بعدما استعادت حركة طالبان الحكم في أفغانستان مجدداً، ومنيت الولايات المتحدة بهزيمة في حربها التي استمرت طيلة عقدين، لوح مسؤولون أمريكيون بضرورة معاقبة باكستان التي يرون أنه لولا مساعدتها لما تمكنت طالبان من التقدم والسيطرة على الحكم.

اعتبرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية، في تقرير نشرته مؤخراً، فشل الولايات المتحدة في أفغانستان يعكس في الوقت ذاته فشل سياستها في احتواء باكستان وضمها إلى المعسكر الأمريكي.

ولطالما مثلت إسلام آباد إحدى الداعمين الأساسيين لطالبان، منذ نشأتها في ثمانينيات القرن الماضي، وخلال فترة توليها الحكم. وربما تكون قد مدت لها يد العون مجدداً لتستعيد الحكم من جديد، كما يرجح ذلك مراقبون ومحللون.

ولعل أبرز مؤشر على ذلك احتفاء أعضاء بارزين في المؤسسة الأمنية والعسكرية الباكستانية بعودة طالبان إلى السلطة في كابل، وهزيمة القوات الأمريكية التي تدعي منح مليارات الدولارات من المساعدات والمعدات العسكرية عالية التقنية للحكومة الباكستانية.

وبينما فشلت الولايات المتحدة طيلة عقدين من التأثير على السياسات الباكستانية وضمها إلى معسكرها، تخفض طموحاتها اليوم في التعاون معها إلى مستوى مجرد التعاون في بعض عمليات مكافحة الإرهاب والعمليات الإنسانية في أفغانستان، فضلاً عن الدبلوماسية الإقليمية وإدارة الأزمات وفق المجلة الأمريكية.

و في السياق ذاته، سلطت فورين أفيرز الضوء على الثغرات التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ اجتياحها أفغانستان عام 2001، والفرص التي فوتتها، لكسب باكستان كحليف استراتيجي.

هل تخلت باكستان عن طالبان؟

تشير عدة مصادر، أنه منذ الانسحاب السوفييتي من أفغانستان في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وسعياً منها لمواجهة تهديد منافسيها في المنطقة الهند وإيران، اختارت إسلام آباد دعم حركة طالبان، التي نجحت بعد ذلك في الوصول إلى سدة الحكم عام 1996. ولم تسحب دعمها الرسمي لطالبان إلا بعد ضغط إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، التي أقنعتها حينها بضرورة الانضمام إليها في ما اعتبرته حربها على الإرهاب، عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول. ولكن إسلام آباد تجاوزت الضغط الأمريكي وحافظت على سياسة الباب المفتوح لقادة طالبان، بعد أن باتوا مطلوبين لدى القوات الأمريكية.

ويعتبر مراقبون، أن هجوم طالبان الأخير يكشف بشكل واضح تطبيقاً متطوراً لاستراتيجيات إدارة المعارك، مما قد يشير إلى إمكانية تلقيهم مساعدة باكستانية مكثفة، وبخاصة فيما يتعلق بالتخطيط واللوجستيات والاستخبارات.

وبالتالي يرى طيف واسع من السياسيين الأمريكيين، على غرار بروس ريدل الضابط السابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية "CIA"، أنه قد تكون الظروف في أفغانستان اليوم مهيأة لاسترجاع طالبان السيطرة عليها من جديد، إلا أنها لم تكن في الوقت ذاته قادرة على ذلك بكل سهولة لولا مساعدة باكستان لها.

علاقة مزدوجة

يعتبر خبراء ومحللون أن جوهر التحدي يكمن في علاقة الولايات المتحدة بقوات الأمن الباكستانية، التي كانت تتعاون معها بشكل وثيق منذ عام 2001 لإلقاء القبض على عناصر تنظيم القاعدة، ولكنها تعتبرها في الوقت ذاته عقبة رئيسية أمام أهدافها بالمنطقة.

وقد كان الجنرالات الباكستانيون في ذلك الوقت بارعين جداً في جعل أنفسهم شركاء مهمين لواشنطن، تمكنوا من الاستجابة للحد الأدنى من مطالبها، وذلك وسط رفض ومعارضة شديدة لقيادات مهمة داخل قوات الأمن الباكستانية، لأي شكل من أشكال التعاون مع الولايات المتحدة.

ومن جهة أخرى، لم تأخذ واشنطن في ذلك الحين قلق إسلام آباد على محمل الجد، في أن تشكل حكومة أفغانستان الجديدة تهديدا لها، سواء من خلال دعم المطالب الوحدوية على الأراضي الباكستانية أو بالانحياز إلى منافستها الهند. ولم يقف موقف واشنطن عند ذلك الحد بل رفضت تقديم أي مساعدة لإسلام آباد في حل النزاع الحدودي على خط دوراند في الحدود بين باكستان وأفغانستان، واقتربت في المقابل بشكل متزايد من شراكتها الاستراتيجية مع نيودلهي.

تحديات إدارة بايدن

تعتبر فورين أفيرز أنه بالإضافة إلى عدم جدية وشفافية الجانب الأمريكي في التعاون المشترك مع باكستان على عدة أصعدة، فقد فوتت أيضاً فرصة تاريخية في اغتنام لحظة اجتياحها لأفغانستان وانتصارها على طالبان، للجلوس على طاولة التفاوض مع باكستان، واختارت حينها بدلاً من ذلك تأجيل المفاوضات، على أمل أن يؤدي تقدمها العسكري إلى انتصار ساحق، ويمنحها فرصة التفاوض من موقع أقوى.

أما فرصتها الثانية فقد كانت في مايو/أيار 2011، حين قتلت القوات الأمريكية أسامة بن لادن في غارة جوية داخل الأراضي الباكستانية، ليكتشف المجتمع الدولي في النهاية، أن زعيم القاعدة كان موجوداً على الأراضي الباكستانية، ما سيضع الأخيرة في موقف محرج. ولكن رغماً عن ذلك، لم تستثمر واشنطن هذه اللحظة في مزيد الضغط على إسلام آباد.

ويرجح محللون أن القوات الأمريكية ربما كانت تأمل في ذلك الوقت في الحفاظ على ما يكفي من التعاون، لتمكين الجيش الأمريكي على الأقل من الوصول عبر الطرق والمجال الجوي الباكستاني إلى أفغانستان.

وبالتالي فإن تجربة العقدين الماضيين ستجعل إدارة بايدن أكثر حذراً بشأن السعي للتعاون مع باكستان في مواجهة التهديدات المحتملة في أفغانستان. ويشدد مسؤولون أمريكيون على أنه يجب أيضاً على واشنطن أن تكون واقعية بما يكفي لتقدير أن مصالح إسلام آباد تكمن الآن في تنمية علاقات قوية مع حكومة طالبان الجديدة، وبالتالي فإن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في الوقت الحالي قد تكون غير ممكنة.

TRT عربي