صورة معدلة تظهر شعار شركة أرامكو السعودية وخطوط الغاز الطبيعيي  (Dado Ruvic/Reuters)
تابعنا

مع ارتفاع حدة التوتر في العلاقات الأمريكية السعودية على خلفية ملف الطاقة، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات سابقة أدلى بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تناول فيها أهمية المملكة بالنسبة لأمريكا.

وقال الأمير محمد بن سلمان في التصريح المأخوذ من مقابلة سابقة أجراها مع الإعلامي السعودي عبدالله المديفر على القناة السعودية: "لك أن تتخيل لو الـ10 مليون برميل نفط رخيص بتكلفة إنتاج من 3-6 دولارات، ذهب عقده إلى بريطانيا، لن تكون أمريكا بوضعها الحالي اليوم".

وعقب المذيع على تصريح محمد بن سلمان قائلا: "يعني السعودية ساهمت في قوة أمريكا؟" ليرد ولي العهد السعودي: "ما في شك".

وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري أعلن تحالف "أوبك+" خفض الإنتاج بمقدار مليونَي برميل يومياً بداية من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 10%، قبل أن تتراجع قليلا لاحقا.

واعتبر مسؤولون أمريكيون أن قرار أوبك+ يمثل دعماً لروسيا، العضو في المجموعة، ويعكس "انحياز السعودية في صراعات دولية وبُني على دوافع سياسية ضد الولايات المتحدة".

وأعربت السعودية في البيان عن "رفضها التام" لهذه التصريحات، وشددت على أن أوبك+ تتخذ قراراتها "باستقلالية" وفقاً لما هو متعارف عليه من ممارسات مستقلة للمنظمات الدولية.

وتسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في اضطراب أسواق النفط العالمية وأعلنت الولايات المتحدة وأعضاء آخرون في وكالة الطاقة الدولية عن خطط للإفراج الجماعي عن ستين مليون برميل من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية.

في غضون ذلك، تتجه عيون إدارة بايدن إلى تحسين العلاقات المتوترة مع إيران وفنزويلا ودول أخرى على أمل الحصول على المزيد من النفط.

وتحتل السعودية المرتبة الثالثة بقائمة الدول المنتجة للنفط بعد الولايات المتحدة وروسيا، إذ تنتج 13 مليون برميل يوميا، بحسب تصريحات رسمية.

ولكن هل ساهم النفط السعودي بالفعل في زيادة قوة أمريكا وكيف جرى ذلك؟

في الآونة الأخيرة، أدت حرب روسيا مع أوكرانيا إلى تفاقم التوترات الجيوسياسية وإحياء الجدل حول استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة.

محطات تاريخية

ولمعرفة مدى استقلال واشنطن في هذا الأمر وحجم اعتمادها على دول أخرى، لا بد من التطرق إلى محطات مهمة والعودة إلى الوراء قليلا.

في عام 1919، قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن إمدادات النفط الأمريكية ستنفد في غضون عشر سنوات، مما أثار أول مخاوف في البلاد بشأن الطاقة.

وبحلول عام 1920، ارتفعت أسعار النفط الخام إلى 3 دولارات للبرميل، أي أكثر من ضعف السعر في عام 1914. أقر الكونغرس قانون تأجير المعادن لعام 1920 الذي يتطلب تأجير الأراضي الفيدرالية للتنقيب عن الطاقة لأول مرة.

جاءت هذه الخطوة رداً على المحاولات البريطانية والفرنسية لإغلاق شركات النفط الأمريكية من محمياتها في الشرق الأوسط.

تضمن القانون وقتها حكماً يمنع الوصول إلى المعادن الأمريكية من قبل أي كيانات أجنبية ترفض حكوماتها التعامل مع الشركات الأمريكية. وبدأت شركات النفط الأمريكية أيضًا السعي للحصول على امتيازات في أمريكا اللاتينية.

بعد المحاولات البريطانية والفرنسية لإبعاد شركات النفط الأمريكية عن المناطق التي تسيطر عليها في الشرق الأوسط، بدأت واشنطن دبلوماسية نفطية نشطة مصرة على سياسة "الباب المفتوح" التي من شأنها أن تسمح لجميع الشركات بالتنافس على الامتيازات الأجنبية بغض النظر عن الأصول الوطنية.

لكن هذه العقيدة لم تترسخ، وبدلاً من ذلك، سمحت اتفاقية الخط الأحمر لعام 1928 لسبع شركات خمس منها أمريكية بالتحكم في الجزء الأكبر من إنتاج النفط في الشرق الأوسط بحلول أوائل الثلاثينيات، وفق ما قال المركز البحثي الأمريكي Council on Foreign Relations.

بعد تلك الخطوة، وبفعل الاختراقات التكنولوجية وزيادة إنتاج النفط في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط والولايات المتحدة، دحضت واشنطن توقعات النقص التي تحدثت عنها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

وفي أقل من عقد من الزمن، تضاعف إنتاج الولايات المتحدة من النفط بأكثر من الضعف عما كان عليه في عام 1920.

