أزمة جديدة تعيش إثيوبيا على وقعها بعد إعلان اللجنة التنفيذية للحزب الحاكم في تيغراي إجراء الانتخابات العامة، خلافاً لما قرره المجلس الوطني للانتخابات وصادق عليه البرلمان من تأجيل عقدها إلى أجل غير مسمى مع حالة الطوارئ الناتجة عن فيروس كورونا المستجد.

كانت الجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيغراي أصدرت بياناً في 4 من هذا الشهر أعلنت فيه عزمها عقد الانتخابات، ووصفت ما يحدث بأنه محاولة من رئيس الوزراء آبي أحمد لتفكيك الدستور وإطالة ولايته بذريعة جائحة كورونا.

وهو ما رد عليه أحمد بشكل غير مباشر اليوم في خطاب متلفز، مشيراً إلى أن إعلان انتخابات خارج القرارات الدستورية أمر مخالف للقانون، ومؤكداً استعداد الحكومة للتصدي لمن يخالف القانون والدستور.

قرار تغراي.. لماذا؟

بالنسبة لأمانئيل قبري مدهن "الجواب بسيط فالانتخابات حق دستوري لشعب تيغراي"، مضيفاً في إفادته لـTRT عربي أن من واجب الجبهة الشعبية الحاكمة في إقليم تيغراي احترام الدستور وحقوق شعبها.

ويضيف المحرر السابق للقضايا السياسية والدبلوماسية في التلفزيون الرسمي للبلاد "تعتقد الجبهة الشعبية أن المجموعة التي على رأس السلطة تفتقد إلى الشرعية، وأنها تستخدم Covid-19 ذريعة لإطالة مدتها في المنصب".

ويرى ماركوس دبيبي في إفادته لـTRT عربي أن هناك سببين محتملين خلف قرار قيادة تغراي، الأول تسجيل مكسب سياسي ضخم من خلال تصوير نفسها كحامٍ حقيقي للدستور، في مواجهة الحزب الحاكم الذي يبدو بالتالي ككيان ضد الدستور.

هناك سببان محتملان خلف قرار قيادة تغراي الأول تسجيل مكسب سياسي ضخم من خلال تصوير نفسها كحامٍ حقيقي للدستور في مواجهة الحزب الحاكم.

ماركوس دبيبي، محامي وباحث سياسي في الديمقراطية وحكم القانون

ووفقاً للمحامي والباحث السياسي في الديمقراطية وحكم القانون فإن السبب الثاني مرتبط بتصورهم لإمكانية الفوز الكبيرة إن أجريت الانتخابات الآن، بعد أن وصلت التوترات العرقية والمسائل المرتبطة بها إلى أوجها في البلاد.

وتواجه إثيوبيا معضلة دستورية تتمثل في انتهاء فترة المجالس التشريعية وإدارات الأقاليم في 30 سبتمبر القادم، وعدم القدرة على عقد الانتخابات نتيجة جائحة كورونا، وقدمت الحكومة أربعة حلول محتملة للبرلمان الذي وافق في 5 من الشهر الحالي على أحدها، واستبقت قيادة الجبهة التيغراوية ذلك بإعلانها عقد الانتخابات، ممّا زاد في تلبّد الأجواء السياسية في بلاد الحبشة.

الأساس الدستوري للقرار

ورغم وجود حالة من التباين بين القوى السياسية داخل البلاد حول تأجيل الانتخابات وما يتعلق بها فقد كان القرار المذكور هو الأبرز في هذا السياق، ويلفت قبري مدهن إلى أنه دستورياً "لا يوجد ما يمنع الأقاليم من إجراء انتخابات"، مضيفاً أن الدستور ينص على عقد الانتخابات كل خمس سنوات، والحكومة المركزية وكذلك المجلس الوطني للانتخابات (NEBE) مفوضان لتسهيل إجراء الانتخابات لا للانفراد بقرار عقدها.

في المقابل يرى دبيبي أنه من الصعب القول إن كان لقرار قيادة تيغراي أساس دستوري أم لا، مضيفاً أن خطتهم في المضي قدماً في الاقتراع ستواجه عقبات قانونية.

ويوضح ذلك بأن القرار صادر عن المادتين 54 (1) و58 (3) من الدستور الإثيوبي التي تحدد أحكامها مدة عضوية أعضاء مجلس نواب الشعب بخمس سنوات؛ وتقضي أيضاً بـ"إجراء انتخابات مجلس النواب الجديد قبل شهر واحد من انتهاء مدة المجلس"، ومع إعلان حالة الطوارئ نتيجة الجائحة كان تفسير هذه الأحكام الدستورية نقطة خلاف منذ أن أعلن المجلس الانتخابي الوطني الإثيوبي تأجيل انتخابات أغسطس 2020. ولذلك، وفقاً لدبيبي، فإن "العلاقة بين المواد 54 (1) و58 (3) و93 من الدستور ليست واضحة بعد، والجميع ينتظر أن يقدم مجلس الاتحاد تفسيره النهائي".

وكان البرلمان قد وافق يوم الثلاثاء الماضي على مقترح الحكومة باللجوء إلى "البحث عن تفسيرات دستورية" لإجراء الانتخابات العامة في البلاد، وأحال القرار إلى مجلس التحقيق الدستوري التابع لمجلس الاتحاد المخول بالفصل في هذا النوع من القضايا.

القرار بين التحديات وإمكانية التنفيذ

وإزاء هذا الواقع ثمة تساؤلات تطرح عن قدرة إدارة الإقليم على عقد الانتخابات عملياً، وهو ما يجيب عنه الباحث السياسي دبيبي في إفادته لـTRT عربي بأن القرار يواجه تحديات تعيق تنفيذه؛ يتعلق أحدها بافتقاده إلى أساس قانوني يمكن الاعتماد عليه وهو ما سيولّد رداً قوياً من الحكومة المركزية، كما أن نتيجة الانتخابات لن تكون مقبولة من قبل المجلس الانتخابي في هذه الحالة.

