يتعقد المشهد السياسي في العراق نتيجة انتشار الفساد في مرافق الدولة وسط سيطرة الفصائل المسلحة على المصادر الاقتصادية التي تمول ميزانية البلاد.

العراق
العراق (AA)

من بين أبرز الحلول التي تسعى لتنفيذها الحكومة العراقية تقليل الفساد وهدر الأموال في المنافذ الحدودية في ظل مواجهة خطيرة بين رؤية رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بمحاربة الفساد وسلطة الأحزاب ورجال أعمالها المتنفذين في تجارة تهريب النفط والسلاح وفرض الرسوم الجمركية دون تحويل إيراداتها لخزينة الدولة.

إيرادات المنافذ الحدودية

يقع العراق في منطقة جغرافية استراتيجية حيث يتعامل تجارياً مع 6 دول مجاورة منها الأردن والكويت والسعودية وسوريا وتركيا وإيران، ويمارس النشاطات الاقتصادية عن طريق 22 منفذاً رسمياً يملكه برياً وبحرياً، ويجني أموالاً طائلة من خلال استحصال الرسوم الجمركية، وبالرغم من ذلك تواجه الحكومة العراقية أزمة مالية بسبب سيطرة الفصائل المسلحة واحتكارها لحركة النشاطات التجارية في المنافذ الحدودية.

بهذا الصدد تحدث النائب في البرلمان العراقي وعضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر لـ TRT عربي قائلاً: "يخسر العراق ما يقارب 10 مليارات دولار سنوياً بسبب عمليات الفساد في المنافذ الحدودية وسيطرة الأحزاب وعناصرها العسكرية على الحدود وكافة النشاطات التجارية".

وتابع كوجر "إن التقديرات التي رصدناها في اللجنة المالية تشير إلى أن إيرادات المنافذ الحدودية العراقية تصل إلى 16 مليار دولار سنوياً، لكن ما يصل إلى خزينة الدولة أقل من 6 مليارات دولار، وهذا التفاوت بين مجموع الإيرادات مقارنةً بما يصل لخزينة الدولة يسبب كارثة اقتصادية، وربما سيؤدي كشف هذه الملفات إلى عودة الاحتجاجات في الشارع العراقي".

كما تابع "تحركات رئيس الوزراء العراقي وخطاباته الإعلامية ستضع الحكومة في موقع المواجهة الخطيرة مع الفصائل المسلحة التي لن تستسلم بالتنازل عن أرباحها من هذه المنافذ الحدودية حتى وإن كانت المواجهة بالسلاح وتوجيه التهديدات لمسؤولين في لجان الرقابة الذي يشرفون على الرسوم الجمركية في المنافذ الحدودية".

مطالبات بمحاسبة المليشيات

بسبب كثرة الشكاوى الواردة من المنافذ الحدودية والتقارير التي ترفع إلى أجهزة الحكومة حول حجم الفساد والثروات الطائلة التي أصبح يتحكم فيها مسؤولون وضباط يعملون فيها، فقد قررت الحكومة برئاسة مصطفى الكاظمي في بيان لها تشكيل هيئة لإدارة المنافذ التي من المفترض أن تضم ممثلين عن كل محافظة في العراق، ومندوبين من وزارة الداخلية وجهاز مكافحة الإرهاب لوضع حد لعمليات الفساد المتفاقمة.

بهذا السياق تحدث مقرر اللجنة المالية البرلمانية أحمد الصفار لـTRT عربي بالقول: "السرقات تنخر ميزانية الدولة وإن نسبة 10 إلى 20% فقط من إيرادات المنافذ الحدودية تدخل إلى خزينة الحكومة، فيما تذهب بقية الإيرادات إلى جيوب المليشيات والأحزاب وبعض الشخصيات السياسية المتنفذة".

اقرأ أيضاً:
في العراق.. أين يكمن السرّ في استمرار حالات الاغتيال والاختطاف؟

وأضاف الصفار "يجب على رئيس الوزراء العراقي الكاظمي إجراء إصلاحات في المنافذ الحدودية، ووضع حد لما يحصل من نهب لمقدرات الشعب، والمضي نحو هذه الخطوة المهمة التي من شأنها إعادة إيرادات كبيرة سنوياً لصالح الدولة، الأمر الذي سيخفف من العجز الاقتصادي الذي وصل إلى 32 مليار دولار".

من جانبه، صرّح النائب في البرلمان العراقي فيصل العيساوي لـTRT عربي قائلاً: "إن المنافذ الحدودية تشهد انفلاتاً كبيراً وضياعاً للأموال في ظل غياب القانون وانتشار السلاح بيد الفصائل المسلحة المسيطرة على الحدود، وهذا يستدعي تدخلاً فورياً وجريئاً لاسترجاع الأموال التي تُهرب يومياً إلى إيران وسوريا".

