تختلف قصصهن وتجاربهن والأسباب وراء رحلتهن، غير أن المشترك بينهن اليوم، البحث عن تذكرة للعودة من "الجحيم" إلى الوطن، بعد أن عشن قساوة الحرب وفجيعة الفقد، وشاهدن سقوط وهم "الدولة" التي انتهت تحت مقصلة التاريخ.

يتجاوز عدد المغربيات في سوريا مئتين، ويعشن برفقة أطفالهن في مخيمات اللاجئين شمال شرق البلد، بعد دحر داعش ومقتل أو هروب أزواجهن الذين سعوا خلف السراب وخلّفوا وراءهم نساء يقاسين الأمرّين بعد أن أدركن الخديعة، ثِقَلُ الماضي الفاجع والحنين الذي ينسلّ إلى أرواحهن التواقة إلى الحرية بعيداً عن صور الحرب وخرابها.

حول ظروف عيشهن بالمخيمات، أجمعت شهادات مغربيات بسوريا، استقاها موقع TRT عربي، على صعوبة حياتهن وأطفالهن بالمخيمات، كاشفات في صرخات مكتومة تدهور أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية، "تدهوُر" تعمِّقه قساوة الطبيعة واللا أمان الذي يعشن فيه.

صرخات مكتومة

بصوت تملؤه المرارة والأسى تحكي أم زيد، مغربية محتجَزة بمخيمات في الشمال السوري، أن الحياة متوقفة بالمخيم الذي تعيش فيه قائلةً: "الوضع الاجتماعي والأمني مُزرٍ، الخدمات الصحية منعدمة، إذ لم يعاود الأطباء زيارة المخيم منذ أشهر"، تسترسل: "اقتصاديّاً كذلك نعيش تحت الصفر؛ لا مصادر للدخل، كما أن أغلبيتنا من عائلات فقيرة، وعملية تحويل الأموال غير ممكنة أيضاً".

تعيش الأم في المخيمات برفقة ثلاثة أبناء لا يستفيدون من التعليم، وتكشف أنه "ليس هنا أي نوع كان من التمدرس، حتى التطبيب قبل التوتر كان يتوافر من خلال خافض حرارة ومسكّنات فقط"، لا شيء هنا سوى الموت البطيء"، تسترسل: "عندك مال، يمكنك معالجة نفسك وأطفالك، ما عندك فأنت في رعاية الله".

بدورها تقول أم محمد، إن عيشهم بالمخيم صعب جدّاً خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال المحرومين من أبسط حقوقهم التي تجعلهم يعيشون طفولتهم ويكون لها معنى كالتعليم واللعب.

"أما نحن الكبار فكسرنا الروتين ونفسيتنا منهارة"، تتابع المتحدثة بلكنة مشرقية: "واقعنا لا يوصف بالكلام، بالأخص ونحن مقبلون على فصل الشتاء، وطبعا الخيمة مجرَّد قماش. أنت تخيل الوضع مع نفسك والبرد في المنطقة قاسٍ جدّاً".

وُعود الدّم

التحاق المغربيات بـداعش يعود، حسب عدد منهن، إلى انتقالهن برفقة أزواجهن المتطرفين أو لحاقهن بهم في ما بعد، إذ عرفت سنتا 2014 و2015 موجات هجرة أسر بأكملها إلى سوريا، كما توجد حالات "معزولة" لمغربيات استُقطِبن بشكل فردي للالتحاق بالتنظيم الإرهابي.

عن خلفياتُ قرار الرحيل إلى سوريا تقول أم زيد في شهادتها لموقع TRT عربي، إنها اجتماعية محضة، وتشرح: "ليست تطرُّفاً..تأزمت أوضاعنا المعيشية والاجتماعية، زوجي دخل في حالة ضياع.. جئنا إلى سوريا لأجل المغريات المادية التي وعدونا بها فقط"، تضيف: "أُقنِعَ زوجي بالرحيل عبر فيسبوك، أُغرِيَ بالسكن المجاني وأجر شهري، كان لدينا طفلان، وأهلي ما كانوا ليقبلوا فكرة الانفصال عنه، بيئتنا الاجتماعية كانت معلولة ونفسيتي مدمَّرة والتكافل منعدم، أصابنا اليأس من الوضع".

وتوضّح المتحدثة أنها سافرت مع زوجها وأبنائهما عبر مطار الدار البيضاء إلى إندونيسيا ثم إلى تركيا حيث كان زوجها على تواصل مع منسق، ورتّبوا إجراءات دخول سوريا".