الدستور ينص على عقد الانتخابات كل خمس سنوات، والحكومة المركزية وكذلك المجلس الوطني للانتخابات (NEBE) مفوضان لتسهيل إجراء الانتخابات لا للانفراد بقرار عقدها.

قبري مدهن، محرر سابق للقضايا السياسية والدبلوماسية في التلفزيون الرسمي الإثيوبي

ووفقاً لدبيبي فإن القرار يواجه أيضاً تحدياً مرتبطاً بقدرة الإقليم على توفير الموارد الضخمة اللازمة لعقد الانتخابات.

ومن جهة أخرى فثمة تحدٍّ يتعلق باقتضاء صحة الانتخابات وهو وجود تجمعات جماهيرية لطرح الخيارات والنقاشات السياسية للأحزاب، وهو ما لا يبدو ممكناً الآن نظراً لخطر احتمال انتشار كورونا، و"لذا ما لم يكن هناك دليل يقيني موثوق به بانتهاء الخطر في المنطقة فإن القرار لن يكون عملياً" بحسب دبيبي الذي يستطرد أنه حتى في هذه الحالة فقد تكون نسبة إقبال الناخبين ضعيفة.

في حين يخالفه محلل القضايا السياسية والدبلوماسية قبري مدهن، موضحاً أن إدارة مثل هذه المهام ستكون سهلة على القيادة في الإقليم، مؤكداً أن الجبهة الشعبية الحاكمة في الإقليم حزب سياسي متمرس، كما أن الجهات الفاعلة فيه بما في ذلك رئيس الجبهة ونائب رئيس الإقليم، ديبريتسيون جبريميكيل، سياسي خبير، متوقعاً تشكيل لجنة أو كيان مؤلف من أحزاب سياسية مختلفة في المنطقة ويمكنها إجراء الانتخابات المقبلة.

وتتبع إثيوبيا نظام الفيدرالية الإثنية الذي يقسم البلاد إلى 9 ولايات تتمتع بسلطات محلية واسعة، ويقع إقليم تيغراي شمالي البلاد، وتحكمه الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي التي وصلت إلى سدة الحكم في أديس أبابا بعد سقوط نظام منغستو هيلي ماريام في مايو 1991.

الخلاف بين الدستوري والسياسي

يرى مراقبون أن الخلاف الحالي تجاوز الشق الدستوري إلى كونه خلافاً سياسياً بين أطراف متصارعة داخل البلاد، فالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ظلت تحكم إثيوبيا (1991-2018) من خلال التحالف الذي أنشأته مع أحزاب أخرى، و هو ما انتهى فعلياً بوصول آبي أحمد إلى سدة السلطة 2018، والذي أنشأ تحالفاً جديداً بقيادة حزب الازدهار أعلنه أواخر العام الماضي، ورفضت الجبهة الحاكمة في تيغراي الانضمام إليه وشككت في شرعيته.

يرى مراقبون أن الخلاف الحالي تجاوز الشق الدستوري إلى كونه خلافاً سياسياً بين أطراف متصارعة داخل البلاد.

عمق هذا الخلاف يعبر عنه قبري مدهن بأن "البلاد تعيش تدهوراً تحت ظل حكم آبي أحمد، وأن الحزب الحاكم يريد إطالة فترته لأنه يفتقد إلى الشجاعة لإجراء الانتخابات المقبلة في موعدها"، متوقعاً أن تفعل الحكومة كل ما بوسعها لمنع الانتخابات في منطقة تيغراي.

مضيفاً أن الرغبة في تفكيك الجبهة الحاكمة في تيغراي تجمع بين آبي أحمد وحليفه الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وأن ما لا يريد رئيس الوزراء الإثيوبي معرفته، وفقاً لقبري مدهن، هو أن حليفه الإريتري لا يرغب في رؤية إثيوبيا قوية ومستقرة.

وربط مراقبون بين التطورات السياسية في إثيوبيا والزيارة المفاجئة وغير المجدولة للرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى أديس أبابا بين 3-5 مايو الجاري، والذي يعتبر العدو والجار اللدود للجبهة الحاكمة في تيغراي، وصرح علناً بشكل متكرر ضدها في وسائل الإعلام، على خلفية الحرب الضروس بين إريتريا وإثيوبيا (1998-2000) ورفض حكومة الإقليم إعادة أراض إريترية لا تزال تحت سيطرتها حتى الآن.

تفاقم هذا الخلاف السياسي هو النتيجة المتوقعة للمضي قدماً في هذا القرار وفقاً لدبيبي، إذ يمكن للحكومة المركزية، بالنظر إلى المعطيات الحالية، اعتبار قرار قيادة تيغراي بمثابة خطر على النظام الدستوري، وقد تتلقى أمراً من مجلس الاتحاد للتدخل المباشر في الإقليم.

ويرى دبيبي أنه ينبغي منح الأولوية للنقاش حول مخارج قانونية محتملة، من أجل مصلحة البلاد وتجنيبها الخيارات الأسوأ.

ماهية هذه الخيارات والمدى الذي قد تصل إليه يظل مرتبطاً بقرارات قيادة إقليم تيغراي، وانتقالها ممّا يرى البعض أنه محاولة للكسب السياسي إلى خطوات قد تضع الجميع في مواجهة مآزق متعددة، أخطرها انفصال الإقليم عن الدولة ٍالإثيوبية، وهو ما ظلت أصداؤه تتردد سراً وعلناً في الآونة الأخيرة.

المصدر: TRT عربي