كما تابع العيساوي "إن المنافذ الحدودية تشهد حالياً فوضى عارمة من جهات غير رسمية، وتحتاج إلى ضبط أمني لاسترجاع الأموال التي ذهبت الى جهات غير معروفة خصوصاً من ميناء أم قصر في البصرة وسفوان مع الكويت ومنفذ عرعر مع السعودية".

أبرز مواقع الفساد في المنافذ الحدودية

الحكومة العراقية كشفت عن خططها للسيطرة على المنافذ الحدودية وسط تساؤلات عن السبب الكامن وراء توغل المليشيات والفصائل المسلحة، والتي تستحصل الأتاوات من تلك المنافذ وتنهب موارد الدولة تحت غطاء سياسي مدعوم من أحزاب تستغل معاناة المواطنين في ظل غياب إجراءات حكومية رادعة، وهذا ما يخلق فجوة كبيرة تضعف ثقة الشعب بالدولة.

وبخصوص ذلك تحدث عضو لجنة الخدمات النيابية مضر خزعل لـTRT قائلاً: " يجري سرقة إيرادات المنافذ الحدودية، وتشترك بعض الأحزاب بصفقات الفساد في ظل ضياع الأموال التي تُستحصل من الرسوم الجمركية والتي تقدر بأكثر من 16 مليار دولار سنوياً عدا إيرادات المطارات ومبالغ الوافدين من أجل السياحة الدينية".

وأضاف خزعل "يجب أن نكشف الحقائق بطريقة شفافة، فالعراق يحصل على إيرادات من حدوده البرية مع دول الجوار، وأبرز هذه الحدود زرباطية والشلامجة والمنذرية والشيب مع إيران، وطريبيل مع الأردن، والوليد والقائم مع سوريا، وجديدة عرعر مع السعودية، كما يمتلك منافذ بحرية أهمها ميناء أم قصر بمحافظة البصرة على شط العرب".

من جانبه تحدث الخبير الاقتصادي سلمان الشمري لـTRT عربي بالقول: "يجب على الدولة أن تتحرك نحو المنافذ الحدودية ضمن مدن إقليم كردستان والتي تضم 4 منافذ برية مع إيران، هي حاج عمران، وباشماخ، وكرمك، وبرويزخان، إضافة إلى أهم معبر حدودي في الإقليم وهو إبراهيم الخليل الذي تجري فيه صفقات تجارية كبيرة من خلال شاحنات نقل السيارات والبضائع والمواد الغذائية مع تركيا".‎

اقرأ أيضاً:
الفقر يجتاح العراق ومؤشرات لكارثة إنسانية

كما تابع الشمري "هناك منفذ حدودي يجري فيه تهريب الأسلحة للفصائل المسلحة الموالية لنظام الأسد، وتقوم المليشيات المسيطرة على المنفذ ببيع النفط بأسعار من محافظة نينوى وتوصلها إلى منفذ ربيعة الحدودي مع سوريا، ليتم بيع النفط المهرب، بالإضافة إلى لرسوم الجمركية التي تُحصّل من الشاحنات التي تنقل المنتجات الزراعية والغذائية".

كيف تجري عمليات الفساد؟

حسب التقارير الحكومية التي رصدت ملفات الفساد خلال السنوات الماضية، فإن هذه الوثائق قد كشفت أن هذه السرقات أدت إلى ظهور طبقة من الأثرياء الجدد من الضباط والجنود والموظفين، والذين استغلوا مناصبهم ووجودهم في هذه الأماكن الحساسة للحصول على أموال طائلة ورشى كبيرة، مقابل إدخال بضائع فاسدة أو ممنوعة قانوناً، أو التساهل مع بعض الشركات التي تدفع لهم الأموال مقابل تسهيلات يحصلون عليها.

ووفقاً للنائبة في البرلمان العراقي ماجدة التميمي التي تحدثت لـTRT عربي بالقول: "يتكبد العراق خسائر كبيرة بسبب عمليات الفساد وابتزاز التجار وتهريب البضائع بالتواطؤ مع بعض الموظفين الفاسدين، الذين أصبحوا أثرياء من خلال عملهم في هذه المنافذ الحدودية".

وأضافت التميمي قولها "إن الكثير من البضائع الممنوعة قانونياً والمحرمة دولياً تدخل إلى البلاد من خلال شراء ذمم بعض الموظفين العاملين عبر المنافذ الحدودية، مثل المخدرات، كما أن بعض الموظفين يقدمون على تعطيل أجهزة السونار واعتماد الحساب اليدوي لتمرير بعض البضائع والتلاعب في نظام الحسابات".

وأشارت "بالرغم من تشكيل لجنة للتحقيق في عمليات الفساد إلا أن بعض الكتل السياسية المستفيدة تحاول عرقلة عمل اللجنة المالية الرقابية، وتصر على تسويف التحقيق من أجل عدم كشف الحقائق أمام الرأي العام العراقي" حسب تعبيرها.