"زوجي هو الذي فرض عليّ أنا والأولاد أن نذهب معه"، تصرح أم محمد في شهادتها لموقع TRT عربي: "وعدنا بأن تكون الحياة طبيعية وهادئة ومستقرة"، قبل أن تستدرك بتحسُّر: "غير أن ما وجدناه كان ظروفاً قاسية وصوراً ومشاهد مرعبة شكّلَت لنا صدمة نحن الكبار، فما بالك بصغارنا!".

محمد بنعيسى رئيس مرصد حقوق الإنسان المتابع لقضية مغربيات داعش، يقول في هذا السياق إن الدراسات التي أجراها المرصد تكشف أن معظمهن "انتقلن بسبب أوضاع اجتماعية وللحاق بأزواجهن، كما أنهن كُنّ من مستوى تعليمي متواضع، ولم يشاركن في عمليات عسكرية أو على المستوى الإعلامي أو نشر أفكار آيديولوجية".

فرح وندم

بعد طول انتظار أعلن المغرب الأسبوع الماضي، عبر رئيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية، إطلاق استراتيجية لإعادة النساء، الأطفال المغاربة من بؤر التوتر.

وقال عبد الحق الخيام رئيس المكتب خلال ندوة صحفية، إن هؤلاء النسوة لم ينتقلن للقتال في تلك البؤر، بل لمرافقة أزواجهن، وأضاف: "هؤلاء لسن إرهابيات، لأنهن رافقن أزواجهن"، وتابع: "لهن معاملة خاصة لأنهن لم ينتقلن إلى بؤر التوتر للجهاد. المغرب يبذل جهوداً، ولا يمكن أن نلومهن على شيء".

"السيدات المغربيات هنا استقبلن هذا الخبر بفرح وسرور وأعاد إليهن بصيص أمل"، تقول أم زيد، كما أعربت أم محمد عن سعادتها بعد سماع الخبر، مؤكدة أن "الدولة قدرت وضعنا ولن ننسى أبداً وقفتها معنا"، كاشفة أن الأغلبية تريد العودة إلى المغرب.

وفي الوقت الذي اعترفت فيه أم زيد بالذهاب إلى سوريا واصفة إياه بـ"الخطأ والتهور الذي يجب أن نتحمل عواقبه"، دعت إلى إنقاذ أطفالهن: "إنهم يكبرون وتكبر أسئلتهم وما عندنا أجوبة عن كل شيء، حتى إذا لم تفلح إجراءات ترحيلنا فعلى الأقل لينقذوا طفولتهم، فإن كنا أمهات سيئات فليكن غيرنا أحسن وأفضل منا".

استراتيجية الإدماج

إعلان الترحيل دفعت عدداً من المتتبعين إلى التساؤل حول الطريقة التي ستُدبَّر بها القضية، خصوصاً عملية الترحيل واستراتيجية الإدماج، فضلاً عن التوجس المطروح لدى فئة من المواطنين المغاربة المتخوفين من أن تشكّل عودة "مغربيات داعش" خطراً على المجتمع.

في هذا الصدد يصرح رئيس مرصد الشمال، بأن عملية الترحيل ستجري في الأغلب عن طريق طرف ثالث قد يكون الولايات المتحدة الأمريكية أو إسبانيا اللتين تجمعهما علاقات مع أطراف مسلّحة في سوريا.

وتَحدَّث بنعيسى عن مشروع السلطات المغربية خلال عملية الترحيل، مشيراً إلى أنه سيجمع بين المقاربة الأمنية والحقوقية الإنسانية، كما أبرز أنه على هيئات المجتمع المدني الانخراط خصوصاً في عملية إدماج هؤلاء السيدات وأبنائهن عبر تمكينهن اقتصاديّاً ومساعدة الأطفال للاستفادة من مختلف حقوقهم.

من جهته قال الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية والفكر الإسلامي إدريس الكنبوري، إن استراتيجية الإدماج يجب التركيز خلالها على إعادة التأهيل الاجتماعي خصوصاً للأطفال، لأنهم عاشوا تجارب قاسية وكبروا في جوّ دموي وسط مشاهد الأسلحة والبنادق والقتل.

واستبعد المتحدث في تصريح لـTRT عربي، أن تكون النسوة اللائي سيُعَدْن إلى المغرب من سوريا خطراً على المجتمع، "على اعتبار أنهن عشن في جو عدواني وسيكُنّ رافضات للإرهاب والتطرف بعد كل ما رأينه وعانينه. لقد كُنّ يحلمن بمثاليات، لكن بعدما وصلن وقفن على حجم التوحُّش، ضد كل مبادئ الإنسانية".

المصدر: TRT عربي