يتناسب يوم 30 مارس/آذار مع تاريخ إبرام معاهدة باريس 1856 التي وضعت حداً لحرب القرم (1853-1856)، وهي من الأحداث المفصلية في تاريخ الدولة العثمانية الحديث.

تنزلت أحداث الحرب في سياق تاريخي تصاعدت فيه الضغوطات الداخلية والخارجية، ومنها حدة التنافس بين القوى الإقليمية ذات الطموحات التوسعية وخصوصاً منها الروسية، فضلاً عن القوى العظمى الاستعمارية الأوروبية إنجلترا وفرنسا أساساً، وبروز نزعات انفصالية جسدتها أساساً تجربة محمد على في مصر. لقد شكلت الحرب بالنظر إلى المدة الزمنية التي استغرقتها، وتعدد الدول التي انخرطت فيها وحجم الرهانات الترابية التي أثارتها، مقدمة فعلية لما سيُعرَف لاحقاً بالحروب العالمية التي ميزت النصف الأول من القرن العشرين. فما دوافع قيام الحرب ونتائجها؟ وما الأبعاد التاريخية لمعاهدة باريس التي أوقفت الحرب؟

وضعت حرب القرم في منتصف القرن التاسع عشر وجهاً لوجه الدولة العثمانية، في سعي منها للحفاظ على وحدتها الترابية من جهة ومن جهة مقابلة روسيا القيصرية الساعية إلى التوسع والحالمة بالوصول إلى المياه الدافئة جنوباً. وقد انخرطت فيها قوى أوروبية كاثوليكية استعمارية متحالفة على رأسها فرنسا وإنجلترا. وكانت حماية الأقليات المسيحية سواء منها الأرثذوكسية من جهة روسيا أو الكاثوليكية من جهة فرنسا وإنجلترا ذريعة للتدخل وممارسة ضغوطات كبيرة على السلطان العثماني عبد المجيد (1823-1861). وما انفكت روسيا في النصف الثاني للقرن الثامن عشر والنصف الأول للقرن التاسع عشر تتوسع جنوباً على حساب الأراضي العثمانية، ممارسةً كل أشكال التطهير العرقي والتهجير السكاني. وقد بلغت الضغوطات ذروتها في ما عرف بمسالة الأماكن المقدسة (القدس) ورعاية الأقليات الدينية، وعلى إثر منح السلطان العثماني امتيازات للكاثوليك في القدس في 1852 تحركت روسيا بذريعة حماة الأرثذوكس ومارست ضغوطات مباشرة توُجت بتحرك عسكري مباشر في منطقة شبه جزيرة القرم بداية من 1853.

انخرطت فرنسا وإنجلترا في الحرب إلى جانب الدولة العثمانية لتحجيم الدور الإقليمي الروسي، ومنع امتداد نفوذه غرباً وجنوباً ولمنع قيام فراغ استراتيجي في المنطقة، وقد خلفت خسائر بشرية هامة وساهمت الظروف المناخية الصعبة خصوصاً في شتاء 1854 و1855 في استدامة أمد الحرب وإنهاك كل جيوش الدول المتنازعة. كما كشفت، ورغم التفوق العددي للجيش الروسي، فوارق التسليح والتنظيم العسكري وقدرات الإمداد والصمود في معارك الاستنزاف والحصار في أكثر من مدينة، منها ألما وبالكلافا وخصوصاً سيباستوبول. وكان سقوط هذه الأخيرة في 12 سبتمبر/أيلول 1855 عبارة عن نهاية فعلية للمعارك والتي قادت الأطراف المتنازعة إلى إمضاء اتفاقية باريس في ربيع 1856، وقد ضغطت فرنسا من أجل إبرام المعاهدة في حين كانت إنجلترا مصرة على مزيد محاصرة روسيا في أراضيها خصوصاً في البلطيق ودفعها إلى تنازلات مهينة.

حرب القرم (Others)

بدأت المفاوضات التي أفضت إلى إمضاء المعاهدة في 25 مارس/آذار 1856 بوزارة الخارجية الفرنسية، وتواصلت إلى حين إمضاء المعاهدة في 30 مارس/آذار 1856، وقد كان الطرف الإنجليزي مصراً على معاقبة روسيا بفرض انسحابها من القوقاز وآسيا الوسطى. ولقد كان الموقف الفرنسي أكثر مرونة لا سيما في ما تعلق بتحجيم الدور العسكري لروسيا في البحر الأسود رغبة في تحييدها في ما يتعلق بترتيبات نابليون الثالث بخصوص إيطاليا. على الأرض تواصل التحرش الروسي بالأراضي العثمانية وتهجير آلاف الأسر العثمانية خارج أراضيها. لكن يمكن القول إن حرب القرم قد أنهكت الجيش الروسي وأوقفت حلم التوسع القيصري الكبير، ولم تفض حرب القرم في النهاية إلى تغيرات ترابية عميقة في الإقليم، وصمدت الدولة العثمانية في الدفاع عن أراضيها التاريخية. وقد أعادت اتفاقية باريس تنظيم توازن القوة بين الدول الأوروبية الذي افتتحه مؤتمر فيينا في 1815. فالنمسا التي لم تشارك في حرب القرم اعتبرت أكبر الخاسرين من ترتيبات ما بعد معاهدة باريس وعوقبت من قبل طرفي النزاع. وقد فتحت الحرب على توحيد ألمانيا وإيطاليا.

من جهتها استفادت الدولة العثمانية من الهزيمة الروسية ومن معاهدة باريس، وساهم الاحتكاك بالجيوش الفرنسية والإنجليزية في الانفتاح على التقنيات الحديثة، ومنها التلغراف والسكة الحديدية، لكن الحرب قد كرست أيضاً تدخلاً في الشؤون الداخلية، وفرضت تحديثاً من الخارج لاقى معارضة داخلية هامة خاصة في الأوساط الدينية، واندلعت في أكثر من مكان أحداث استهدفت الأقليات المسيحية وقادت المواجهات في سوريا إلى ما يصل إلى 20000 قتيل في 1860. تجدر الإشارة إلى أن الرواية التاريخية الغربية لمجريات الحرب وما بعد اتفاقية باريس قد همشت نسبياً الدور العثماني في الحرب ميدانياً لمصلحة وصم "الرجل المريض"، وسرقت رمزياً انتصار الجنود العثمانيين لمصلحة الجيوش الفرنسية والإنجليزية.

كان لمعاهدة باريس أهمية خاصة في التوازن على الساحة الدولية بين الدول الكبرى، فهي من المعاهدات التي صاغت الوجه السياسي لأوروبا خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وكانت مدخلاً مهماً لتطوير القانون الدولي حيث كانت بداية الفصل بين العقائد الدينية والعلاقات الخارجية، وانتقلت بالقانون الدولي من الحيز الأوروبي الذي كان يعبر في الأساس عن مجموعة من الأعراف غير الملزمة لغير الأوروبيين إلى إشراك الدولة العثمانية في هذا القانون الدولي.

ومهما يكن من أمر فقد فتحت هذه الأحداث وما تلاها على ضرورة التحديث والإصلاحات، وتعزيز مقومات الوحدة الترابية للأمة التركية كقوة إقليمية في محيط متحول ومعادٍ، وفي ظل تنافس دولي لا مكان فيه للضعفاء.

TRT عربي
الأكثر تداولاً