في عام 1931، انخفضت أسعار النفط إلى بضعة سنتات فقط للبرميل. وفي 1933، فرضت الحكومة الأمريكية نظام حصص إنتاج للولايات وضريبة جمركية على النفط المستورد لمنع النفط الرخيص من إغراق السوق، كما يقول المركز الأمريكي.

وفي عام 1938، أممت الحكومة المكسيكية صناعة النفط وألغت امتيازات النفط الأمريكية. لم تنتقم واشنطن وكان ذلك يرجع جزئيًا إلى مخاوف من تحالف المكسيك مع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. وتبع سلوك المكسيك موجة من تأميمات النفط في العقود التالية للحرب.

وبين المركز الأمريكي أنه في بداية الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة مسؤولة عن 60 ٪ من الإنتاج العالمي تليها روسيا وفنزويلا.

وفي خضم توترات ما قبل الحرب العالمية الثانية، وجد في عام 1938، أن المملكة العربية السعودية تمتلك كميات هائلة من النفط.

في عام 1943، مع تزايد المخاوف بشأن تقلص قدرة إنتاج النفط الأمريكية، أعلن الرئيس فرانكلين روزفلت أن النفط السعودي حيوي لأمن الولايات المتحدة ويقدم الدعم المالي.

وفي فبراير/شباط 1945، التقى روزفلت والملك السعودي عبد العزيز على متن سفينة أمريكية في قناة السويس لمناقشة توثيق العلاقات.

بعد بضع سنوات، عثر على أكبر حقل نفط في العالم في المملكة العربية السعودية، وسرعان ما أصبحت البلاد أكبر مصدر للنفط في العالم - على الرغم من أنها لم تصبح موردًا مهمًا للولايات المتحدة لعدة عقود.

الاعتماد على السعودية

ويقول موقع vox إنه "ليس هناك شك في أن العلاقة بين الدولتين بدأت من النفط. في عام 1933، منح النظام الملكي السعودي شركة Standard Oil الأمريكية حقوقًا حصرية للبحث عن النفط في المنطقة الشرقية من البلاد".

وفي عام 1938 وجد المشروع الأمريكي السعودي المشترك الذي أطلق عليه في النهاية أرامكو احتياطيات هائلة.

وأرادت حكومة الولايات المتحدة حماية استثمارات شركاتها خاصة عندما كانت أمريكا في حاجة ماسة إلى النفط الخام خلال الحرب العالمية الثانية.

وفي نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى اقتصادية وعسكرية، وباتت تلعب الدولة دورًا مركزيًا في الانتعاش العالمي، بما في ذلك توفير مساعدات الطاقة لأوروبا المنكوبة.

وأدت نهاية الحرب أيضًا إلى إنهاء تقنين الغاز في الولايات المتحدة بعد أن ازدهرت صناعة السيارات وارتفعت حصة قطاع النقل من استهلاك النفط.

وباستثناء حربي يونيو/حزيران 1967 وأكتوبر/تشرين الأول 1973 بين دول عربية وإسرائيل التي حظرت فيها السعودية وبلدان أخرى شحنات النفط إلى أمريكا، لا ذكر لوجود أزمات كبرى تعرضت له العلاقات النفطية بين المملكة والولايات المتحدة.

وقال دبلوماسي أمريكي لصحيفة واشنطن بوست في عام 1977: "لقد وصلنا إلى النقطة التي نعتمد فيها عليهم أكثر مما يعتمدون علينا".

ومما يذكر هنا أنه أثناء غزو العراق للكويت في 2 أغسطس/آب 1990 قال الرئيس جورج بوش الأب إن "العدوان العراقي يشكل تهديدا اقتصاديا للولايات المتحدة التي تستورد الآن نصف نفطها".

كما أعلن بوش أن "الاستقلال السيادي للسعودية مصلحة حيوية" ونشر قوات في المملكة. وهو ما يظهر مدى الاعتماد الأمريكي على المملكة في ذلك الوقت.

وبحسب الموقع الرسمي لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، في عام 2021، كانت حصة أوبك من إجمالي واردات الولايات المتحدة من النفط حوالي 11٪ وكانت حصتها من واردات النفط الخام الأمريكية 13٪.

المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للنفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) إلى الولايات المتحدة حيث كانت مصدر لـ 5٪ من إجمالي واردات النفط الأمريكية و6٪ من واردات النفط الخام الأمريكية.

كما تعد المملكة أيضًا أكبر مصدر لواردات النفط الأمريكية من دول الخليج العربي.

وحوالي 8 ٪ من إجمالي واردات النفط الأمريكية و9 ٪ من واردات النفط الخام الأمريكية كانت من دول الخليج العربي في عام 2021.



TRT عربي