موقف هيئة المنافذ الحدودية

إيرادات المنافذ تساهم باستحصال أموال من الجباية والجمارك والضرائب، والتي تستفيد منها الدولة العراقية في تعزيز وضعها الاقتصادي ومعالجة أزمة العجز في ميزانيتها، لكن تعاني هذه المنافذ الحدودية من سيطرة الفصائل المسلحة التي تأخذ أوامرها من أحزاب سياسية تغطي ملفات الفساد.

بهذا الصدد تحدث رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر الوائلي لـTRT عربي قائلاً: "قدمنا طلباً صريحاً إلى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بخصوص إرسال قوات أمنية لحماية المنافذ الحدودية، وذلك لتوفير الحماية لموظفي المنافذ الذين تعرضوا بشكل مكرر لابتزازات من قبل الجهات المسلحة الموجودة على الحدود".

وأضاف الوائلي "هيئة المنافذ الحدودية تسعى في ظل الأزمة المالية الراهنة إلى العمل على زيادة الإيرادات الحكومية بما يدعم خزينة الدولة الاتحادية ووضعت خططاً مدروسة، بأن تأخذ الهيئة دورها على وفق ما حددته لها القوانين والتعليمات في الإشراف والرقابة والتدقيق والتحري الأمني وتطبيقها بصرامة للكشف عن حالات الفساد والتهريب، بالتعاون المشترك مع الدوائر العاملة في المنافذ الحدودية".

مؤسسات حكومية متورطة

الفساد أصبح وباء خطيراً يخترق دوائر الحكومة العراقية، والأحزاب السياسية تفرض هيمنتها العسكرية من خلال الفصائل المسلحة التي تسيطر على المنافذ الحدودية وتدير الممارسات الاقتصادية عبر رجال أعمال يتعاونون مع هيئات الدولة المسؤولة عن اتخاذ القرارات القانونية بحق المتورطين بملفات الفساد.

في هذا السياق كشف الخبير القانوني عصام القاسمي لـTRT عربي قائلاً: "الفساد المستشري في مؤسسات الدولة يزيد من مؤشرات انهيار الدولة وقدرتها على صرف مخصصات الموظفين وتقديم المنح المالية لإعادة إعمار المناطق المنكوبة بعد التحرير، والسبب تلاعب الأحزاب بالإجراءات القانونية".

وتابع القاسمي "يتعرض المحامون لابتزازات عندما يكشفون قضايا الفساد، وقدمنا وثائق لهيئة النزاهة لكنها سرّبت أسماءنا لشخصيات سياسية منتمية لبعض الأحزاب وأدى ذلك إلى تعرضنا لتهديدات بالتصفية، فيما برأت النزاهة المتهمين من قادة المليشيات المسيطرة على المنافذ الحدودية".

كما أكد "الحكومة العراقية تفقد القدرة على ملاحقة الفاسدين خصوصاً عند إدخال البضائع غير الصالحة للاستهلاك، أو أثناء تخفيض رسوم الجمارك، أو تمرير البضائع الممنوعة من الاستيراد، وهذا ما يحصل بشكل متكرر في المنافذ الحدودية بين العراق وإيران. كل ذلك يؤدي إلى ارتفاع حالات الفساد، وكلما تم رفع الدعاوى إلى مجلس القضاء الأعلى تدخلت شخصيات سياسية تابعة لنوري المالكي ممن ينتمون لحزب الدعوة. وبعد ذلك يتم تلفيق الاتهامات للقانونيين الذين يطالبون بملاحقة المتورطين بسرقة أموال المنافذ الحدودية".

من جهته تحدث الضابط برتبة عقيد غزوان سليم والذي يعمل بوزارة الداخلية وصرّح لـTRT عربي بالقول: "الفصائل المسلحة المسيطرة على المنافذ الحدودية ترتبط بعلاقات مباشرة مع قادة الأحزاب والكتل السياسية، وبالتالي فإن ملاحقتها يسبب مواجهة خطيرة مع أجهزة الدولة".

وأضاف سليم "إن تشكيلات المجاميع المسلحة معروفة لدى الجهات الأمنية مثل الشرطة المحلية وهيئة المنافذ الحدودية ووزارة الداخلية، لكن المشكلة تكمن في كيفية ردعها وضبطها، لأن كثيراً من الضباط جرى تسريحهم وإحالتهم للتقاعد الجبري بسبب كشفهم أسماء قادة الفصائل المسلحة".

تتعدد أوجه الفساد في العراق، حيث ساعدت بيئة النظام الحالي الذي أقيم بعد عام 2003 على تغلغل الفساد وتوطنه في مؤسسات الدولة، مع غياب الرقابة الحكومية أو ضعفها وعدم قدرة الموظفين الأمناء على منع صفقات الفساد أو الرشى الصغيرة والكبيرة، لأن ذلك قد يكلفهم الكثير من العداوة والإقصاء وربما الاستهداف الشخصي، الأمر الذي أدى إلى تعرض العراق لنكسة مالية خطيرة بسبب سيطرة الفصائل المسلحة على مرافق الدولة وحرمان الشعب من حقوقه بالعيش بحرية وكرامة.

المصدر: TRT عربي