اعترفت الولايات المتَّحدة لأول مرة بأن سياسات تنظيم PKK الإرهابي هي المسؤولة عن تهجير عديد من أكراد سوريا نحو تركيا التي تحتضن مئات الآلاف منهم.

"قالوا لزوجتي وبناتي اللاتي كُنّ يعملن متطوعات في الإغاثة والإسعاف: عليكن أن تغادرن عفرين فوراً، أنتن غير مرغوب بكن، أنتن مع الخونة والعملاء"، هكذا يروي السياسي الكردي أزاد عثمان لـTRT عربي كيف طرد عناصر من مليشيا YPG الإرهابي عائلته، إثر بثّ تقرير على قناة الجزيرة يرصد الحراك الثوري الكردي المناهض لنظام بشار الأسد، وكان ابنه الأصغر دلشاد عثمان محور التقرير.

كان أزاد عثمان، وهو حاليّاً عضو في المجلس المحلي لمدينة عفرين المحررة من التنظيم الإرهابي، في السنوات الأولى من عمر الثورة السورية يكافح مع أبنائه في حي الأشرفية بمدينة حلب تنظيمَي داعش وYPG، في حين كانت زوجته وبناته يعملن في مدارس عفرين متطوعات في مجال الإغاثة والإسعافات.

وبمجرد عرض التقرير على شاشة التليفزيون طرد تنظيم YPG، الذراع السورية لتنظيم PKK الإرهابي عائلة السياسي الكردي إلى خارج عفرين، فتوجهت إلى أعزاز حيث استقبلها الثوار.

ويضيف عثمان: "كان لديّ بستان من شجر الزيتون، ووضع PKK يده عليه بذريعة أنني مالك البستان من العملاء، ومنعوا أي أحد من قطف الزيتون، وبذلك حُرمنا من جني غلة الموسم على مدى 6 سنوات".

تلخّص معاناة عثمان، وهو معتقل سياسي سابق بين عامي 2008 و2012 لمعارضته نظام الأسد، بعضاً من معاناة عامَّة الشعب الكردي مع مليشيات حزب الاتِّحاد الديمقراطي، التي وصلت إلى حدّ المجازر والاغتيالات والسجن والتهجير.

ولأول مرة اعترفت الولايات المتَّحدة بأن سياسات هذا التنظيم هي المسؤولة عن تهجير عديد من أكراد سوريا نحو تركيا التي تحتضن مئات الآلاف منهم.

فقد قال المبعوث الأمريكيّ إلى سوريا جيمس جيفري، عقب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للبيت الأبيض، إن تركيا تحتضن عديداً من أكراد سوريا، وبعضهم فر بسبب PKK/YPG وإن مشروع تركيا لإسكان مليون لاجئ سوري بالمنطقة الآمنة سيشمل 350 ألف كردي.

ومنذ أن سلّم النِّظام السوري في بداية الثورة PYD زمام الأمور في المناطق الكردية، واكلاً إليه مهمَّة قمع الحراك الثوري في الوسط الكردي بالتحديد، تكشفت الأحداث تباعاً عن تَجدُّد التحالف القديم الجديد بين نظام البعث ووجهه الآخر، كما يصفه الساسة الأكراد، PKK.

تحييد الكرد والاغتيالات

لقد أراد النِّظام من خلال تسليمه المناطق ذات الغالبية الكردية إلى تنظيم PYD تحقيق هدفين: الأول قمع الثورة ومِن ثَمَّ تحييد الكرد السوريين عن الثورة، أما الهدف الثاني فهو معاداة واستعداء تركيا، وتوجيه الأنظار نحوها بدلاً من النِّظام السوري، حسب رديف مصطفى، نائب رئيس رابطة الكرد المستقلين في سوريا، في حديثه مع TRT عربي.

