحزاب سياسية وشخصيات وطنية وناشطين.

ووفق ما قاله النائب البرلماني عن حزب العمال رمضان تعزيبت لـTRT عربي، فإن مبادرة تعديل الدستور التي جاءت بها السلطة هدفها "الحفاظ على النظام المهترئ الذي ثار ضده الملايين منذ 22 فبراير/شباط 2019".

وأوضح تعزيبت أن "تعديل أو صياغة دستور في وضع ثوري يتطلب إعطاء الكلمة للشعب، وهو ما لم يحدث في اقتراح الاستفتاء الذي تم بطريقة تسلطية".

وأضاف: "ما أهمية الحديث عن استفتاء، في وقت تداس فيه جميع الحريات الديمقراطية ويُسجن مئات بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية، إضافة إلى تسجيل إغلاق إعلامي وسياسي غير مسبوق؟".

وعاش حزب العمال الذي ينتمي إليه تعزيبت في 2019 صدمة حقيقية، لمَّا أدانت المحكمة العسكرية بولاية البليدة المحاذية للعاصمة الجزائر الأمينة العامة للحزب لويزة حنون بثلاث سنواتسجناً من بينها تسعة أشهر نافذة.

ووقفت حنون في مايو/أيار 2019 في قضية "التآمر من أجل المساس بسلطة الجيش والتآمر ضد سلطة الدولة" لمشاركتها في اجتماع حضره السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق ورئيسا المخابرات السابقان الفريق محمد مدين واللواء بشير عثمان طرطاق بهدف وقف الحراك الشعبي الذي اندلع ضد الولاية الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، مثلما كان يقول رئيس أركان الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح.

ويؤكد رمضان تعزيبت أن الجزائر تعيش اليوم "وضعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً كارثياً لا يسمح للسلطة بأن يكون لها الحق في تعديل الدستور".

لكن الدكتور رضوان بوهيدل لا يوافق رمضان تعزيبت في تشاؤمه، ويؤكد في حديثه أنه إذا ما وفت السلطة بما تعهدت به، وبما حمله الدستور المنتظر بترجمته إلى قوانين عضوية وتنظيمية يمكن للجزائر أن تخرج من الأزمة السياسية التي تعيشها منذ سنوات، ولكن بشرط التطبيق الفعلي للقوانين.

المصدر: TRT عربي