ويرى رديف مصطفى، وهو محامٍ وحقوقي كردي أيضاً، أن "دور هذه المليشيا تَطوَّر لاحقاً لتعمل كبندقية مأجورة لدى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتَّحدة لمحاربة داعش، ومِن ثَمَّ تَفرَّدَت بالقرار السياسي والعسكري والإداري عبر القوة والقمع، مِمَّا تسبب في تهجير نشطاء الثورة وعائلاتهم وحتى بعض القيادات والأحزاب الكردية المناوئة لهم".

ولفت مصطفى إلى أن تنظيم PKK له باع طويل في عمليات الاغتيال السياسي، مذكراً بعملية "اغتيال الشهيد مشعل التمو (القيادي الكردي المعروف بتوجهاته الوطنية) التي كان للتنظيم يد فيها بالاشتراك مع نظام الأسد، علماً بأن مشعل التمو تَعرَّض لمحاولة اغتيال سابقة على يد مليشيا PYD".

وساق المحامي الكردي ونائب رئيس رابطة المستقلين الكرد السوريين عديداً من الأمثلة على ممارسة مليشيا PYD للاغتيالات كأداة سياسية، وذلك كما حدث للقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني نصرالدين برهيك، والناشط جوان قطنة، وحتى من كوادر التنظيم الإرهابي نفسه، من أمثال أحمد شنر وكاني يلماز وغيرهم، عدا عن اختطاف عديد من النشطاء وإخفائهم قسريّاً.

وحول تهجير كثير من الكرد السوريين لفت مصطفى إلى أنه لا يمتلك إحصاءات دقيقة حول عدد المهجرين، ولكن "في تركيا أكثر من 300 ألف سوري كردي، ومثلهم في إقليم كردستان العراق، فضلاً عن الآلاف الذين هاجروا إلى أوروبا".

وأوضح أن فئة من الذين هربو من تنظيم داعش، بخاصَّة من كوباني، رفضوا العودة بعد طرد داعش منها، احتجاجاً على سياسات مليشيا PYD.

القضاء على الحياة السياسية

وتَفرَّد PKK متمثلاً بكيانه السوري PYD، بإدارة المناطق التي تَسلَّمها من نظام الأسد، ثم عمد إلى تشكيل مليشيات مسلَّحة متعددة تحت أسماء متنوعة، بالإضافة إلى منظَّمات "وهمية"، تتصدى للشؤون المدنية والاجتماعية، ليكمل سيطرته على الشأن العامّ في الفضاء الكردي والقضاء على الحياة السياسية، ويتمكّن من قمع كل من يرفض العمل في كنفه وتحت إشرافه وقريباً من آيديولوجيته المتطرفة وأجندته العابرة للحدود.

"تَصوَّر أن حزباً يستولي على السُّلْطة ويطلب من بقية الأحزاب الترخيص منه لعملها"، يقول أزاد عثمان الذي كشف أن جميع الأحزاب الكردية كانت مُجبَرة على الترخيص لديه لعمل اجتماع أو افتتاح مكتب، وكان المعيار هو الولاء ومدى قرب الأحزاب من منهج وفكر PYD، ومِن ثَمَّ ضُيّق على الأحزاب بشكل كبير.

وتابع عثمان: "في ظل سيطرة PYD كانت السجون مليئة. فوجئنا عند تحرير عفرين بعدد هائل من السجناء الذين تركوهم خلفهم رغم أنهم اصطحبوا معهم 600 سجين سياسي، وسلّموا قسماً منهم للنِّظام السوري، وقسم آخر نقلوه إلى عين العرب/كوباني ومناطق أخرى". ويضيف متعجباً: "تَخيَّل منطقة صغيرة مثل عفرين كان فيها 600 سجين سياسي، كانوا جميعاً مؤيدين للثورة السورية والجيش الحر أو معارضين لمنظَّمة PYD!".

تعدُّد زائف

يؤكّد السياسي الكردي أزاد عثمان، أن الانتخابات التي كان التنظيم يجريها في مناطقه كانت "شكلية"، إذ لم تكُن للمعارضين أو حتى المستقلين قوائم، وأضاف: "كانوا يتبعون حيلة معينة لإعطاء انطباع عن التنوُّع في مشاركة السُّلْطة، فكان من ضمن الكيانات التي أنشؤوها منظَّمات تمثل التجار والحقوقيين والمزارعين والمدرسين، وهكذا في كل مناحي الحياة. كانت عبارة عن تقليد لنظام الأسد في منظَّماته، كالاتِّحاد النسائي وشبيبة الثورة واتِّحادات نقابات العمال، إلخ. لقد كانت مشروعاً طبق الأصل عن مشروع النِّظام".

لم يكُن لدى بقية الأحزاب القدرة على مواجهة PYD، أو لم تكُن ترغب في هذه المواجهة، فيما انتهى الأمر بالتيَّارات التي حاولت المواجهة إلى الاضطرار إلى الخروج من مناطق سيطرته، مشيراً إلى أن ما يسمى "منظَّمة الشباب الثوري" التابعة للتنظيم "كانت أداة قمع واغتيالات، فهم ملثَّمون، وكانوا يعتدون على المتظاهرين وباقي الأحزاب".

كتاب يفضح ممارسات التنظيم

واعتنى المثقفون والنشطاء الكرد بتوثيق جرائم PYD وباقي مليشياته وكياناته بحقّ المواطن الكردي والحياة السياسية الكردية، ودور هذا التنظيم في قمع الثورة السورية بالنيابة عن بشار الأسد، بالإضافة إلى رفعه الشعارات الوهمية والمخادعة.

ففي كتابه "روجأفا.. خديعة الأسد الكبرى" استعرض الكاتب الصحفي والحقوقي الكردي حسين جلبي، مسيرة تنظيم YPG وارتباطه بنظام الأسد، ومشروعه الغريب ليس عن الشارع السوري فحسب، بل عن الشارع الكردي ومطالبه القوميَّة والثقافية التي كان يطالب بها قبل أن يظهر هذا التنظيم في بداية الثورة السورية ويُنهِي جميع ذلك ويستبدل به سلطته المطلقة.

ويرى الكاتب أنه في ستّ سنوات انقلب الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المناطق الكردية رأساً على عقب، وأصبح الجيل الشاب إمَّا على جبهات القتال وإما في المنافي، ونشر وثائق تفضح ممارسات الحزب وعسكرته الكرد وتجهيلهم بشكل مقصود وتدمير التعليم.

وروى كيف قضى التنظيم على الثوار الذين بدؤوا تشكيل طلائع الجيش الحر بين الأكراد لمواجهة عنف النِّظام، مثل كتيبة تحسين ممو في عامودا، وكتيبة الشيخ معشوق في القامشلي، وقوات التدخل الكردي في الحسكة، وأحرار نوروز وصقور أزادي في عفرين، وكتيبة نسور كوباني وكتيبة صقور البيشمركة، وقوات المجلس الثوري الكردي المتشكلة من المجلس الوطني الكردي، وصولاً إلى رفض دخول البشمركة السورية المدعومة من إقليم كردستان العراق.

وفي المجازر التي ارتكبها التنظيم ضدّ العوائل المناصرة للثورة السورية استعرض الكاتب الكردي مجزرة عائلة بدرو في القامشلي، ومجرة عائلة شيخ حنان في عفرين، ومجزرة قرية تل غزال في ريف عفرين.

وتعليقاً على ذلك يقول أزاد عثمان لـTRT عربي: "لقد كنا في معركة حقيقة ضدّهم هي معركة اختلافنا معهم وانضمامنا إلى الثورة السورية، وكنا نعتقد جازمين أن PYD هو وجه آخر للنظام وأداة بيد إيران، لذلك وقفنا مع الشعب السوري شركائنا في الوطن ضدّ أدوات النِّظام الذي ثرنا ضده".

المصدر: TRT عربي